تاريخ الإضافة : 16.07.2008 18:31
القرار السياسي الموريتاني.. صناعة من الخارج
بقلم : الرجل بن عمر
Rajel2005@yahoo.com
رغم استقلال الجمهورية الموريتانية عن الجمهورية الفرنسية على امتداد نصف قرن من الزمن، إﻻ أن الوصاية الإستراتيجية و اللوجستيكية ظلت مطروحة في خيارات
المستعمر الفرنسي، وساعد ذلك حالة الدولة الناشئة وافتقارها إلى حليف من أي نوع من أجل تجاوز صعوبات النشأة.
ورغم أن هذه العلاقة وعلى علاتها قد عمرت بما يربو على ثلث قرن من الزمن، إﻻ أنها واجهت الكثير من الانتكاسات والأزمات التي زعزعت إمكانية تطويرها اتجاه الشراكة.
وقد شكلت أحداث محاكمة الضابط الموريتاني في الجمهورية الفرنسية البداية الحقيقية للتوتر الأعنف من نوعه بل وشكل الحدث قطيعة سياسية لم تتمكن حكومة نواكشوط خلالها من تجاوز ما اعتبرته مساسا بسيادتها وإهانة توجه إليها من خلال فعل بهذا الحجم.
الحقيقة الجديدة للعلاقة الفرنسية الموريتانية أنها كانت مضطرة لاصطناع شركاء جدد وإن على حساب آخرين محسوبين على نفس النظام السياسي، إﻻ أن تطورات حدثت في سياق هذه الأثناء جعلت القرار السياسي الرسمي يستبدل العلاقات الفرنسية بالدخول في تطبيع من نوع آ خر استقدم شركاء جدد للمنطقة لتذكي بذلك شرارة الصراع خارج الحدود الموريتانية بل والإفريقية حتى والطرف المعتدى عليه هنا هو فرنسا ومن طرف دول عظمى بحجم الوﻻيات المتحدة الأمريكية.
صراع الأجنحة يطال موريتانيا:
رغم الزيارات المتتالية التي ظل الريئس الموريتاني ولد الطايع يؤديها في حق باريس، ليمثل حضورا من نوع ما في الاعتبار الأوروبي، إﻻ أن الشرخ السياسي الذي عرفته العلاقة بين البلدين كان أكبر من العواطف الدبلوماسية، فلم تستطع هذه الزيارات رغم كثرتها ردم الهوة السحيقة التي مكنت لأطراف أخرى من الدخول على الخط، ومنازعة النفوذ الفرنسي بل وإقصائه فيما بعد.
ولعل الواقعية السياسية تجعل الرئيس ولد الطايع كان بقراره هذا أكثر من محنك، فهو ارتمى في الأحضان الفرنسية بدون خيار بوصفه جزء ﻻ يتجزأ من تركة قديمة، إضافة إلى أن فرنسا بالنسبة له حليف تقليدي وقديم ينبغي تجاوزه لتجديد الوجود السياسي والإستراتيجي على المستوى الإقليمي، ضف إلى ذلك أن الرئيس ولد الطائع يشكل واجهة عسكرية لنخبة من القادة العسكريين المندفعين لعلاقات جديدة، ومع شريك يعتبرونه الأقوى في المنطقة بل العالم كله.
كلها محفزات جعلت ولد الطايع يمضي واثقا في قراره الإستبراتجي هذا وسط عالم مليء بالمتغيرات، لكن ماهي تجليات ذلك الصراع الذي بدأت أحداثه تدور حيثياتها على المسرح الموريتاني؟.
Rajel2005@yahoo.com
رغم استقلال الجمهورية الموريتانية عن الجمهورية الفرنسية على امتداد نصف قرن من الزمن، إﻻ أن الوصاية الإستراتيجية و اللوجستيكية ظلت مطروحة في خيارات
المستعمر الفرنسي، وساعد ذلك حالة الدولة الناشئة وافتقارها إلى حليف من أي نوع من أجل تجاوز صعوبات النشأة.
ورغم أن هذه العلاقة وعلى علاتها قد عمرت بما يربو على ثلث قرن من الزمن، إﻻ أنها واجهت الكثير من الانتكاسات والأزمات التي زعزعت إمكانية تطويرها اتجاه الشراكة.
وقد شكلت أحداث محاكمة الضابط الموريتاني في الجمهورية الفرنسية البداية الحقيقية للتوتر الأعنف من نوعه بل وشكل الحدث قطيعة سياسية لم تتمكن حكومة نواكشوط خلالها من تجاوز ما اعتبرته مساسا بسيادتها وإهانة توجه إليها من خلال فعل بهذا الحجم.
الحقيقة الجديدة للعلاقة الفرنسية الموريتانية أنها كانت مضطرة لاصطناع شركاء جدد وإن على حساب آخرين محسوبين على نفس النظام السياسي، إﻻ أن تطورات حدثت في سياق هذه الأثناء جعلت القرار السياسي الرسمي يستبدل العلاقات الفرنسية بالدخول في تطبيع من نوع آ خر استقدم شركاء جدد للمنطقة لتذكي بذلك شرارة الصراع خارج الحدود الموريتانية بل والإفريقية حتى والطرف المعتدى عليه هنا هو فرنسا ومن طرف دول عظمى بحجم الوﻻيات المتحدة الأمريكية.
صراع الأجنحة يطال موريتانيا:
رغم الزيارات المتتالية التي ظل الريئس الموريتاني ولد الطايع يؤديها في حق باريس، ليمثل حضورا من نوع ما في الاعتبار الأوروبي، إﻻ أن الشرخ السياسي الذي عرفته العلاقة بين البلدين كان أكبر من العواطف الدبلوماسية، فلم تستطع هذه الزيارات رغم كثرتها ردم الهوة السحيقة التي مكنت لأطراف أخرى من الدخول على الخط، ومنازعة النفوذ الفرنسي بل وإقصائه فيما بعد.
ولعل الواقعية السياسية تجعل الرئيس ولد الطايع كان بقراره هذا أكثر من محنك، فهو ارتمى في الأحضان الفرنسية بدون خيار بوصفه جزء ﻻ يتجزأ من تركة قديمة، إضافة إلى أن فرنسا بالنسبة له حليف تقليدي وقديم ينبغي تجاوزه لتجديد الوجود السياسي والإستراتيجي على المستوى الإقليمي، ضف إلى ذلك أن الرئيس ولد الطائع يشكل واجهة عسكرية لنخبة من القادة العسكريين المندفعين لعلاقات جديدة، ومع شريك يعتبرونه الأقوى في المنطقة بل العالم كله.
كلها محفزات جعلت ولد الطايع يمضي واثقا في قراره الإستبراتجي هذا وسط عالم مليء بالمتغيرات، لكن ماهي تجليات ذلك الصراع الذي بدأت أحداثه تدور حيثياتها على المسرح الموريتاني؟.
الوﻻءات المختلفة
لقد ورث العسكر العلاقات الموريتانية العسكرية، إضافة إلى تداعيات القضية الإسرائيلية، وغم سقوط ولد الطايع فإن العسكر في موريتانيا ظلوا مدينين لذلك الوﻻء مع خلافهم حول شخص ولد الطايع الذي كاد أن يغرق بهم سفينة النفوذ في البلاد في الوقت الذي كانوا أسرع إلى إغراقه.
إضافة إلى بعض من حلفائه المدنيين، فيما كان الوﻻء للنفوذ الفرنسي تمثله فلول محدودة ومشردة، بعد انقلاب 2005 دخلت آمريكا على الخط بقوة أكبر، وتحول السفير الأمريكي إلى ثقة دبلوماسية لم يسبق لها مثيل، وبدا الحديث عن إسرائيل بالنسبة للعسكر أمرا متجاوزا أو لنقل أمرا متروكا للحكومة المنتخبة التي سترد ﻻحقا، ما إن دخلت الحكومة الجديدة حيز الوجود حتى اتضحت معالم الصراع، وبرزت العناصر المؤثرة في القرار السياسي والتي لها جذور ما قبل الحملات الانتخابية.
إضافة إلى بعض من حلفائه المدنيين، فيما كان الوﻻء للنفوذ الفرنسي تمثله فلول محدودة ومشردة، بعد انقلاب 2005 دخلت آمريكا على الخط بقوة أكبر، وتحول السفير الأمريكي إلى ثقة دبلوماسية لم يسبق لها مثيل، وبدا الحديث عن إسرائيل بالنسبة للعسكر أمرا متجاوزا أو لنقل أمرا متروكا للحكومة المنتخبة التي سترد ﻻحقا، ما إن دخلت الحكومة الجديدة حيز الوجود حتى اتضحت معالم الصراع، وبرزت العناصر المؤثرة في القرار السياسي والتي لها جذور ما قبل الحملات الانتخابية.
صراع الأجنحة... تجليات في عمق السياسات الوطنية:
الخريطة السياسية الجديدة هي أنه ثمة وﻻءات جديدة أخذت تتشكل على مستوى مسرح الأحداث السياسية الموريتانية؛ وﻻءات راسخة وقديمة لدى العسكر لصالح حليفهم الإستراتيجي الوﻻيات المتحدة الأمريكية، والتي على ما يبدو أن تطبيعهم معها كان في سياق مصالحهم الموضوعية وجذور تموقعهم في السلطة، فواقع الأزمة مع فرنسا يقتضي الحصول على حليف إستراتيجي وبأقصى سرعة، مع أخذ في الاعتبار النشاط اللافت للانتباه الذي قامت به الوﻻيات المتحدة الأمريكية عبر سفيرها الدائم في موريتانيا إبان أول لحظة من الانقلاب الأبيض الذي نفذه جنراﻻت سيدخلون التاريخ بهذا الاسم، ثم إن مسألة استبدال حليف بائس وقديم مثل فرنسا بآخر في أوج قوته مثل آمريكا أمر مقبول ضمن موازين القوى التي تشكل بديهية في ثقافة العسكر.
بهذه المحددات المنطقية والدﻻئل الإستراتيجية كانت قناعة العسكر برجاحة كفتهم الجديدة، خاصة أن حضورهم على المستوى الداخلي ﻻيفهم إﻻ في حاﻻت الطوارئ, أما ما سوى ذلك فهو تعد للحدود ودوس على الكرامة الديمقراطية الناشئة.
المنطق السائد وخاصة بعد تنصيب رئيس الجمهورية سيدي ولد الشيخ عبد الله: أنهم سيشكلون انسحابا خفيفا إلى الوراء ريثما يدخل هذا الانسحاب في شلكه النهائي وفق ما يأمر به رئيس الجمهورية، هذا الأخير الذي كان جديدا بكل مقاييس البداوة السياسية والإستراتيجية والأمنية حتى.
لقد سعى الرئيس الجديد إلى القيام بتحالفات دولية، ومن المنطقي أن تشكل فرنسا أول محطة في هذا المسعى، وبالفعل لجأ الرئيس المنتخب إلى العاصمة الباريسية، لكنه الوقت بدل الضائع وفق المنطق الإستراتيجي الذي تنبه له العسكر حتى قبل أن تراوده فكرة الترشح للرآسة التي لم تكن عنده حتى في عداد الحلم.
لم تجد فرنسا حرجا من الوقوف في صف الديمقراطية ممثلة في شخص الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله، خاصة أن ارتماءه في الفلك الفرنسي يأتي انطلاقا من محددات مقبولة وجاءت في سياق الأحداث التي تمر بها موريتانيا.
إنه بكل دبلوماسية متواضعة يعتذر لفرنسا عن الخطأ التاريخي الذي ارتكبه الرئيس المخلوع ولد الطايع ويجدد لها يد الطاعة.
وربما يكون هامش الثقة الذي أصبحت فرنسا تكنه لولد عبد الله قد توطد قليلا خاصة بعد بلائه الواضح في قضية السياح الفرنسيين ومساعدة سلطات الأليزى في أن تبر بقسمها أمام الشعب الفرنسي بتقديم المتهمين إلى العدالة، مع التأكيد على أن قضيتهم لن تكون كقضية المخدرات في موريتانيا.
إذن الرئيس الموريتاني المنتخب أثبت للقيادة الفرنسية أنه مستعد للتكفير عن الأخطاء التي اقترفتها نواكشوط في الماضي، وأنه ماض في هذا التوجه، لكن أين العسكر من تعهدات الرئيس لحليفه الجديد ؟ وماهي إحتماﻻت التماس بين كل من الحليفين؟ أخذا في الاعتبار أبجدية المصالح المختلفة؟.
بهذه المحددات المنطقية والدﻻئل الإستراتيجية كانت قناعة العسكر برجاحة كفتهم الجديدة، خاصة أن حضورهم على المستوى الداخلي ﻻيفهم إﻻ في حاﻻت الطوارئ, أما ما سوى ذلك فهو تعد للحدود ودوس على الكرامة الديمقراطية الناشئة.
المنطق السائد وخاصة بعد تنصيب رئيس الجمهورية سيدي ولد الشيخ عبد الله: أنهم سيشكلون انسحابا خفيفا إلى الوراء ريثما يدخل هذا الانسحاب في شلكه النهائي وفق ما يأمر به رئيس الجمهورية، هذا الأخير الذي كان جديدا بكل مقاييس البداوة السياسية والإستراتيجية والأمنية حتى.
لقد سعى الرئيس الجديد إلى القيام بتحالفات دولية، ومن المنطقي أن تشكل فرنسا أول محطة في هذا المسعى، وبالفعل لجأ الرئيس المنتخب إلى العاصمة الباريسية، لكنه الوقت بدل الضائع وفق المنطق الإستراتيجي الذي تنبه له العسكر حتى قبل أن تراوده فكرة الترشح للرآسة التي لم تكن عنده حتى في عداد الحلم.
لم تجد فرنسا حرجا من الوقوف في صف الديمقراطية ممثلة في شخص الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله، خاصة أن ارتماءه في الفلك الفرنسي يأتي انطلاقا من محددات مقبولة وجاءت في سياق الأحداث التي تمر بها موريتانيا.
إنه بكل دبلوماسية متواضعة يعتذر لفرنسا عن الخطأ التاريخي الذي ارتكبه الرئيس المخلوع ولد الطايع ويجدد لها يد الطاعة.
وربما يكون هامش الثقة الذي أصبحت فرنسا تكنه لولد عبد الله قد توطد قليلا خاصة بعد بلائه الواضح في قضية السياح الفرنسيين ومساعدة سلطات الأليزى في أن تبر بقسمها أمام الشعب الفرنسي بتقديم المتهمين إلى العدالة، مع التأكيد على أن قضيتهم لن تكون كقضية المخدرات في موريتانيا.
إذن الرئيس الموريتاني المنتخب أثبت للقيادة الفرنسية أنه مستعد للتكفير عن الأخطاء التي اقترفتها نواكشوط في الماضي، وأنه ماض في هذا التوجه، لكن أين العسكر من تعهدات الرئيس لحليفه الجديد ؟ وماهي إحتماﻻت التماس بين كل من الحليفين؟ أخذا في الاعتبار أبجدية المصالح المختلفة؟.
الانقلاب العابر للحدود والسيناريو المضاد:
يبدو أن مفهوم الانقلاب في موريتانيا قد تطور إلى حد استيراده في سياقات وأشكال ونطاقات جديدة، ولعل جذور الانقلاب ترجع إلى بؤرة التوتر الحاصل بين أجنحة السلطة، وخاصة إذا كان ثمة فصيل عسكري يطاول حدوده.. وﻻيرى من نفسه شريكا فحسب بل مؤثر من الدرجة الأولى، وفي هذا السياق من الطبيعي أن تشتد سخونة الشراكة بين كل من الطرفين، خاصة أن المرجعيات مختلفة والمصالح متصارعة، وعليه فلا مبرر لحل وسط لأن التوازن في هذا المجال يعني هدنة غير مفهومة، قد تفقد العسكر صلابته وشدت حسمه للأمور، ليبدأ الصراع من جديد صراع مصالح الأطراف والأجنحة الراعية خارج الحدود.
ولعل موقف الخصم المشترك الذي أصبح يمثله ولد الشيخ عبد الله بالنسبة لغريمه من العسكر وأعدائه من الأمريكيين الجدد من خلال تجاوزه للعلاقات الأمريكية القائمة وتحريك العلاقات الفرنسية الراكدة، أحد الأخطاء التي وقع فيها ولد الشيخ عبد الله في بداية مأموريته المعقدة وفي بلد التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية...
وهنا كان التفكير جاريا وعلى وجه السرعة من أجل توجيه رسالة قد ﻻ تقل خطورتها عن خطورة الانقلاب الذي يظل خيارا مطروحا.
تمثلت الرسالة الأولى في تنظيم عملية اغتيال السياح الفرنسيين في خطوة رامزة بكل المقاييس ولنقرأ هنا بعض الدﻻئل في هذا السياق:
فلأن رئيس الجمهورية ذو ميول دينية وبالتحديد محسوب على التيار التجاني، ويواظب على صلاة الجمعة كل أسبوع بين حشود المواطنين، وفور مجيئه إلى القصر الرمادي بنى مسجدا لإقامة صلاة الفريضة إضافة إلى تعاطفه الواضح مع القضية الفلسطينية، فهو بذلك يغيظ الوجود الإسرائيلي، وإن ظل مؤجلا لإشكالية تمثيلها الدبلوماسي في موريتانيا.
لهذه الاعتبارات وغيرها أرادت آمريكا تنسيقا مع العسكر أن تضرب الرئيس بيده اليمنى: إسلاميون متشددون يقتلون أربعة سياح فرنسيين، وأين ومتى، كيف، لماذا...؟ أسئلة كلها دالة كما تعبر عن الدقة في التخطيط والتنفيذ.
لقد حدثت العملية على بعد 7ـ 9 كيلومتر من العاصمة أﻻك معقل رئيس الجمهورية، وفي وضح النهار وعلى بعد أمتار قليلة من الطريق الرئيس الرابط بين الشمال الغربي والجنوب الشرقي للبلاد، حيث استخدم المهاجمون سلاح كلانشينكوف وقاموا بتصفية الضحايا باستثناء كبير العائلة الذي نجا بأعجوبة تمثيلية، وعادوا على نفس الطريق في اتجاه معاكس لقوى النجدة التي سارعت إلى مكان الحادث باستدعاء من الناجي الوحيد الذي كان شاهدا على أحداث المذبحة، لكن إلى أين سيفر الجناة ؟ بل والسؤال المطروح واللغز المحير هو لماذا تم سوق هذه الأسرة السياحية ليتم اصطيادها فيما بعد في عاصمة آﻻك بالتحديد ؟. أﻻ يصول السياح ويجولون في وﻻيات كل من: آدرار ودان الزويرات وﻻتة شنقيط، لماذا يتم التركيز على هذا المرور الاستثنائي وعلى حافة طريق الأمل؟.
الجواب أن الطرف الآخر للصراع أراد أن يوجه صفعة قاسية لفرنسا وبيد حليفها الإستراتيجي الرئيس المنتخب.
ولعل موقف الخصم المشترك الذي أصبح يمثله ولد الشيخ عبد الله بالنسبة لغريمه من العسكر وأعدائه من الأمريكيين الجدد من خلال تجاوزه للعلاقات الأمريكية القائمة وتحريك العلاقات الفرنسية الراكدة، أحد الأخطاء التي وقع فيها ولد الشيخ عبد الله في بداية مأموريته المعقدة وفي بلد التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية...
وهنا كان التفكير جاريا وعلى وجه السرعة من أجل توجيه رسالة قد ﻻ تقل خطورتها عن خطورة الانقلاب الذي يظل خيارا مطروحا.
تمثلت الرسالة الأولى في تنظيم عملية اغتيال السياح الفرنسيين في خطوة رامزة بكل المقاييس ولنقرأ هنا بعض الدﻻئل في هذا السياق:
فلأن رئيس الجمهورية ذو ميول دينية وبالتحديد محسوب على التيار التجاني، ويواظب على صلاة الجمعة كل أسبوع بين حشود المواطنين، وفور مجيئه إلى القصر الرمادي بنى مسجدا لإقامة صلاة الفريضة إضافة إلى تعاطفه الواضح مع القضية الفلسطينية، فهو بذلك يغيظ الوجود الإسرائيلي، وإن ظل مؤجلا لإشكالية تمثيلها الدبلوماسي في موريتانيا.
لهذه الاعتبارات وغيرها أرادت آمريكا تنسيقا مع العسكر أن تضرب الرئيس بيده اليمنى: إسلاميون متشددون يقتلون أربعة سياح فرنسيين، وأين ومتى، كيف، لماذا...؟ أسئلة كلها دالة كما تعبر عن الدقة في التخطيط والتنفيذ.
لقد حدثت العملية على بعد 7ـ 9 كيلومتر من العاصمة أﻻك معقل رئيس الجمهورية، وفي وضح النهار وعلى بعد أمتار قليلة من الطريق الرئيس الرابط بين الشمال الغربي والجنوب الشرقي للبلاد، حيث استخدم المهاجمون سلاح كلانشينكوف وقاموا بتصفية الضحايا باستثناء كبير العائلة الذي نجا بأعجوبة تمثيلية، وعادوا على نفس الطريق في اتجاه معاكس لقوى النجدة التي سارعت إلى مكان الحادث باستدعاء من الناجي الوحيد الذي كان شاهدا على أحداث المذبحة، لكن إلى أين سيفر الجناة ؟ بل والسؤال المطروح واللغز المحير هو لماذا تم سوق هذه الأسرة السياحية ليتم اصطيادها فيما بعد في عاصمة آﻻك بالتحديد ؟. أﻻ يصول السياح ويجولون في وﻻيات كل من: آدرار ودان الزويرات وﻻتة شنقيط، لماذا يتم التركيز على هذا المرور الاستثنائي وعلى حافة طريق الأمل؟.
الجواب أن الطرف الآخر للصراع أراد أن يوجه صفعة قاسية لفرنسا وبيد حليفها الإستراتيجي الرئيس المنتخب.
السيناريو المضاد:
في هذه الأثناء الحرجة واستنادا إلى وجهة الرأي المخابراتية قيل أن الجناة قد غادروا البلاد وأنهم حلوا ضيوفا على دولة صديقة يتطلب العبور إليها اختراق الحدود السنغالية، لكن لماذا تسمح لهم جمهورية السينغال بالمرور بهذه البساطة ؟، أﻻ تعتبر السينغال موقعة على اتفاقية مقاومة الإرهاب في غرب إفريقيا، وجزء ﻻ يتجزأ من عملية المواجهة؟.
لكن الواقع أن السلطات السنغالية تعمدت تعطيل الجهود الأمنية الموريتانية بدعوى أنها تمس من سيادتها كدولة مستقلة، لكن الثابت أنها عطلت جزءا فحسب من السيناريو الأوسع و الذي تمسك المخابرات الفرنسية بجزئه الأكبر.
إن تعطيل جهود البحث التي يقوم بها الأمن الموريتاني جزء من سيناريو كبير هو استئصال جذور العملية الإرهابية ومحاولة الوقوف على الداعم الحقيقي لها، والذي من المفترض أن تلجأ إليه العناصر الفارة، وبالفعل تم مسك خيوط العملية وسمح للأمن الموريتاني بإختراق الحدود السنغالية للقبض على المتهمين وتقديهم للعدالة وفاء للعهد الفرنسي.
وكان الشابين ابن سيدينا وابن شبرنو من أكبر العناصر المتورطين في عملية القتل تلك، ولكن الشكوك الفرنسية ظلت تطال عناصر أخرى تعتبرها امتدادا لخلية الإرهاب تلك، فكان ﻻ بد من سيناريو آ خر لإجتثاث الوجود السلفي على مستوى موريتانيا، فأقدمت على خطوة استدراج جديدة لم يسبق لها مثيله، حتى أنها حينها لم تفهم من طرف بعض القائمين على العملية وبعض الأوساط الإعلامية في البلد وخارجه.
إنها عملية التهريب المفتعلة للعنصر الأخطر من نوعه وهو ولد سيدينا، لقد ترك له العنان ليصول ويجول لكن فقط داخل جغرافية العاصمة نواكشوط: والغرض من هذه العملية هو الاتصال بأكبر كم ممكن من شركائه ومختلف المتعاطين معه، وهذا ما حدث بالفعل حيث تم الاشتباه في أكثر من 150 عنصرا ربطته بها علاقات مختلفة، وما إن انتهت مهمة التسريح حتى تمت استعادته بكل يسر وسهولة مقيما في أحد أحياء مقاطعة عرفات الشعبية، وقد رافقت هذه الأثناء عمليات أمنية مكثفة فرضت حالة من الطوارئ عاشت فيها البلاد، وقد أربكت العملية حتى القائمين عليها للمرة الثانية: حيث تم استبدال كل الوحدات الأمنية في مداخل ومخارج العاصمة نواكشوط، ووضع العنصر الهارب تحت سمع وبصر شبكة من المخابرات عملت على تغطية كل تحركاته وإتصاﻻته.
وقد تم حسم الملف باﻹسراع إلى مقاضات المتهمين فيما اعتبرته السلطات الموريتانية عملية الإجتثاث الأولى من نوعه للوجود السلفي الذي يوصف بالراديكالية على مستوى موريتانيا، لكن هل حقا وفقت السلطات الموريتانية فيما اعتبرته إنجازا بهذا المستوى من الأهمية والمراهنة؟.
وهل كل ما حدث من أجل غاية هزيلة هي قتل أربعة سياح فرنسيين أمنتهم الجمهورية الإسلامية؟.
لكن الواقع أن السلطات السنغالية تعمدت تعطيل الجهود الأمنية الموريتانية بدعوى أنها تمس من سيادتها كدولة مستقلة، لكن الثابت أنها عطلت جزءا فحسب من السيناريو الأوسع و الذي تمسك المخابرات الفرنسية بجزئه الأكبر.
إن تعطيل جهود البحث التي يقوم بها الأمن الموريتاني جزء من سيناريو كبير هو استئصال جذور العملية الإرهابية ومحاولة الوقوف على الداعم الحقيقي لها، والذي من المفترض أن تلجأ إليه العناصر الفارة، وبالفعل تم مسك خيوط العملية وسمح للأمن الموريتاني بإختراق الحدود السنغالية للقبض على المتهمين وتقديهم للعدالة وفاء للعهد الفرنسي.
وكان الشابين ابن سيدينا وابن شبرنو من أكبر العناصر المتورطين في عملية القتل تلك، ولكن الشكوك الفرنسية ظلت تطال عناصر أخرى تعتبرها امتدادا لخلية الإرهاب تلك، فكان ﻻ بد من سيناريو آ خر لإجتثاث الوجود السلفي على مستوى موريتانيا، فأقدمت على خطوة استدراج جديدة لم يسبق لها مثيله، حتى أنها حينها لم تفهم من طرف بعض القائمين على العملية وبعض الأوساط الإعلامية في البلد وخارجه.
إنها عملية التهريب المفتعلة للعنصر الأخطر من نوعه وهو ولد سيدينا، لقد ترك له العنان ليصول ويجول لكن فقط داخل جغرافية العاصمة نواكشوط: والغرض من هذه العملية هو الاتصال بأكبر كم ممكن من شركائه ومختلف المتعاطين معه، وهذا ما حدث بالفعل حيث تم الاشتباه في أكثر من 150 عنصرا ربطته بها علاقات مختلفة، وما إن انتهت مهمة التسريح حتى تمت استعادته بكل يسر وسهولة مقيما في أحد أحياء مقاطعة عرفات الشعبية، وقد رافقت هذه الأثناء عمليات أمنية مكثفة فرضت حالة من الطوارئ عاشت فيها البلاد، وقد أربكت العملية حتى القائمين عليها للمرة الثانية: حيث تم استبدال كل الوحدات الأمنية في مداخل ومخارج العاصمة نواكشوط، ووضع العنصر الهارب تحت سمع وبصر شبكة من المخابرات عملت على تغطية كل تحركاته وإتصاﻻته.
وقد تم حسم الملف باﻹسراع إلى مقاضات المتهمين فيما اعتبرته السلطات الموريتانية عملية الإجتثاث الأولى من نوعه للوجود السلفي الذي يوصف بالراديكالية على مستوى موريتانيا، لكن هل حقا وفقت السلطات الموريتانية فيما اعتبرته إنجازا بهذا المستوى من الأهمية والمراهنة؟.
وهل كل ما حدث من أجل غاية هزيلة هي قتل أربعة سياح فرنسيين أمنتهم الجمهورية الإسلامية؟.
الانقلاب الثاني.. لكن بعناصر الداخل
لقد عودنا العسكر على أنهم لا يعرفون المستحيل، خاصة إذا تعلقا الأمر بوجودهم الإستراتيجي ولمصالحهم الخاصة.
فهم أسقطوا ولد الطايع ليس حبا في البلاد وﻻ حتى في أهلها بل لأنهم أحسوا الخطر والتوتر الذي أصبح يعيشه الرئيس الطائع، خاصة بعد الأحداث الانقلابية المتعاقبة والتي كان من أخطرها انقلاب: 8ـ9 يونيو2003م حيث تبصر ولد الطايع لخطورة الموقف وضرورة تلافي الأمور قبل فوات الأوان، وما إن شعر الرئيس نفسه بهذه الحقيقة المرة حتى أصبح يتهيأ لعقد مصالحة وطنية يلطف بها الأجواء ويستعيد من خلالها بعض الو لاءات القديمة مع إضافة أخرى جديدة، خاصة في نطاقها الشعبي، لكن هذه الخطوة لم تكن مستساغة من طرف العسكر من الناحية المستقبلة والأمنية حتى.
ليسارعوا إلى مسك زمام المبادرة وقلب الطاولة بالتائب الجديد العائد إلى شعبه، وليظهروا فيما بعد كما لو أنهم فرسان المرحلة والحماة الجدد للديمقراطية الناشئة في بلد الفوضى، وهاهم اليوم يستعيدون نفس السيناريو، ولا يجدون حرجا في التمادي في ضلالهم القديم.
لقد اخترع العسكر الأزمة الحالية لأنهم يعلمون بالحالة المرضية التي توجد فيها الكاتونات السياسية المتوفرة لدينا بكثرة، فاستدرجوا المعارضة وكالعادة في أول الأمر لتطعن في كفاءة الحكومة، ومن بعد ذلك وضع الملف في يد عناصر خرجت بدافع المصلحة الخاصة من بيت الأغلبية لتدخل في تحالفات من أجل حجب الثقة عن الحكومة ليجد الرئيس نفسه في صلب الشراك الذي أعتزم العسكر إيقاعه فيه، فلم يكن بيده سوى انكشاف معهود على وسائل الإعلام هدد من خلاله بحل البرلمان كردة فعل متوقعة على موجة الشغب التي ينفذها عناصر مارقة من نفس البرلمان، لكن سرعان ما عدل الرئيس عن قراره، وحقق للعسكر رغبتهم في حل حكومته المنتخبة وترك الوضع يتأزم وأسرع إلى فرنسا علها تجد له مخرجا من الأزمة القائمة تيامنا بغريمه السابق ولد الطايع، الذي ظلت فرنسا تنجده في مثل هذه المواقف حتى خرج عن ربقتها فكان انكشافه المشهود على يد عناصر عسكرية ظلت تدين له بالوﻻء حتى آخر لحظة من مغادرته لمطار نواكشوط.. ترى هل يأتي ولد الشيخ عبد الله بالحلول السحرية لتجاوز أزمته الواهنة؟.. وهل توفق فرنسا هذه المرة كما حدث عدة مرات مع الرئيس المخلوع ولد الطايع؟.
فهم أسقطوا ولد الطايع ليس حبا في البلاد وﻻ حتى في أهلها بل لأنهم أحسوا الخطر والتوتر الذي أصبح يعيشه الرئيس الطائع، خاصة بعد الأحداث الانقلابية المتعاقبة والتي كان من أخطرها انقلاب: 8ـ9 يونيو2003م حيث تبصر ولد الطايع لخطورة الموقف وضرورة تلافي الأمور قبل فوات الأوان، وما إن شعر الرئيس نفسه بهذه الحقيقة المرة حتى أصبح يتهيأ لعقد مصالحة وطنية يلطف بها الأجواء ويستعيد من خلالها بعض الو لاءات القديمة مع إضافة أخرى جديدة، خاصة في نطاقها الشعبي، لكن هذه الخطوة لم تكن مستساغة من طرف العسكر من الناحية المستقبلة والأمنية حتى.
ليسارعوا إلى مسك زمام المبادرة وقلب الطاولة بالتائب الجديد العائد إلى شعبه، وليظهروا فيما بعد كما لو أنهم فرسان المرحلة والحماة الجدد للديمقراطية الناشئة في بلد الفوضى، وهاهم اليوم يستعيدون نفس السيناريو، ولا يجدون حرجا في التمادي في ضلالهم القديم.
لقد اخترع العسكر الأزمة الحالية لأنهم يعلمون بالحالة المرضية التي توجد فيها الكاتونات السياسية المتوفرة لدينا بكثرة، فاستدرجوا المعارضة وكالعادة في أول الأمر لتطعن في كفاءة الحكومة، ومن بعد ذلك وضع الملف في يد عناصر خرجت بدافع المصلحة الخاصة من بيت الأغلبية لتدخل في تحالفات من أجل حجب الثقة عن الحكومة ليجد الرئيس نفسه في صلب الشراك الذي أعتزم العسكر إيقاعه فيه، فلم يكن بيده سوى انكشاف معهود على وسائل الإعلام هدد من خلاله بحل البرلمان كردة فعل متوقعة على موجة الشغب التي ينفذها عناصر مارقة من نفس البرلمان، لكن سرعان ما عدل الرئيس عن قراره، وحقق للعسكر رغبتهم في حل حكومته المنتخبة وترك الوضع يتأزم وأسرع إلى فرنسا علها تجد له مخرجا من الأزمة القائمة تيامنا بغريمه السابق ولد الطايع، الذي ظلت فرنسا تنجده في مثل هذه المواقف حتى خرج عن ربقتها فكان انكشافه المشهود على يد عناصر عسكرية ظلت تدين له بالوﻻء حتى آخر لحظة من مغادرته لمطار نواكشوط.. ترى هل يأتي ولد الشيخ عبد الله بالحلول السحرية لتجاوز أزمته الواهنة؟.. وهل توفق فرنسا هذه المرة كما حدث عدة مرات مع الرئيس المخلوع ولد الطايع؟.
للغرب أجندته الخاصة:
الواقع أن الغرب غير متجانس إلا في إطار تعامله الخارجي مع سواه، حيث يكون أكثر تماسكا وقدرة على الصمود، فهو يتصارع على الجزئيات، لكنه يترك الأمور المصيرية لجلساته المشتركة، وعليه فإن الغرب ومن خلال صراعه على حفنة من المصالح في موريتانيا لا يشكل بدعة في تاريخه الإمبريالي، بل إنها خطوة بديهية عودتنا عليها سياسات الهيمنة، لكن المرفوض أن توجد عناصر من الداخل تدفعها مصالح خاصة وضيقة في التمكين له ولأجندته الخارجية، حيث يغدو البلد مسرحا لأحداثها ومواجهاتها ولتكون موريتانيا في النهاية هي المتضرر الأول والأخير من هذه الشراكة غير المتكافئة، فهل يجنبنا القادة الجدد نماذج سيئة عاشتها دول إبان الحرب الباردة؟.. أم أن المصلحة الخاصة "فوق كل إعتبار"؟.







