تاريخ الإضافة : 09.08.2008 18:23

البيان رقم 1

أحمد أبو المعالي

أحمد أبو المعالي

لم يأت اختياري لهذا العنوان جزافا أو خبط عشواء ،ولا ولعا بالحياة الانقلابية المتلاحقة ومفرداتها الخاصة ، وإنما عدوى هذا البلد الذي حكم عليه بسلسلة من البيانات ذات الأرقام المتكررة، لم تغلق صفحتها السوداء انتخابات نزيهة تقنيا وفنيا سلمت المعارضة بنتائجها على ما شابها من دخن.وشمرت عن ساقها للعمل تحت ظلالها وفق الآليات والطرق السلمية المشروعة.وبالتأكيد فإن هذا البيان الذي أذاعه وزيرا الثقافة والاتصال لن يكون البيان رقم واحد الأخير مادامت القوة العسكرية هي سيدة الموقف ،وما كان كل ضابط يمتلك السلاح والعتاد والجرأة قادرا على تنفيذ ما يريد ورفض ما لا يشتهي . ومصادرة أي قرار لا يخدمه واعتباره "لاغ قانونيا" رغم الصلاحيات الدستورية التي تدعمه.وهكذا فقد أضحت البيانات العسكرية لغة متداولة في حيواتنا السياسية بشكل اعتيادي وفي ضوء هذا البيان أسجل الملاحظات التالية :

- لقد كنت من الذين عارضوا اختيار سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله إبان الترشحات الرئاسية الماضية واعتبرت أنه –نظرا لما يحيط به من حاشية ملطخة - ليس سوى امتداد لنظام العقيد ولد الطائع وزمرته التي تكتلت من جديد كحائط إسمنت مسلح بدعم من العسكريين ،وعندما قررت بعض الأطياف السياسية المعارضة المشاركة في حكومته قبل الأخيرة اعتبرت ذلك القرار غير صائب وكتبت سلسلة من المقالات المتحفظة على تلك المشاركة باعتبارها تشريعا للفساد والتطبيع الذي تتسم به بعض عناصر تلك الحكومة .ومجازفة غير مأمونة النتائج ..وما زلت أؤمن بذلك الرأي .

وحتى في ذروة الأزمة الأخيرة اعتبرت أن خضوع الرئيس لحل الحكومة استجابة لطلبات النواب "الناطقين الرسميين" باسم العسكريين استكانة غير مقبولة ولا تناسب مقام رئيس يخوله القانون أن يتصرف بشكل تقديري ومشرف ..بيد أنني الآن وفي هذه اللحظات الخاصة من تاريخ بلدنا أؤكد تشبثي برفض الأخطاء التي وقع فيها الرئيس سيدي وموقفي الواضح تنديدا بهذه النتيجة المفزعة و هذا التصرف غير المحمود وغير المضمون النتائج مهما كانت الأخطاء التي وقع فيها الرئيس فمعالجتها يجب أن تكون بالوسائل والآليات المشروعة قانونيا ودستوريا لا عن طريق امتطاء دبابة واستخدام فوهة بندقية .وبالتالي فهذا الانقلاب ليس حلا لمشكل بقدر ما هو تعقيد للمشكل وتأزيم للأمور وانتكاسة لديمقراطية لم تتمم حولها الثاني حتى سحب البساط من تحتها غصبا عن الشعب وصناديق الاقتراع ،ورفض هذا الانقلاب وشجبه لا يعني تباكبا على أيام سيدي بقدر ما يعني الحسرة على هيبة مؤسسة الرئاسة ورمزية المؤسسات الدستورية التي مرغها العسكريون وأعوانهم في التراب تحت شعارات غير مقنعة.

- ليست خشونة العسكريين واستخدامهم للقوة بغية الوصول للمآرب أمرا مفاجئا ولا مستغربا ،لكن المستغرب والمفاجئ أن ينجر وراء تلك القوة العسكرية وتلك الخشونة القاسية مجموعات تتوشح النهج الديمقراطي السلمي وتنادي بالتمكين له ليل نهار وتلعن الديكتاتورية وتشتمها بكرة وعشيا ،،
فقد ارتمى هؤلاء في أحضان العسكريين كأنما يفرون من قسورة وقدموا لهم عرابين وآيات الولاء ، وباركوا تدخلهم السافر و النشاز في السياسة، ومرر العسكريون من خلالهم أطروحاتهم وتوجهاتهم واستغلوا مناصبهم ومواهبهم ومؤسساتهم الدستورية لتمرير خطابات "الجنرالات" شبرا بشبر وذراعا بذراع فكانوا أمناء على خطابهم أكثر من أمانتهم على مصلحة الأمة .. وبدأوا يحضرون للإطاحة بالشرعية الدستورية وبالنظام الجمهوري بدم بادر تارة وبدم حار تارة أخرى وبلغة متناقضة تمتشق "الإصلاح والتغيير" من خلال تصريحات وخطابات"حق أريد به باطل" .ووقوف في وجه الفساد من قبل بعض رموزه كأنما يمتطون "ضربني وبكى وسبقني واشتكى"
.صحيح أن الوقوف في وجه الفساد ومعارضة الانحرافات أمر واجب وحتمي على الفاعلين السياسيين والبرلمانيين بشكل خاص ولهذا انتخبهم الشعب ..لكن ذلك الوقوف يجب أن يكون نابعا من مصلحة عليا للبلد ،وأن يكون مؤسسا على أركان سليمة لا دخن فيها ولا ضبابية وأن يكون وفق الآليات والوسائل المشروعة، وليس ترديدا"لصدى" جنرالات أغضبهم تصرف الرئيس في هذا السياق أو ذك وأزعجهم تعيين هذا الرجل أو تلك المرأة فللفيل رب ...وللبيت رب.

إن موقف هؤلاء قد عراهم أمام الناس وأسقط أوراق التوت التي كانوا يستترون بها ،وأعطوا صورة سيئة عن من يتناقض بين الفينة والفينة نظرا لمصالح خاصة واعتبارات ضيقة،فقد لفظوا أنفاسهم السياسية الأخيرة وأراقوا آخر قطرة في كأس المبادئ والشرف وارتكسوا بعد أن ملأوا الدنيا شعارات جوفاء ،وحتى بعض الذين تحدثوا وباركوا هذا الانقلاب كانوا حتى لحظات قبل الانقلاب يلوذون بصمت رهيب أو نفاق غريب ..ولم يكتشفوا أخطاء الرئيس إلا بعد أن وصفه البيان رقم واحد بالرئيس "السابق" فخرجوا من جحورهم يعددون مساوئ وفضائح "السابق" ويباركون خطوات ومحاسن "اللاحق" وهي شنشة مبتذلة تسلقها البعض رغبة أو رهبة ولا شك أنها تعمق الشرخ بين هؤلاء الساسة المتمصلحين والأمة

والمتتبع للإعلام الرسمي منذ أن استأنف بثه المضحك والمبكي بعد التوقف يحس بأحادية مقززة في الطرح وعودة لممارسات ما قبل تغيير الثالث من أغسطس 2005 م .فسكان نواكشوط –حسب الإعلام الرسمي-خرجوا جميعا في مسيرة تأييد ومناصرة لتغيير تصحيح المسار!..وكأن جموع وأحزاب الجبهة الوطنية الداعمة للديمقراطية ليسوا من سكان نواكشوط .ولا يستحقون ذكرا ولا أن يسمع المواطنون لهم ركزا!!وقد تجلى ذلك من خلال معاملة الأمن معهم حيث أرغمهم على التفرق من خلال مسيلات الدموع في انتظار عودة الديمقراطية ..وكان التاريخ أعاد نفسه.وعادت الطاولات المستديرة الممجوجة الحديث والخطاب كما كانت أيام ولد الطائع تنعت الباب العالي بالله بشتى الصفات النبيلة،وترفع مقامه عاليا فهو مخلص العباد والبلاد من الخطر الداهم وهو الملهم الذي عجل الله فرجه الشريف..وتسوم "النظام السابق" سوء العذاب..وتبارى المثقفون والساسة الانتهازيون المتزلفون والمنافقون في تبرير الانقلاب والترحيب به كأنما يستقبلون طلعة بهية نادرة تخلصهم من الغول المروع..وكأن هذا التغيير بحاجة إلى "التغيير"

صحيح أن هؤلاء الضباط أنقذوا موريتانيا من طغيان رفيق دربهم الذي أزاحوه صبيحة الثالث من أغسطس 2005 م ..وصحيح أن ذلك التغيير حظي بمباركة كافة الفاعلين السياسيين- حينها- لما كانت تعيشه البلاد من مصادرة للحريات العامة والخاصة ،ومن وضع أمني وسياسي واقتصادي مازال في الأذهان يصعب مقارنته بالوضع الحالي ..لكن ذلك لا يبرر أن يظل هؤلاء يمنون على الشعب في كل مرة ويتدخلون وفق أهوائهم وأمزجتهم .ويقوضون الحياة الديمقراطية ويقدون ظهرها بعنف لحظة ما أرادوا.فقد أعطوا للشعب-سابقا- عهودا ومواثيق أن يحترموا إرادة الشعب وأن يتركوا المجال السياسي لأهله وأن يتجنبوا مفرداته للمتخصصين..وأن يعودوا لثكناتهم بعد أن يسلموا مفاتيح القصر لمن يختاره الشعب في انتخابات نزيهة وشفافة..وقد تنازلوا طواعية أمام الملإ في التاسع عشر من إبريل العام الماضي ..وتسلم الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله الرئاسة على أن تنتهي مأموريته وفق ما ينص عليه الدستور وما تمليه القوانين المعمول بها .لا على أن تكون نهايته وفق ما يشتهون.وهاهم الآن ينكثون ذلك العهد ويضربون عرض الحائط بكل التعهدات التي أعادوا صياغتها بكل اللغات وفي كل المناسبات طيلة الفترة الانتقالية ..وبالتالي فلا معنى للعهود التي أعطوها اليوم بعودة المؤسسات الدستورية والعمل على استئناف عملها لاحقا ..فلنفترض أنهم أداروا الفترة الانتقالية الجديدة بنجاح وأشرفوا على انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وشهد لها العالم بذلك وتسلم "الرئيس المنتخب" مقاليد الأمور واختلف مع بعض الضباط أو لم تعجبهم سياساته وبعض قراراته فأعلنوا "العصيان" وقاموا بانقلاب تحت شعار"الحفاظ على المؤسسات الدستورية" وأعلنوا عن فترة انتقالية جدية تتمكن بعدها موريتانيا من العودة للمؤسسات الدستورية,,وهكذا دواليك .. لندخل دوامة من الانقلابات والبيانات بمختلف الأرقام كحبات سبحة تدور في يدي مسن كسيح ..ويتوقف عمل المؤسسات العمومية .وتزداد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية سوءا.وتشل حركة المصالح والخدمات استعدادا لهذا الانقلاب أو تحضيرا لهذا الانتخاب وتشل حركة البناء والتعمير وتستنزف ثروات وخيرات الأمة في هذه الحلقة المفرغة التي لا يدرى أين طرفاها.

إننا لن نضمن عودة المؤسسات الدستورية والعمل بمقتضياتها بالشروط السليمة ما لم يعد العسكريون إلى ثكناتهم بشكل نهائي ويتركوا السياسة للسياسيين ،وينحاز السياسيون للمصالح العليا للبلد ويحترموا الفصل بين مختلف المؤسسات الكبرى في الدولة..وإلا فسلام على الديمقراطية…وسلام على المؤسسات الدستورية..وسلام على التغيير والإصلاح
وحتى البيان رقم 2 إلى اللقاء
كاتب وشاعر موريتاني مقيم في الإمارات

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026