تاريخ الإضافة : 04.08.2008 23:20

الرئيس الموريتاني.. والخيارات المحدودة

أحمد ولد محمد المصطفى ahmedou0086@gmail.com

أحمد ولد محمد المصطفى ahmedou0086@gmail.com

تعيش موريتانيا منذ عدة أشهر مرحلة غير مسبوقة في تاريخها السياسي، فبلاد "السيبه" (انعدام السلطة) قدمت طيلة ما يزيد على أربعة عقود من الزمن نموذجا من الحكم المطلق وتمجيد "الفرد – المنقذ" كفر عن اللقب الذي أطلق على البلاد كتعبير عن غياب الدولة المركزية وانتشار الفوضى قبل قيام الدولة الحديثة.
قيام قطبين متصارعين يمثل أحدهما السلطة التشريعية -ولو شكليا- ويمثل الثاني السلطة التنفيذية، وظهور القطب الأخير في موقع رد الفعل في حالات كثيرة، أمر يبدوا من الغرابة بمكان في بلد عربي إفريقي مثل موريتانيا.
لقد وجد الرئيس الموريتاني نفسه وهو يقاد رغما عنه للدخول في مواجهة مفتوحة ومع من؟ مع حليفه الذي بدا استراتيجيا بعد الانتخابات الرئاسية، والذي وضعت تحت تصرفه كل مقدرات المؤسسة العسكرية، وأعطيت له أعلى رتبة عسكرية في تاريخ البلاد.
أحداث متسارعة:
تسارعت الأحداث ولم تترك للرئيس حتى فرصة استرداد الأنفاس للتفكير بروية كما يحرص على ذلك دائما.
استقالة الأمين العام للحزب الداعم للرئيس "عادل" مع عدد من أعضاء مجلسه الوطني، قيام مبادرات نيابية مطالبة باستقالة الحكومة المتشكلة لتوها، قيام مطالبات بالتحقيق في مصادر تمويل الهيئة التي ترأسها زوجة الرئيس، وبرفع الحصانة عن رئيس مجلس الشيوخ الداعم للرئيس بقوة، بل والمطالبة بتشكيل محكمة العدل السامية لمحاكمة الرئيس نفسه... بدا الأمر في ظاهره وكأنه تصرف في نهاية الديمقراطية لكنه كان يخفي في داخله بركان صراع طرفاه وصلا -بعد التحالف- نقطة اللاعودة في الصراع، وبات هم كل منهما هو الحصول على حلفاء يستعين بهم في المواجهة المتوقعة مع الطرف الآخر، واتجه ولد الشيخ عبد الله إلى الضفة الأخرى إلى المعارضة، فاستقطب حزبي اتحاد قوى التقدم و"تواصل"، واتجه الطرف الآخر إلى حضنه الحقيقي وبيادقه الجاهزة، (نواب الموالاة) فتحركت لأول مرة في تاريخ البلاد مولاة تعارض قرار رئيسها وتعلن رفضها للحكومة التي شكلها، بمبررات كانت لها بعض الوجاهة عند غير الموريتانيين، لكن أي موريتاني لم يكن ليقتنع بتحرك نواب "أحزاب الأغلبية" ضد رموز الفساد لأنهم ببساطة هم أول من يمثله.
تأجيل المواجهة:
ظن ولد الشيخ عبد الله أن الأمر لا يحتاج أكثر من مبررات منطقية وتهديدات مبطنة وادعاء ثقة في حلفاء تشير كل القرائن إلى انعدامها، فجاء خطاب ما بعد العودة من شرم الشيخ محملا بكل هذه المضامين، وفشل توقع الرئيس واضطر للتنازل واستقالت حكومة ولد الواقف الأولى في إجراء يتضح فيه -بشكل جلي- تأجيل المواجهة دون التوصل إلى حل.
أبدى النواب رضاهم عن الحكومة الجديدة رغم أن رموز الفساد لم يكونوا أقل فيها من سابقتها، لكن ذلك الرضي عن الحكومة كان يعنى الدخول في شوط جديد من الصراع وجولة تتخطى الحكومة لتصل إلى الأشخاص المقربين من الرئيس بل وإلى الرئيس نفسه، وغاب منطق المطالبة بالاستقالة وأصبح الاتهام بالفساد جاهزا، وغابت ردة الفعل التي كان بإمكان الرئيس استخدامها وهي المطالبة -ولو بالوكالة- بالتحقيق بالمقابل في مؤسسات يرأسها أشخاص يساندون العسكر -ولن يعدمهم جزما- لكنه لم يفعل وربما بدافع الروية أو تأجيلا لسلاح لم تحن فرصته.
واليوم يدخل الرئيس ووكلاء الجنرالين مرحلة حرجة من الصراع ونقاشا حادا حول مواد قانونية محضة تتعلق بالدورة البرلمانية الطارئة، وفيها يبدو الرئيس في وقت مقتطع لاستخدام سلاحه –بروية- وهو استخدام الصداقات القديمة والاتصال بالشخصيات التي لا زالت في بداية مشوار السير مع العسكر ومحاولة ثنيهم عن المواصلة بكل ما هو متاح، لكن المؤكد أن فترة الوقت المقتطع لن تطول كثيرا وإنما ستنتهي بصدقية قول الحكومة أو البرلمانيين، وحينها تكون النتيجة واحدة لأنها إذا انتهت لصالح الحكومة فالنواب سيقدمون الطلب لرئيس البرلمان وحينها يزول الإشكال القانوني ويصبح أمام الرئيس قبول الدورة الطارئة أو رفضها وكلا الأمرين من الصعوبة بمكان بالنسبة له، فالدعوة لدورة طارئة تضع على رأس جدول أعمالها إقرار محكمة مختصة بمحاكمته لن يتم بسهولة، ورفضها يعني الوقوع في تهمة سبق وأن اتهم بها النواب وهي عرقلة العمل الحكومي، وبالتالي فسيتهمونه بعرقلة العمل النيابي وهي تهمة قد لا يملك ما يدفعها به في ظل قرار برفض دورة برلمانية يطالب بها أغلب نواب الجمعية الوطنية.
في ظل وضع كهذا ومع وقت مقتطع قد ينتهي في أي لحظة نجد أن الرئيس الموريتاني يدور بين خيارات محدودة وأن عليه أن يحسم بينها رغم أن أغلبها قد يبدو مرا وصعبا في نفس الوقت:

أول الخيارات: هو الخيار الذي طالما لوح به وهو حل البرلمان، وحل البرلمان صلاحية دستورية لرئيس الجمهورية لا يشكك أحد فيها، لكن السؤال الذي يطرحه كل من يرجح هذا الخيار هو ماذا بعد حل البرلمان؟.
أكثر الدلائل تشير إلى أن حل البرلمان في مثل هذه الظرفية لن يخدم الرئيس قطعا، فمن أوصله إلى السلطة وجمع له أغلبية قبل أن يفوز بالرئاسة يقف له هذه المرة بالمرصاد، وهو قد تخلص من التزام الحياد الذي كان يلتزمه إبان الفترة الانتقالية، وآلة الدعاية الإعلامية والاستخباراتية الكبيرة التي يمتلكها قد نشرت في غير ما محل أن الرئيس الفعلي هو الجنرال، وبالتالي فعلى البيادق التي اتجهت لخدمة الرئيس سابقا أن تسبح ضده هذه المرة، وأصحاب هذا الرأي يرون أنه في حال أقدم الرئيس على انتخابات برلمانية مبكرة فإنه يكون قد حكم على نفسه بخسارة بقية قليلة من النواب لا زالت تسانده في الجمعية الوطنية، وسنجد جمعية جديدة صنعت على عين الجنرال واختير رجالها من خلص البيادق، وملئوا غيظا على الرئيس الذي خان "من ائتمنه".
كما أنه يمكن أن يحالفه الحظ وينجح في مواجهة "سارق بسارق أخر" فيجد في رموز الفساد التي لا زالت تسانده قوة تمكنها من مواجهة أولئك المساندين للعسكر، ويزيد من قوة هذا الاحتمال أن حيتان الحزب الجمهوري السابق تقف وبقوة في صف الرئيس، وهي تتقن فن اللعب على ذقون الشعب وقد تنجح كما فعلت مرات عديدة في جعل الشعب يقف خلفها رغما عنه.

الخيار الثاني: خيار إقالة الجنرالين: وهو خيار يبدو مستبعدا نظرا للطبيعة غير التصادمية للرئيس، ولأنه –على ما يبدو- ينظر للوقت كجزء من الحل في كثير من أزماته، لكن بعض الأنباء تتحدث عن تعرضه لحملة تشجيع على اتخاذ قرار كهذا القرار، معتبرة أنه هو الحل الوحيد بعد أن وصلت الأمور معهما مرحلة اللاعودة، ويبقى السؤال الذي له حظ من الوجاهة كما أنه قد يكون المانع الأبرز لولد الشيخ عبد الله من اتخاذ هذا القرار وهو ماذا لو رفضا القرار؟
حينها لن يكون أمامه إلا الجلوس في القصر في انتظار ما يقرره الجنرلان، كما أن من الوارد أن يندفع بعد أنصار الرئيس في الجيش - أو على الأصح- أعداء الجنرالين وهو ما سيدفع بالبلاد في أتون حرب أهلية.

الخيار الثالث: خيار الاستقالة: وهو خيار استبعده الرئيس في مقابلته الأخيرة مع قناة الجزيرة القطرية نافيا توفر دواعيه، لكن الأحداث قد تفرضه عليه فيرى فيه الحل الوحيد، ولا يستبعد أن تكون إستراتجية الجنرالين تتجه بهذا الاتجاه أو على الأقل دعوته لتعديل الدستور من أجل تقليص صلاحيات الرئيس ونقلها إلى رئيس الوزراء كحل توافقي بينهما.

الخيار الأخير: هو خيار تأجيل المواجهة ما وجد إلى ذلك سبيلا وذلك بالتنازل عن بعض الأمور والتمسك ببعضها الآخر، ويبدو أنه الخيار الذي يسير عليه الرئيس لحد الساعة، لكن الجنرالين و"نوابهما" يدركون أن عامل الوقت قد لا يكون في صالحهم أحرى إذا كان أنصار الرئيس قد بدءوا حملة تستهدف رد بعض المساندين للعسكر، وهم يجيدون فن استقطاب الأنصار لاسيما إذا كانت سياسة الترهيب والترغيب مجدية معهم.
وأخيرا يظل الشعب الموريتاني الخاسر الأول من هذه الأزمة المختلقة للحفاظ على عملية نهب منظمة لخيراته، وإلهائه بمتابعة فصول هذه المسرحية عن المطالبة بحقوقه والسعي لتغيير وضعه المزري.
وأيا كان الخيار الذي سيتخذه الرئيس فإن نتائج الأزمة قد تفوق تصور كل أطرافها، وقد تنتهي بخسارة أحد الطرفين لكل ما يملك من أسلحة بل قد تؤدي به إلى الشارع أو اللجوء إلى الخارج في حال نجح بالنجاة بنفسه حيا يرزق وخارج أسوار السجن في إحدى المدن الموريتانية النائية.





الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026