تاريخ الإضافة : 12.08.2008 23:53
اغتصاب موريتانيا
المحامي/ محمد سيدي ولد عبد الرحمن
تسلل العسكر مجددا إلى مكتب الرئيس فاعتقله واغتصب السلطة، أعلن ببساطة أن الجنرال الذي أصدر رئيس الجمهورية مرسوما بعزله صبيحة اليوم (محمد ولد عبد العزيز) ألغى المرسوم الرئاسي ودخل مكتب الرئيس وطفق يرسم Décrète بدلا منه، ربما لم ينتبه الكثيرون إلى أن البيان الأول الذي قرأه محمد محمود ولد ابراهيم اخليل باللغة الفرنسية جاء في شكل مرسوم (Décret) في استخفاف واضح بالأشكال ودون اعتبار للمفهوم ومدلوله من المنظور الشرعي.
فبأي صفة يشرع الجنرال الذي استمر في ممارسة صلاحياته بعد عزله وأضاف لها سلطات جديدة اغتصابا.. وارتكب أفعالا يسوغ تكييفها بأنها جرائم تدخل في نطاق قانون العقوبات.. ألا ينبغي التمهيد لهذا التشريع بإجراءات شكلية ؟
نشر أن الجنرال عزيز سيمارس صلاحياته بصفته رئيسا للمجلس الأعلى للدولة، وتساءل الناس عن ماهية المجلس المذكور وسر سموه ونسبته للدولة.. منطق القوة وحده يحل الألغاز.. أليس من الأنسب أن نتشبث بقوة القانون بدل الإنصياع لقانون القوة والفوضى..
تأكيدا لم تكن المرة الأولى التي ينقض فيها العسكر على السلطة في "بلاد السيبة" وما يؤرقني أنها قد لا تكون الأخيرة، لكنها المرة الأولى التي يحكم فيها العسكر بواسطة مجلس متنكر لا تنبئك تسميته عن حقيقة كونه مجلسا عسكريا خالصا.. بل إن تسميته مضللة لأنها تخيل لمن لا يعرفه بأنه مجلس مدني فالدولة أصلا "ربما باستثناء موريتانيا التي يراد لها أن تكون ميليتاريا" كيان مدني بإتفاق ومجلسها الأعلى يحمل في الأصل على أنه مدني.
ضباط موريتانيا دأبوا على التمرد وترك الخدمة (Désertion) والإنغماس في السلطة ولم يجدوا من يؤدبهم ويعمل في حقهم النظم العسكرية المطبقة وفي هذا خطر بالغ على الدولة وإهمال للثغور ومن لا ينكر هذا الوضع ينبغي أن لا يسنكر تعيين معلم أو محام في رتبة جنرال دون اعتبار لكفاءته البدنية ولتدريبه كما يفعل بعض المنفردين بالسلطة.
هل عقمت موريتانيا عن أن تنجب أبناء يدبرون شؤونها المدنية ولم يبق لها من أمل إلا العسكر الذين تهدر كفاءتهم البدنية في القصور ويفكرون بمنطق قوة عسكري مجانف للمدنية على كل حال.. أليس أغلب ضباط هذه البلاد من ذوي التكوين المتوسط وقد اختاروا بأنفسهم عملا لا يتطلب تكوينا نظريا كبيرا ؟ .. ومن زملائهم في الدراسة من كانت همته واستيعابه وبالتالي مؤهلاته أعلى.. الأجدر بضباطنا ادخار أسلحتهم لمواجهة أعداء الوطن بدل عصيان رؤسائهم وترويع مواطنيهم.
لا أنتمي لحزب عادل وإن ساءني إغلاق مقره ولم أكن يوما مناصرا للرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله بل كنت بصدد كتابة مقال منتقد للأوضاع في ظله وقد اخترت عنوانه "موريتانيا عندما يعانق الفساد الديمقراطية" وبعثت للرئيس أيام حكمه بكتاب ناقد للأوضاع، تأكيد لم أصوت لسيدي الرئيس في الإنتخابات الرئاسية الماضية وأعتقد الآن أنه لم يكن محقا عندما وقف في وجه الدورة البرلمانية الإستثنائية التي دعا إليها النواب.. ولكنه في نظري يعتبر رئيسا منتخبا أو شبه منتخب على كل حال.. كما أنه استند في تأجيل الدورة البرلمانية على استشارة من زميلي الأستاذ البارز لو غورمو.. بقي الرئيس على كل حال في الإطار العام للشرعية وإن استند على تأويل بعيد "لا أقره شخصيا" وكانت تنبغي مواجهته بأساليب حضارية.. ويحق التساؤل عن ما يستند عليه الجنرال عزيز غير المدرعة التي وقف عليها عندما أراد أن يخاطب المسيرة المسيرة لنصرته وكأنه يهدد المواطنين بالويل والثبور وعظائم الأمور !
إن مجلس الأحد عشر ضابطا قد كفر بالدستور وبقوانين الجمهورية عندما اغتصب السلطة المحصنة بعقد شرعي أمام صاحبها بعد أن اعتقله.. وفي هذا الإغتصاب خطر بالغ على مفهوم الدولة الذي نسعى إلى ترسيخه.. وعلى مشروعها الذي نعلق عليه آمالنا والذي كنا نفاخر به محيطنا.. كما أن للإغتصاب المذكور انعكاسات سلبية على مصالح الوطن بدأت تتتابع كنظام انقطع سلكه فتهاوى..
كأن قدرنا أن نبقى في ذمة الضباط ما إن نقيم أركان دولة حتى يهدها بعض أبناء الوطن بحجج أقل ما يقال عنها أنها غير مقنعة.. إننا إما أن نكون دولة أو لا نكون.. ولا يعقل أن نعيد كرة الإنتخابات في كل مرة ونهدر إمكانيات الأمة في اقتراعات عبثية يمكن أن يحبطها ضابط بجرة قلم.. أو فوهة مدفع.. فالنعد الأمور إلى نصابها والنعقد عقدا اجتماعيا لا يكون للشيطان فيه نصيب.. بحيث نبعد العسكر عن السلطة ونفطمهم عنها ويراجع الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله نفسه ويكبح بطانته المفسدة أو يضحي بالتنازل طواعية عن الحكم في سبيل موريتانيا.
إن نفسي لا تطاوعني في أن أسكت عندما ينتهك عرض موريتانيا الغالية وتلطخ سمعتها الديمقراطية التي كنا نتباهى بها.. لا يمكن أن أقف متفرجا على جريمة اغتصاب لدولة غالية ومن ذا الذي يرضى بأن يقف متفرجا على اغتصاب أمته أو يبارك الفعل الشنيع! خاصة وأننا في زمن تعتبر الدولة غير الديمقراطية فيه عاهرة لا كرامة لها.
إن العاهل عندما يمنح دستورا لا يمكن أن يسترجعه والدستور المعمول به حظي بمباركة المواطنين، وأملنا أن لا يمن علينا الإخوة الضباط ديمقراطيتنا الوليدة التي يريدون لها أن تكون "سلف الوليد".
* سلف الوليد : الوليد شخص تروي الأسطورة الشعبية أنه استلف مبلغا ولما هم المستلف له بالإنصراف أراد الوليد المستلف (بكسر اللام) مرافقته حتى يستخلص منه دينه.
تسلل العسكر مجددا إلى مكتب الرئيس فاعتقله واغتصب السلطة، أعلن ببساطة أن الجنرال الذي أصدر رئيس الجمهورية مرسوما بعزله صبيحة اليوم (محمد ولد عبد العزيز) ألغى المرسوم الرئاسي ودخل مكتب الرئيس وطفق يرسم Décrète بدلا منه، ربما لم ينتبه الكثيرون إلى أن البيان الأول الذي قرأه محمد محمود ولد ابراهيم اخليل باللغة الفرنسية جاء في شكل مرسوم (Décret) في استخفاف واضح بالأشكال ودون اعتبار للمفهوم ومدلوله من المنظور الشرعي.
فبأي صفة يشرع الجنرال الذي استمر في ممارسة صلاحياته بعد عزله وأضاف لها سلطات جديدة اغتصابا.. وارتكب أفعالا يسوغ تكييفها بأنها جرائم تدخل في نطاق قانون العقوبات.. ألا ينبغي التمهيد لهذا التشريع بإجراءات شكلية ؟
نشر أن الجنرال عزيز سيمارس صلاحياته بصفته رئيسا للمجلس الأعلى للدولة، وتساءل الناس عن ماهية المجلس المذكور وسر سموه ونسبته للدولة.. منطق القوة وحده يحل الألغاز.. أليس من الأنسب أن نتشبث بقوة القانون بدل الإنصياع لقانون القوة والفوضى..
تأكيدا لم تكن المرة الأولى التي ينقض فيها العسكر على السلطة في "بلاد السيبة" وما يؤرقني أنها قد لا تكون الأخيرة، لكنها المرة الأولى التي يحكم فيها العسكر بواسطة مجلس متنكر لا تنبئك تسميته عن حقيقة كونه مجلسا عسكريا خالصا.. بل إن تسميته مضللة لأنها تخيل لمن لا يعرفه بأنه مجلس مدني فالدولة أصلا "ربما باستثناء موريتانيا التي يراد لها أن تكون ميليتاريا" كيان مدني بإتفاق ومجلسها الأعلى يحمل في الأصل على أنه مدني.
ضباط موريتانيا دأبوا على التمرد وترك الخدمة (Désertion) والإنغماس في السلطة ولم يجدوا من يؤدبهم ويعمل في حقهم النظم العسكرية المطبقة وفي هذا خطر بالغ على الدولة وإهمال للثغور ومن لا ينكر هذا الوضع ينبغي أن لا يسنكر تعيين معلم أو محام في رتبة جنرال دون اعتبار لكفاءته البدنية ولتدريبه كما يفعل بعض المنفردين بالسلطة.
هل عقمت موريتانيا عن أن تنجب أبناء يدبرون شؤونها المدنية ولم يبق لها من أمل إلا العسكر الذين تهدر كفاءتهم البدنية في القصور ويفكرون بمنطق قوة عسكري مجانف للمدنية على كل حال.. أليس أغلب ضباط هذه البلاد من ذوي التكوين المتوسط وقد اختاروا بأنفسهم عملا لا يتطلب تكوينا نظريا كبيرا ؟ .. ومن زملائهم في الدراسة من كانت همته واستيعابه وبالتالي مؤهلاته أعلى.. الأجدر بضباطنا ادخار أسلحتهم لمواجهة أعداء الوطن بدل عصيان رؤسائهم وترويع مواطنيهم.
لا أنتمي لحزب عادل وإن ساءني إغلاق مقره ولم أكن يوما مناصرا للرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله بل كنت بصدد كتابة مقال منتقد للأوضاع في ظله وقد اخترت عنوانه "موريتانيا عندما يعانق الفساد الديمقراطية" وبعثت للرئيس أيام حكمه بكتاب ناقد للأوضاع، تأكيد لم أصوت لسيدي الرئيس في الإنتخابات الرئاسية الماضية وأعتقد الآن أنه لم يكن محقا عندما وقف في وجه الدورة البرلمانية الإستثنائية التي دعا إليها النواب.. ولكنه في نظري يعتبر رئيسا منتخبا أو شبه منتخب على كل حال.. كما أنه استند في تأجيل الدورة البرلمانية على استشارة من زميلي الأستاذ البارز لو غورمو.. بقي الرئيس على كل حال في الإطار العام للشرعية وإن استند على تأويل بعيد "لا أقره شخصيا" وكانت تنبغي مواجهته بأساليب حضارية.. ويحق التساؤل عن ما يستند عليه الجنرال عزيز غير المدرعة التي وقف عليها عندما أراد أن يخاطب المسيرة المسيرة لنصرته وكأنه يهدد المواطنين بالويل والثبور وعظائم الأمور !
إن مجلس الأحد عشر ضابطا قد كفر بالدستور وبقوانين الجمهورية عندما اغتصب السلطة المحصنة بعقد شرعي أمام صاحبها بعد أن اعتقله.. وفي هذا الإغتصاب خطر بالغ على مفهوم الدولة الذي نسعى إلى ترسيخه.. وعلى مشروعها الذي نعلق عليه آمالنا والذي كنا نفاخر به محيطنا.. كما أن للإغتصاب المذكور انعكاسات سلبية على مصالح الوطن بدأت تتتابع كنظام انقطع سلكه فتهاوى..
كأن قدرنا أن نبقى في ذمة الضباط ما إن نقيم أركان دولة حتى يهدها بعض أبناء الوطن بحجج أقل ما يقال عنها أنها غير مقنعة.. إننا إما أن نكون دولة أو لا نكون.. ولا يعقل أن نعيد كرة الإنتخابات في كل مرة ونهدر إمكانيات الأمة في اقتراعات عبثية يمكن أن يحبطها ضابط بجرة قلم.. أو فوهة مدفع.. فالنعد الأمور إلى نصابها والنعقد عقدا اجتماعيا لا يكون للشيطان فيه نصيب.. بحيث نبعد العسكر عن السلطة ونفطمهم عنها ويراجع الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله نفسه ويكبح بطانته المفسدة أو يضحي بالتنازل طواعية عن الحكم في سبيل موريتانيا.
إن نفسي لا تطاوعني في أن أسكت عندما ينتهك عرض موريتانيا الغالية وتلطخ سمعتها الديمقراطية التي كنا نتباهى بها.. لا يمكن أن أقف متفرجا على جريمة اغتصاب لدولة غالية ومن ذا الذي يرضى بأن يقف متفرجا على اغتصاب أمته أو يبارك الفعل الشنيع! خاصة وأننا في زمن تعتبر الدولة غير الديمقراطية فيه عاهرة لا كرامة لها.
إن العاهل عندما يمنح دستورا لا يمكن أن يسترجعه والدستور المعمول به حظي بمباركة المواطنين، وأملنا أن لا يمن علينا الإخوة الضباط ديمقراطيتنا الوليدة التي يريدون لها أن تكون "سلف الوليد".
* سلف الوليد : الوليد شخص تروي الأسطورة الشعبية أنه استلف مبلغا ولما هم المستلف له بالإنصراف أراد الوليد المستلف (بكسر اللام) مرافقته حتى يستخلص منه دينه.







