تاريخ الإضافة : 12.07.2008 09:46

كذب المنجمون ولو صدقوا

تكد تهدأ هذه الأيام حمى الشائعات ، والتسريبات ، والتصريحات المتضاربة ـ والتي لا حديث لها سوى الخوض في السيناريوهات التي ستنتهي بها الأزمة الحالية بين الرئيس والعسكرـ إلا لتعود أشد من الأول ، فكما يبدو أن إذكاء جذوة نار الصراع ، أصبح مطلبا أساسيا لطرفي النزاع ، فقد أخذ التصعيد مكان الحنكة والحكمة ، وانقلبت الصداقة والولاء ، إلى خصومة وعداء ، وأخذت مصطلحات الحجب والإسقاط والإقالة والحل ، مكانتها الجديدة في قاموس الصراع على النفوذ والسلطة في موريتانيا، وبدأت شحنتها الدلالية تكتسب قوة منقطعة النظير ، بفعل الواقع السياسي المتأزم ، ووجد الشعب في ذلك كله ، متنفسا له ، من واقعه المزري ،عله ينشغل عن هموم الغلاء وتدني المعيشة وارتفاع نسب الفقر، وظهور نذر المجاعة ، فأنشغل بهموم السلطان وشئون الإمارة ، وتزايد نفوذ قواد الجيش ، وتذمر جماعة الحل والعقد من خطبة السلطان الأخيرة.

فبدأت تنتشر تخرصات المنجمين ، وتحليلات السياسيين ، وتسريبات أطراف الصراع ، انتشار النار في الهشيم ، لتتشكل منها موجة من الأنباء المتضاربة تشل عقل المرء ليجد نفسه عاجزا عن قراءة الواقع قراءة عقلانية ، أو فهم الأزمة فهما عميقا وواقعيا.

وفي غياب فهم دقيق لعمق الأزمة ، و عجز الطبقة المثقفة والسياسية عن إدراك مآل الواقع المتأزم بين السلطان وجنده ، وبإصرار من جماعة الحل والعقد على الضغط على القصر بغية عزل السلطان ، وتولية حليف جديد للجند ، بدأت كل الأطراف السياسية في إطلاق العنان لمنجميها ، بغية التأثير على عقول العامة ، واستمالة عواطفهم .

فعمد أنصار الجيش إلى التلويح بقلب ميزان القوى ، والتذكير بأن القوة والشكيمة والغلبة لن تكون إلا لراكبي الدبابات ، ومخططي الانقلابات ، أصحاب الشارات والنياشين والعلامات ، من إذا دخلوا قرية أو سياسة أفسدوها ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة ، ومن إذا دخلوا قصرا أهلكوا الحرث والنسل ، وأثاروا فيه الفساد.

وعمد أنصار الرئيس إلى التلويح بحل جماعة الحل والعقد ، وإصدار فرمانات بعزل قواد الجيش ، وتعيين بدل عنهم ، يكونوا أكثر ولاء للسلطان ، وغيرة على وحدة الإمارة ، وأكثر حرصا على بقاء السلطان ، الآمر الناهي ، وصاحب الكلمة الفصل ، ومن بيده الأمر ، وصاحب البيعة والولاء.

ولعل آخر وأغرب الأنباء ، تلك التي تحدثت عن أن الرئيس قد حرر فعلا مرسوما يعزل بموجبه خصومه من الجنرالات ، ويحل فيه البرلمان ، لكن الوقت لما يحن بعد لإخراج ذلك المرسوم من درج مكتبه ، وفي المقابل تتحدث بعض الأنباء عن أن العسكر كانوا قد اشترطوا على الرئيس إبان توليته مقاليد السلطة أو لنقل دعمه في الوصول إلى الحكم ، أن يسجل لهم خطابا يعلن فيه استقالته ، حتى إذا ما أرادوا استبداله وفق سيناريو مرسوم على نحو ما حدث ، يقوموا ببث الخطاب على الملأ ، وأن مسألة بث ذلك الخطاب ليست سوى مسالة وقت.

وفي ظل هذه التصريحات والتسريبات المتبادلة ، حضرت جلسة لجمع من عرافي الأطراف المتنازعة ، وكان سوء الحظ والطالع قد ألقى بي في عمق تلك الجلسة ، ودون أن أعرف أني بصدد حضور مؤتمر لعرافي السياسة في موريتانيا ، وجدت نفسي منصتا ومتابعا للحديث ، وما هي إلا لحظات حتى قام عراف من آل عادل يكتم تنجيمه، فقال : جاءني رني من الجن ، فنفث في روعي أن الرئيس بعد أن يعود من فرنسا سيعود بخطاب تصعيدي وسيحل البرلمان ، ويقيل الجنرالات ، ويستعيد قبضة الأمور، وأن الروم والفرنجة هم من أوعزوا له بذلك ، مقابل الرضوخ لمطلب الرئيس الفرنسي ساركوزي بدعم المشروع "الأورو متوسطي" ، الذي ليس سوى شكل جديد من الاستعمار .

فأجابه عراف آخر من آل عسكر ، قائلا ليس الأمر كذلك فقد جاءني هاتف البارحة فسمعته يقول : العسكر العسكر ، لا حكم إلا للعسكر ، لا بقاء لمن ينازعهم الأمر ، وهل تعلم أن النفي في باريس خير منه النفي في قطر ، وهل نسى العسكر الانقلاب ونسى الرئيس حقيقة الأمر، ثم استطرد العراف قائلا : أعتقد أن ورقة "الجكير" دائما في يد العسكر ، وأن التخطيط للانقلاب ما زال الهواية المفضلة عندهم .

فقام عراف ثالث من بني المعارضة ، فرغى وأزبد ، ووعد وأوعد ، وقال إن الرئيس هو الظالم ، وأن عليه أن يدع الأمر لغيره ، وزعم أنه رأى في منامه الرئيس يستقيل ، والعسكر يبحثون عن خلف له ، فطلبوا من رئيس المجلس العسكري العودة للبلاد وشغل منصب الرئيس ، لكنه رد عليهم أن ساعة من العمل في المنظمات الدولية أحب إليه من رئاسة موريتانيا عشرين سنة ، فعرضوا الأمر على زعيم المعارضة ، فرفض ، واحتج بأنه لن يكون تابعا للعسكر ، ثم استطرد : والذي أعتقد أن الأمر سيئول إلى رجل ليس ببعيد عهد عن العسكر، ولا ببعيد عهد عن الحكم ، لكنه لما يعد بعد إلى موريتانيا .

فقام آخر وقال بتشنج وغضب : ليست حجة حجب الثقة عن الحكومة السالفة ، وربما اللاحقة بسبب رموز الفساد ، ولا لأن بعض النواب يرغبون في نصيب أكبر من كعكة الحقائب الوزارية ، بل الأمر أعقد من ذلك ، فهو لا يعدو كونه مسرحية رديئة الإخراج وسيئة السيناريو، يراد من ورائها ، إخراج الإسلاميين واليساريين من اللعبة السياسية ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، يتم تصوير الرئيس على أنه بدأ يستعيد سلطاته ، وأنه لم يعد يعبأ بأوامر الجيش ، في حين أن العلاقة بين الرئيس وبين العسكر سمن على عسل ، ولا تصدقوا كل هذه الزوبعة ، وسترون بعد عودة الرئيس من فرنسا أن الحكومة ستشكل دون إسلاميي جميل ويساريي ولد مولود ، وأنه بعد ذلك مباشرة سيعلن عن حل الأزمة نهائيا ورجوع الأمور إلى ما كانت عليه .

ودون أن أنتظر اختتام مؤتمر العرافين الموريتانيين ، أخذت نعلي وغادرت الجلسة ، وأنا أكرر : كذب المنجمون ولو صدقوا.

وأيا كان الصح والخطأ من كل هذه التنبؤات والتخرصات والرجم بالغيب ، فإن الواقع السياسي الراهن بكل تعقيداته ، وفي ظل وجود سماء مغيمة بضباب التصريحات والتلميحات والتهديدات ، لا يجد المرء بدا من أن يستمع لأقوال العرافين والمنجمين ، فهي على الأقل أكثر وضوحا وأبسط معنى وأشد بيانا ، من واقعنا السياسي الذي اختلط الحابل فيه بالنابل ، وامتلأ بالمتناقضات ، ولم يعد يعرف كوعه من بوعه ، فلا القصر الرئاسي قصرا رئاسيا ، ولا قيادة الأركان قيادة أركان ، ولا البرلمان برلمانا ، وهلم جرا ، فقد اختلطت السلطات ، وبدأت معمعة الصراع على النفوذ ، تمد أرجل أخطبوطها ، لتتجسد في كل مؤسسات الدولة ، لذلك فإني أعتقد أن الصورة بدأت تتضح ، وبدأت معالم الأزمة الراهنة تكشف عن خفايا لم يكن أحد ليتصورها ، ومن تلك المعالم وجود صراع قبلي لا يخفى تأثيره على المشهد السياسي الراهن ، وصراع إقتصادي بين المتنفذين والباحثين عن النفوذ ، وفي كلا الصراعين كان البرلمانيون ، والعسكر الأداة المنفذة ، وكان القصر وبلاطه الحلقة الأضعف في هذا الصراع ، لذلك لن يكون غريبا أن تتهاوى تلك الحلقة بين شد البرلمانيين والعسكر ، وتختفي من سلسلة المعادلة السلطوية ، لتستبدل بحلقة تكون لها القوة على مقاومة التجاذبات والصراعات المتزايدة بين مختلف الكتل المتنفذة.



أوفى ولد عبد الله ولد أوفى

awvaabdl@yahoo.fr


الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026