تاريخ الإضافة : 13.08.2008 08:21

مستقبل مجلس الدولة بين الضرورات والمحظورات

عبد الله أحمد منيا كاتب في المهجر:  menneyya@maktoob.com

عبد الله أحمد منيا كاتب في المهجر: menneyya@maktoob.com

عبد الله أحمد منيا كاتب في المهجر: menneyya@maktoob.com

في صباح يوم الأربعاء استيقظ الموريتانيون على إقالات (أبرمت بليل) وانقلاب في وضح النهار يمحو ما كتب بليل، انقلاب يبدو أن منفذيه كانوا على عجلة من أمرهم.
بدأت ردود الفعل تتصاعد من هنا وهناك مناهضة أو مساندة، أو حيادية، فهل تنتصر الانتخابات أم الانقلابات؟ وهل سيجر المجلس الأعلى للدولة إلى وحل التأزم الذي انقلب المجلس ـ كما يقول ـ لتصحيحه، تأزم يجره إليه ـ ربماـ تصفيق الداخل، وابتزاز الخارج ؟ أم أن فيه "رجلا رشيدا" يحسن التأمل ويجيد التفكير؟

لغة الإشارات الخارجية:
بعض الدول الغربية أطلقت إشارات خضراء في أثناء الأزمة السياسية الماضية مساندة لمعارضي ولد الشيخ عبد الله؛ من ذلك إشادة السفير الأمريكي المعتمد في موريتانيا (مارك بولوير) بالتجربة الديمقراطية الموريتانية وما يميزها من حريات واسعة! أما وزير الخارجية الاسباني مخائيل موراتينوس فقال في تصريح لقناة العربية" بتاريخ:9/7/2008: إن طرح مذكرة حجب الثقة والمطالبة بإعادة تشكيل الفريق الحكومي ممارسة ديمقراطية، وحض على ترك المؤسسات الدستورية تقوم بدورها، وعزز ذلك وزير الخارجية الفرنسي "كوشنير" في لقاء مع رئيس الجمهورية المنقلب عليه سيد ولد الشيخ عبد الله في زيارته الأخيرة لفرنسا، حيث امتدح في تصريح له مساعي النواب لحجب الثقة عن الحكومة المستقيلة واصفا الأمر بالسلوك الديمقراطي المشجع معربا عن دعم الفرنسيين للمسار الديمقراطي في موريتانيا، وفي هذا الصدد يشير بعض المراقبين إلى زيارة قائد الانقلاب لفرنسا قبل بداية ما عرف بـأزمة النواب المغاضبين(في إطار العلاقات الدولية!؟)، في وقت يوجد فيه رئيس المجلس العسكري السابق على ولد محمد فال في فرنسا؟.
هذه الإشارات فهمها فريق الانقلاب ـ على ما يبدو ـ إذنا مطلقا في الاستيلاء على (غرف النوم في القصر الرئاسي) تلك الغرف التي لم يترك ـ واقعياـ للسيد الرئيس قبل الإطاحة به غيرها. ولكن يبدو من خلال التصريحات التي صرحت بها جهات غربية مهمة أن (الأسياد كانوا يريدون) القصر بدون ثمن؛ أي أنهم يريدون إسقاط الرئيس بطريقة أخرى دستورية أو جماهيرية غير مكشوفة كما فعل الضباط (بسبب الضرورة الملحة؟) ومن هنا نفهم البيانات المستنكرة للانقلاب من فرنسا، وإسبانيا، وألمانيا، والاتحاد الأوروبي، وأمريكا، ولكن بعض المحللين يرى أن الطريقة التي تعاملت بها هذه الجهات مع الحدث والتي كانت في البداية بلهجة باردة نوعا ما ثم بدأت تشتد شيئا فشيئا، يرون أن ذلك ربما يكون من أجل ابتزاز القيادة الجديدة فقط للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب، وليس ببعيد عن الأذهان أطماع السوق الأوروبية المشتركة في الثروة السمكية الموريتانية بأرخص الأثمان، وكذلك ما يتردد عن محاولة الولايات المتحدة الأمريكية إنشاء قاعدة عسكرية في موريتانيا. أو ربما يكون ابتزازا لأصحاب القصر للإلجائهم إلى التوبة النصوح!، أو إنه من باب الحفاظ على ماء الوجه؛ لأن موريتانيا بعظمها ولحمها لا تستحق (التنازل عن المبادئ).

التغريد داخل السرب العربي:
لم يأت الرد العربي الرسمي خارجا عن القاعدة حيث تراوح بين وصف ما حدث بالمثير للقلق، من قبل الناطق باسم الخارجية المصرية، والاعتراف الضمني من الجامعة العربية بإرسال الأمين العام المساعد أحمد بن حلي مبعوثا للقاء المنقلبين، واطمئنانه! ـ كما صرح بعد لقائه مع المنقلبين ـ على الأوضاع.
هذا الموقف ليس مفاجئا للمحللين والمراقبين إذ تعتبر موريتانيا خلال الستة عشر شهرا الماضية خارجة عن النسق العربي بوجود رئيس مدني منتخب وهو ما لا يوجد إلا في دولة واحدة من 22 دولة عربية هي جزر القمر، أما بقية الدول العربية فثمان منها الحكم فيها وراثي عائلي، وعشر حكامها عسكريون، وثلاث محتلة هي: الصومال، والعراق، وفلسطين.
هذا الإجماع العربي خرقته موريتانيا في 19 أبريل 2007 بتنصيب رئيس مدني منتخب، انتخاب على علاته وحضور العسكريين المعروف في كل مفاصله يبدوا أنه غير مريح لقادتنا العرب وربما يندرج ضعف المشاركة العربية في حفل تنصيب ولد الشيخ في هذا السياق.

ولد الشيخ عبد الله والانتصار:
يبدو انقلاب 6/8 انتصارا للعسكر، ولكنه في الحقيقة انتصار لود الشيخ عبد الله؛ وذلك أن المنقلبين كانوا مصممين ـ حسب كل المؤشرات ـ على إسقاطه جماهيريا ودستوريا، ولو نجحوا في ذلك لخلع وهو منبوذ شعبيا وعالميا بل سوف يصور دكتاتورا أهلك الحرث والنسل وعاث في الأرض فسادا، أما الخروج الذي صنعه هو بيده مستبقا ما كان يريده ويخطط له العسكر فقد أخرجه ـ في نظر الكثيرين ـ من القصر مظلوما معتدى عليه دون أي مبرر، وهذا في حد ذاته يعتبر انتصارا كبيرا .
وقد فاجأ ولد الشيخ عبد الله الضباط بإقالتهم، وكانت تلك المفاجأة هي سر نجاحه، وقد سببت هذه المفاجأة ارتباكا واضحا في تصرفات مجلس الدولة ، تمثلت في:
الفشل في إشراك المدنيين في تشكيلة المجلس الأعلى للدولة ،حيث اعتذر بعض المعينين المدنيين فيه ـ كما نشر في بعض وسائل الإعلام ـ واشترط بعض شروطا لم تُغر المنقلبين.
الفشل في اختيار اسم جذاب للمجلس، وذلك ما تخلف فيه هذا المجلس عن المجالس العسكرية المنقلبة السابقة؛ حيث كانت أسماؤها جذابة لاحتوائها على كلمات مثل: (الإنقاذ ـ الخلاص ـ العدالة ـ الديمقراطية) ، وكأن اسمه المجرد يوحي بأن هدفه الأكبر هو الجلوس في الحكم فقط.
فشله في ابتكار وسائل جديدة لترويج نفسه داخليا وخارجيا، فالطريقة التي اتبعها طريقة تقليدية مكرورة سئمها الجمهور وملها المواطنون: مديح مفرط، ومبررات ضعيفة، وتضخيم لأخطاء السلف "المؤتمن" الذي كان يصفق له بالأمس بحرارة.

ما وراء الأكمة؟:
ذكر الجنرال ولد عبد العزيز في مقابلته مع الجزيرة من مبررات الانقلاب (التصحيح) ـ كما يسميه ـ فشل ولد الشيخ عبد الله الاقتصادي، وفشله في الحد من ظاهرة الرشوة، وتعطيله للمؤسسات الدستورية، وفشله الأمني!. ولا يخفى على أحد تأثير الانقلابات العسكرية السلبية على اقتصاديات الدول؛ لما تسببه من تحفظ المستثمرين وخوفهم من الاستثمار في موريتانيا، وكذلك بعض الجهات الدولية الممولة والمانحة، كما لا يخفى على أحد أن ملف الأمن في الفترة الماضية تناوبه ضابطان من ضمن المجلس المنقلب.
وقد دأب المجلس منذ انقلابه يوم الأربعاء6/8 على تكرار حرصه على اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل ضمان استمرارية الدولة، استمرارية يبدو أنها تتمثل أساسا في إمساك المؤسسة العسكرية بالحكم بطريقة دستورية دائمة ومباشرة بتولي رئاسة الجمهورية؛ ألمحت إلى ذلك إشارات ولد عبد العزيز إلى العمل على تأسيس الحكم علي قواعد ثابتة ودائمة، كما ألمح إليه بعض النواب المساندين له في تصريحاتهم لوسائل الإعلام ، وكذلك مقابلة الجنرال عزيز مع وكالة اسوشيتد برس يوم الأحد10/8 حيث قال: إن المجلس الأعلى للدولة سوف يقرر ما إذا كان هو (ولد عبد العزيز)أو غيره من أعضاء المجلس العسكري الحالي سيترشح للانتخابات المقبلة، ويرى بعض المراقبين أن الحملة الإعلامية الحالية لشخص ولد عبد العزيز إشارة واضحة إلى تحديد مرشح مجلس الدولة.

الضرورة في مفهوم الحكام الجدد:
تعهد المجلس الأعلى للدولة بعدم "التدخل أكثر من ما هو ضروري في سير المؤسسات الديمقراطية" ولكن بعد رفض ومعارضة أحزاب سياسية وهيئات مدنية ودولية متعددة لهذا الانقلاب، فهل من الضروري إسكات الأصوات الداخلية المعارضة؟
حتى الآن هنالك وقائع على الأرض: ربما تعطينا تصورا عن (الضرورة) في مفهوم مجلس الحكم، منها:
تعامل قوات الأمن مع الجمهور المعارض ـ وإن كان من ممثلي الشعب ـ بالعنف وتفريقه بالضرب ومسيلات الدموع..!
حرمان الأحزاب السياسية والقوى المدنية المعارضة للانقلاب من وسائل الإعلام العامة، وفتحها على مصراعيها لمن هب ودب من المصفقين ولو بيد واحدة خجولة ومرتبكة!.
تعامل (مكتب الجمعية الوطنية) مع موقف رئيس الجمعية الرافض للانقلاب؛ حيث احتفظوا لأنفسهم في البيان الذي أصدروه (بوصفه الهيئة القيادية للجمعية)
وجردوا رئيس الجمعية حتى من لقبه الرئاسي ، ومن الوصف الذي احتكروه لأنفسهم، وزيادة على ذلك نشرت بعض وسائل الإعلام أن هذا الفريق النيابي ينوي تشكيل لجنة للتحقيق في سوء تسيير مفترض لرئاسة البرلمان خلال الفترة الماضية. وهي بادرة خطيرة تنذر بصناعة سياط شرطية غليظة من المؤسسات الدستورية يجلد بها كل من لم يسرع في الهرولة وراء (أصحاب الزايرات). ولكن هل تقف هذه الضرورات عند هذه الحدود؟ سؤل ينبغي أن يتأمل فيه (المجلس الأعلى للدولة) قبل أن يجر من حيث يريد أو لا يريد إلى إدخال البلاد في أزمة لا يستطيع تصحيحها حتى ولو انقلب على نفسه.

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026