تاريخ الإضافة : 09.08.2008 01:06

لا يستحق الشعب الموريتاني ـ حالياـ غير هذا!

   Tar200dahi@yahoo.fr  التار ولد عبد الله

Tar200dahi@yahoo.fr التار ولد عبد الله

التار ولد عبد الله
Tar200dahi@yahoo.fr

من مساوئ الديمقراطية وأحد عيوبها الرئيسية أنها غير مأمونة المخرجات، فالديمقراطية التى أشرف الغرب على تنظيمها وتنشئتها فى الاراضي الفلسطينية مثلا أفرزت له حركة المقاومة الاسلامية حماس، مما اضطره الى محاصرتها وتجويع الشعب الفلسطيني عقابا له على اختياره الحر، والديمقراطية فى تركيا ذات العقيدة العلمانية المتطرفة أفرزت حزب العدالة والتنمية صاحب التوجه الاسلامي رغم أنف حماة العلمانية وامكانياتهم، ولا يختلف الامر كثيرا أيضا عما حدث فى العراق المحتل، حيث أفرزت الديمقراطية التى نشأت وترعرعت فى ظل الاحتلال الامريكي وتحت سمعه وبصره، نظاما سياسيا شيعيا موال للنظام الايراني العدو التقليدي لأمريكا؛ لكن الديمقراطية فى موريتانيا ـ وللاسف- أفرزت نتيجة مغايرة تماما لتلك الامثلة، فقد جاءت بأكثرية برلمانية يؤسفنا أن نقول إنها فاسدة ومنحرفة، ولكنها الحقيقة المرة.
فمنذ أن تشكلت هذه الاكثرية من مجموعة ما سمي يومها "بجماعة المستقلين"، بدت جلية بوادر الانحراف فى المسار الديمقراطي، وأن مآلاته ستكون لا محالة مزيدا من التدهور والضياع.
فقد كانت الغالبية العظمى من تلك الاغلبية مجرد قطع شطرنج فى يد من لا يحسن اللعب بلعبة العقلاء، وهم بطبيعة الحال قادة المجلس العسكري السابق والحالي الذين يرجع عليهم الوزر الاكبر فى توصيل هؤلاء الى مقاعد البرلمان الموريتاني بغرفتيه، فهم من أوعز الى هذه المجموعة بالاصطفاف فى جماعة المستقلين وهم من دعمهم بالمال والمناصب بل وبكافة انواع الاغواء والاغراء حتى تسلقوا على الشرعية الموريتانية عبر سلم بدى فى ظاهره أنه ديمقراطي من حيث الاخراج، ولكنه كان مافويا من حيث التشكل.
يشفق المرء وهو يتابع المشهد الموريتاني ويستكشف مآلاته، على المواطن الموريتاني وكيف صوت بداية لهذه النخبة الفاسدة التى امتهنت كرامته ونهبت وبددت ثروات بلده حتى أوصلته الى حضيض واطئ يكاد لا يوجد له مثيل فى الحضارة المعاصرة، لكن المرء يشفق وبقدر أكبر على عقول وضمائر كثير من الساسة والمثقفين الموريتانيين الذين لا يتسلق الحكم مستبد إلا هتفوا بحياته وتزلفوا وتملقوا له، ولا يذهب نظام إلا كالوا له الذم والسب بعدا أن أشبعوه المدح والتبجيل.
يعجب المرء أحيانا إلى حد الصدمة كيف يرضي هؤلاء لأنفسهم مثل هذه المقامات الوضيعة وهذا الذل المهين مقابل فتات من المال هو فى كثير من حالاته غصب وسرقة فى حق من أخذه، وسحت فى حق من يهدي له.
وأحيانا أيضا يتساءل المرء هل لهؤلاء ذاكرة يتسنى لهم من خلالها الاطلاع على مواقفهم وتصريحاتهم فى الايام الماضية أم انهم مجرد ببغاة على شكل هرم إنساني أجوف خال من العقل والضمير والقيم والاخلاق.
لقد تهافت المستقلون فبل سنة ونصف من الآن على دعم وترشيح رئسهم الميمون وسيدهم الامين، وتنافسوه وتسابقوا فى كسب وده، كما هي عادتهم فيمن سبقه ومن أتى وسيأتى بعده، لكنهم انفضوا من حوله بعدما بدي لهم أن منسوبه من الفساد لا يرقي لما ظنوه ، ولا يكفى لما أمّلوه، فانهالوا عليه ذما وقدحا فى لعبة مكشوفة وسخيفة، فافتعلوا معه أزمة لا تستند الى مسوغ قانوني ولا حتى عقلي، بل كانت حججهم فيها متهافتة وأقوالهم فى تشخيصها متضاربة، فاتهموه بالاستبداد ولكنهم وقفوا ضد توسيع دائرة المشاركة فى حكوماته، وطالبوا باقتصار التمثيل فيها عليهم حتى يظل المال العام دولة بينهم وحتى لا يجد الاصلاح سبيلا الى وكرهم؛ واتهموه بالعمل على ارجاع رموز الفساد وتوظفيهم، لكنهم وقفوا بالمرصاد أيضا ضد مشاركة رموز الاصلاح و تعيينهم، بل إننا لا نعرف حقيقة من هم الذين مظنة للفساد إذا لم يكن هم وزير التخطيط ومحافظ البنك المركزي، ووزير الصيد والتجارة ووو ...... فى الفترة التى يتكلمون عن القطيعة معها؟
لا نعتقد أن هؤلاء يملكون من السلطة الاخلاقية ما يؤهلهم لان يتكلموا أصلا ولو ببنت شفة عن الاصلاح والتغييرومحاربة الفساد، فلذلك أهله ومظانه.
ثم هل صوت هؤلاء لرئيسهم ـ الذي انقلبوا عيه ظلما وعدوانا ـ هل صوتوا له أصلا من أجل محاربة الفساد والقطيعة مع الماضي، أم من أجل الوقوف فى وجه رياح التغيير؟ ألم يلتقي هم ومن يصفونهم اليوم برموز الفساد كلهم فى بوتقة دعم هذا الرئيس والتزلف له؟ وهل كانوا يظنون به أصلا أنه سيكون رمز إصلاح ومنفذ تغيير، أم أنه فاجأهم كما فاجأنا جميعا بأن به بقية أخلاق وقليل إرادة فى التغيير والاصلاح؟
حقيقة لا تحتاج كل تلك الاسئلة فى نظري الى إجابات، ولا نعتقد أيضا أن كلما حدث قد فاجأ كثيرا من العقلاء المهتمين بالشأن العام وبصيرورة الوطن، لأنه ما كان لعاقل أن يصدق أن رجالا نموا وشاخ عودهم فى الفساد سيأتى الفرج على أيديهم وسينقلبون على مصالحهم الشخصية ويتخلون عن غيهم طواعية وبصحوة ضمير نشك كثيرا فى امتلاكهم إياه.
بيد أن المفاجأة الكبيرة التى نعتقد أنها ميزت المشهد الانقلابي الراهن هي ذلك الموقف المخزي والمهين الذي اتخذه حزب تكتل القوى الديمقراطية من الاحداث وما أبداه من مساندة ودعم للانقلاب الذي وقع على رئيس منتخب اعترف القاصي والداني بشرعيته وكان هذا الحزب نفسه على الاقل شاهذ زور على شرعيته أيضا، وهو انقلاب وقع من نفس الضباط الذين كان الحزب يتهمهم بالامس القريب بتقويض الديمقراطية الموريتانية، حتى أن زعيم هذا الحزب قال ذات مرة وهو محق لاشك فى ذلك، أن على زعيم الانقلاب الحالي أن يكف عن التدخل فى السياسة أو أن ينزع بدلته العسكرية ، فكيف ولم ينزع هذا الانقلابي بدلته بل واصطحب معها بندقيته ومدرعته، وأطاح بنظام منتخب كان يمكن أن يؤسس لمرحلة من الاستقرار السياسي ويكون بادرة أمل فى توفير ديمقراطية طالما تعطش إليها الشعب الموريتاني المغلوب على نفسه، بل وفتح هذا العسكري بتصرفاته الطفولية الباب على مصراعيه أمام انهيار البلد وأفوله، إذ بقدر ما كانت المرحلة الماضية بارقة أمل فى تغيير حقيقي وقطيعة مع الماضي التعيس، بقدر ما كانت وستكون هذه المرحلة نذير شؤم بمزيد من التخلف والضياع ان لم نصل الى الانهيار.
لقد اختار زعيم حزب تكتل القوى الديمقراطية ومن خلفه ـ وللاسف ـ مجموعة أطر هذا الحزب التواقين الى السلطة وامتيازاتها، التعامل بابراكماتيكية نتنة مفرطة ومفرّطة، مع الانقلاب العسكري، مما جعل الكثيرين يشككون فى صدقية نواياهم فى النضال والمعارضة، إذ بدي أن شغلهم الشاغل هو اغتنام أي فرصة مهما كانت ضآلتها من أجل الوصول الى سدة الحكم ولو على حساب مستقبل موريتانيا وحاضرها.
بالامس صرح نائب زعيم هذا الحزب الاستاذ محمد محمود ولد أمات الذي كنا ولا زلنا نكن له التقدير ونؤمل فيه بعض الخير، بأنه حزبه يريد توضيحا على بعض النقاط التى وردت مرتجلة وارتجالية فى كلمة زعيم الانقلاب محمد ولد عبد العزيز، وأنه يريد بعض الضمانات التى تتعلق أساسا بموعد الانتخابات وآليات اجرائها، لكن ولد أمات نسي وتناسي معه حزبه أن هؤلاء الذين يريد منهم تلك الضمانات هم أنفسهم من قدم ضمانات الماضي ثم انقلب عليها، وأن أول ضمانة وأجداها بل والتى بدونها لا تجدي الضمانات الاخري مهما تنوعت وتعددت، هي ضمانة إبعاد هؤلاء عن مراكز النفوذ العسكرية منها والسياسية على حد سواء، لأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ومن "جرب المجرب فعقله امخرب”.
إن أزمتنا الاساسية وللاسف هي فى نخبتنا الوصولية التى لاتهمها مصلحة الوطن بقدرما تهمها المكاسب المادية المشبوهة، ولا تفكر فى مستقبل هذا البلد الذي يتدحرج نخو الهاية بقدر ما تشتغل بإشباع نهمها من المال العام وما بقي من مقدرات هذا الوطن.
التار ولد عبد الله
Tar200dahi@yahoo.fr

المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026