تاريخ الإضافة : 04.08.2008 08:34
وا أسفاه على بلدٍ..
ahmedsiddik@ymail.com
أغلقت المذياع وكلي ألم وحسرة ولا أكاد أصدق ما كنت أسمعه، بل لا أكاد أصدق تلك الكلمات التي ختم بها مدير الحوار برنامجه. الإذاعة إذاعة موريتانيا والبرنامج هو برنامج "لقاء خاص" ومدير الحوار هو الصحفي "المختار ولد عبد الله" رفقة زميل آخر له والضيف هو الوزير الأول "يحي ولد الوقف".
إنها كلمات تختصر مأساة بلد بأكمله. بل إنه برنامج يختصر عشرات السنين من عمر بلد بأكمله. استمعت طيلة الحوار تقريبا إلى "كلام في السياسية " وأنا أتذكر شاعرنا الشعبي أحمد ولد الوالد في قوله:
أرَايْ ألْ ثلثين منْ الشعب === تصْدَرْ مذكرةْ توقيفْ
السياسي عادْ إرَدَحْ === بالشعب أنخْتِيرْ أنْوضَحْ
أَلَا لُخَاظْ لمتْرَشَحْ === إجِيبْ ألسان أعُودْ أخْرِيفْ
وِيجِي متَسَعْ، مطَرَحْ === أيسْتَعْطفْنَ ونْكُولُ فِيفْ
وتْشُوفْ الخلق ألِ يَظْبَحْ === بِتعِيشْ، النَصْر انَ حَلِيفْ
عالِنْ عنَ دَعْمُ، امْصَرحْ === وامَاشِي لفيف أرَ لفيفْ
يدعي وامَعْني والَمَحْ === ويجمع بطاقات التعريفْ
ذاكْ إزَوْكِ، ذاكْ إلَوحْ === دُونْ المرشح سَلْ السيفْ
أذَوْكْ امنْ اعَيَاطُ بَعْدْ امْبَحْ === والثاني إلاَ ما عَسْ إجِيفْ
ومْنَيْنَ السِياسي يَنْجَحْ === لَيْدِيهْ إكزْ أعْلِيهْ أكْرِيفْ
أيَبْكَ هَوْنْ الشعب === أهَوَحْ واكَرَرْ يَا اللهْ يا لَطِيفْ
الوضعْ اللَ ما فَاتْ أصْلَحْ === وأحْنَ نسألك التخفيفْ*
إنها عبارات عادية ولكن حين يدقق السامع في فحواها ولمن قيلت سيقف على الحقيقة المرة.
أحمد ولد الوقف المعروف بتوليه لمؤسسات عمومية كان آخرها الخطوط الجوية الموريتانية "رحمة الله عليها"، تلك المؤسسات التي انهارت بعد خروجه منها والكل يعرف ما حدث. ولست هنا لإثبات فساد الرجل أونفيه فالقضاء هو محل ذلك لو كان لدينا قضاء يعول عليه. ولكن ما يهمني هنا هو كيف تقبل أمة أن يلي تسيير شؤونها من هذه سيرته، بل كيف يحق لها أن توجه إليه هذا الكلام عبر أثير إذاعتها الوطنية وتتمنى أن يبقى في منصبه مرات ومرات.
إنها مأساة أمة تمجد فاسديها ومخربيها وترقيهم كل حسب قدراته وشطارته.
حكومات متلاحقة لا تكاد تخلو إحداها من أباطرة للفساد يشار إليهم بالبنان. فمن مختلس لمالية مشروع بأكملها تقدر بمئات الملايين إلى مستحوذ على نصيب شعبه وشعب بلد أجنبي في مؤسسة مشتركة إلى بائع لشطر دولته على جانبي نهر جاري والقائمة تطول.
كاد قلبي يتفطر كمدا وأنا أطالع أسماء الوزراء الجدد وصورهم، حين تعرفت على وزير يشغل وزارة هامة، كان يوما من الأيام يعمل في إحدى سفاراتنا في أوروبا وعندما انتهت مهمته غادر إلى الوطن لتفاجأ السفارة بعد ذلك بفواتير لتسديد أقساط سيارات كان سيادته قد اشتراها من أحد المحلات. وبعد طول نقاش واختفاء وزيرنا الحالي تضطرد الدولة الموريتانية لدفع تلك الفواتير الباهظة من دم شعب لا يكاد يجد أغلبه قوت يومه. ثم تدور الأيام ويعود سيادته هكذا مبجلا مكرما.
لو قيل لي إنهم عينوه من باب عفا الله عما سلف لقت تلك مصيبة ولو قيل لي إنهم عينوه وهم لا يعلمون بما حدث لقلت إذا المصيبة أعظم.
واأسفاه على بلد هذا حاله. وواأسفاه على شعب يقبل بظلم كهذا.
ثم نعود قليلا إلى الوراء لنتصفح شيئا من ماضي بلدنا القريب. عقيد في الجيش يتولى إدارة الأمن العام لمدة عقدين من الزمن بلياليها وأيامها فتتحول تلك المؤسسة تحت قيادته إلى وكر للفساد باتفاق الجميع وتصبح أفشل مؤسسة عرفها تاريخ البلاد الحديث. وتشاء الأقدار أن يقطف صاحبنا هذا قبل ثلاث سنوات من الآن تحديدا ثمار ثورة قام بها بعض من أحرار هذا البلد وشرفائه يوم دس الجميع رؤوسهم في التراب، فماذا حصل؟؟
الشعب بأكمله، معارضة وموالاة يهلل ويصفق للقائد الجديد دون أن يطالبه بأن يعيد النصر إلى أصحابه الحقيقيين، بل حتى متناسيا أن يسأله ولو للحظة عابرة: كيف ستدير بلدا بأكمله وأنت من أنت؟؟ بل كيف سنستأمنك على أموالنا ومقدراتنا وأنت من أنت؟؟
وانطلق القائد المظفر يجوب طول البلاد وعرضها وكل ما حل بقوم رأيت صنوف التزلف والنفاق.
ولم تنتهي القصة عند هذا، بل قرر العقيد وزملاؤه أن يظهروا اختلافهم تمويها ليتفقوا خلسة وحين غفلة من القوم ويقرروا أن يجلس في المكان ظل يختفون خلفه إلى حين.
وليت هذا الظل كان نكرة. لا وألف لا إنه سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله الذي رماه كبيرهم ولد الطايع في السجن إبان أول سنوات حكمه رفقة اثنين آخرين متهما لهم بالخيانة العظمى لمصالح البلد في حركة لم تتكرر كثيرا منه، ولا بد هنا أن الأمر كان جللا. وأرجع وأكرر أني لست هنا لإثبات فساد أحد أونفيه فالقضاء هو محل ذلك ولكني أسرد حقائق يعلمها الجميع.
وتتواصل المهزلة بالالتفاف على المعارضة إبان الحملة الانتخابية ويتم الاتفاق معها على ميثاق شرف يلتزم بموجبه الجميع بعدم التعرض لماضي المرشحين وتاريخهم لتصبح بذلك أغبى معارضة عرفها التاريخ. إذ كيف تقبل بشيئ كهذا والحملة الانتخابية هي محل كشف المرشحين على حقيقتهم وتعريف الناخب بماضيهم الذي من خلاله فقط يمكن أن يختار عن بينة. وأنا متأكد بأنها لو تحدثت عن ماضي "المؤتمن" لنسفت مخطط العقيد وزملائه ولأرغمتهم على اللجوء إلى المخطط الاضطراري والذي ربما كان سيكشف الكثير من الأوراق قبل أوانها.
وينتهي هذا الفصل من مأساة الشعب الموريتاني الذي قبل أن يكون مطية لأهواء هؤلاء ونزواتهم.
ونفتح فصلا آخر من فصول ذات المأساة التي رضي بها ذلك الشعب حتى يومنا هذا وكانت بدايتها يوم أن قفز على عرشه مختل يعيش الآن في دولة أجنبية غير مأسوف عليه.
كم ستبقى محفورة في ذاكرتي تلك الأيام عندما كنت تلميذا أقف على باب المدرسة وأنا أراقب تلك السيارات الفارهة التي تحمل لوحات كتب عليها غالبا "SG"، لتقل تلاميذا إلى منازلهم يتجهون إلى ذات اليمين وترى على ذات الشمال آخرين مشققي الثياب ومكسوري البال لا يملكون حتى حق استغلال الصناديق الصدئة المتحركة في شوارع نواكشوط.
وحين تسأل عن أولئك يقال لك: " ذاك بن الوزير كذا وذاك بن المدير كذا وذاك بن المستشار كذا... وهكذا"
وحين تنتقل في زيارة مع واحد من أهل اليمين ترى العجب العجاب والنعيم "المقيم". منازل فخمة لا تجدها حتى في أوروبا وأثاث مستورد وسيارات متعددة وما لذ وطاب من الأطعمة والأشربة. وحين تنتقل في زيارة مع واحد من أهل الشمال فيا ويلك من البؤس والشقاء. أكواخ بالية ومتاع معدوم وطعام مغشوش وماء مفقود أما السيارة فيحسبونها في الآخرة من الأجور.
وحين تسأل عن السر في ذلك تكتشف ظلما لو حدثت به جنينا لشاب رأسه منه وهو في ظلماته الثلاث.
نعم.. أولئك استولوا على أموال الشعب ونهبوها فبنوا القصور واشتروا أحدث المركبات وسافروا لقضاء العطل والراحات في مصايف أوروبا.
وهؤلاء يمثلون الأغلبية الساحقة من الشعب ويسبحون في ثالوث الفقر والجهل والمرض، راضين مستكينين.. فلا نامت أعين الجبناء.
ولا يزال هذا النهب والغبن متواصلا إلى يومنا هذا من "أعلى" هرم في الدولة أمثله في الرئيس إلى أخفضها أمثله في مزودي المؤسسات العمومية بأدوات العمل. (طالع مقال: "الرئيس الذي ينهب الدولة وهو نائم" لكاتبه حنفى ولد ادهاه )**
ونبتعد قليلا عن بذخ الملإ من القوم المترفين حتى لا نتهم بأننا من الحاسدين لتحط بنا الرحال في أي إدارة من الإدارات العمومية شئت. وهنا أتحداك أن تخرج لي أي وثيقة مهما كانت بدون معرفة أو وساطة أو محسوبية أو رشوة. وكلها أصناف من الفساد يبتكر موظفو الإدارات عندنا أمثالها كل يوم لم يحط بها القاموس بعد. وكم كانت حسرتي وأنا اتردد على بعض تلك الإدارات لقضاء بعض الحوائج فأرى أناسا يتسكعون أمام الأبواب يسألك حالهم أن تتوسط لهم لقضاء حوائجهم التي يكفلها لهم القانون.
أما آن لهذا الشعب أن يفيق من سكرته وينتبه من غفوته ويعيد ما سلب منه. أم أن مقولة كسنجر، والحق ما شهدت به الأعداء، لم يحن وقتها بعد في موريتانيا: "... الأمة الإسلامية تنام ولكن مشكلتها أنها لا تموت فاستثمر ما استطعت نومها فإن استيقظت أعادت بسنوات ما أخذ منها بقرون."
ذلك نزر من فصول الذل والهوان التي تعيشها موريتانيا كتبتها وبالي لا تفارقة أبيات الشاعر الشهيد هاشم الرفاعي :
وكنا حين يرمينا أناس === نؤدبهم أباة قادرينا
وكنا حين يأخذنا ولي === بطغيان ندوس له الجبينا
تفيض قلوبنا بالهدي بأسا === فما نغضي عن الظلم الجفونا
وفي هذا المساء جلست أتابع "كلاما في السياسية" فوجدت في قلبي ضيقا وحرجا شديدا فكتبت ما قرأتم لا ترويحا وتنفيسا.
---------------------------
*المعنى العربي ل"الطلعه"
تعاني دولتنا من نهب === سبب في الثروة نزيفا
رأي ثلثين من الشعب === تصدر لهما مذكرةْ توقيفْ
السياسي أصبح يعبث=== بالشعب وأختار أن أوضحْ
إذا خرج مترشحا === أتى بكلام معسول
ويأتي متأنيا، متأملا === يستعطفنا فنأيده
وترى الخلق ينادي: === تعيش، النصر لنا حليف
عالن عن دعمه ومصرحا === ويمشي لفيفا وراء لفيف
يدعو ويعني ويلمح === ويجمع بطاقات التعريفْ
ذاك يصيح، ذاك يلوح === دُون المرشح سَل السيفْ
وذاك من عياطه بح === والثاني إذا لم يحذر يموت
وإذا السِياسي نجح === شد الوثاق على يديه
ويبقى هنا الشعب === يتأوه ويكرر يا الله يا لطيف
الوضع لم يصلح بعد === ونحن نسألك التخفيفْ







