تاريخ الإضافة : 10.07.2008 17:58
الإسلاميون بعد شهر العسل والبصل؟!
عبد الله أحمد منيا ـ كاتب في المهجر
menneyya@maktoob.com
أثارت مشاركة الإسلاميين في حكومة ولد الواقف المقالة اهتماما واسعا في أوساط الرأي العام الموريتاني، بل ربما كانت ـ في نظر البعض ـ انتحارا سياسيا ينضاف إلى انتحاراتهم السياسية السابقة، وما صاحب ذلك من إنكار بعض أطياف المعارضة التي لم تجد في هذه الحكومة موطأ قدم، وذعر الموالاة المتوجسة من أن يدخل الإسلاميون (الخلوة) في زاوية القصر الرئاسي، وبعد إقالة هذه الحكومة -التي لم تكمل فترة النقاهة المعتادة (الستين)ـ زاد اللغط الجماهيري حول مبررات دخول حكومة محكوم عليها بالحل، وحول إستراتيجية الإسلاميين بعد طلاق البتة المؤكد من الأغلبية الرئاسية؟ وهل يتجهون ذات اليمين أم ذات الشمال؟.
انتحار أم انتصار:
ليست هذه أول مرة يثير فيها إسلاميو موريتانيا اهتمام الرأي العام والأوساط السياسية، فقد باغتوه من قبل بعدة قرارات سياسية حكم عليها البعض بأنها كانت قرارات انتحارية، بينما يرى البعض أنها إنما كانت مجرد رسائل أراد الإسلاميون إيصالها بقوة إلى من يهمهم الأمر، حصل ذلك في انتخابات 2003 حيث فاجأ الإسلاميون الرأي العام بدعمهم السياسي والإعلامي القوي للمرشح محمد خونا ولد هيداله، رسالة وجهوها -بالدرجة الأولى- إلى العقيد الحاكم آن ذاك معاوية ولد الطايع خصمهم الأول الذي زج بهم في السجون وأراد اجتثاثهم ومضمونها: (أنهم موجودون بقوة على الساحة وأنهم يستطيعون إمالة الكفة لمن يريدون، وأن أساليب الترغيب والترهيب ليست –بالضرورة- هي الطريق المناسب للتخلص منهم والقضاء عليهم).
كما كانت -بالدرجة الثانية- موجهة إلى حليفهم التقليدي الأستاذ أحمد ولد داداه رئيس تكتل القوى الديمقراطية الذي دعموه بقوة في أول انتخابات رئاسية تجرى في موريتانيا في بداية التسعينات من القرن الماضي، والذي أعاد الترشح في هذه الانتخابات(2003).
كان فحوى هذه الرسالة: (أن التحالف ليس معناه الذوبان، وأن التأييد لا يعني التقليد والتبعية المطلقة).
انحياز للمبادئ أم مراهقة سياسية:
أما الرسالة الثانية التي باغتوا بها الرأي العام فكانت اختيارهم دعم المرشح لرئاسيات 2006 صالح ولد حننا، مع إدراكهم لضعف احتمال وصوله لسدة الحكم، وكانت هذه الرسالة موجهة إلى جمهور الناخبين، كما هي موجهة إلى المرشحين الأوفر حظا في الفوز بسباق رئاسيات 2006: مرشح تكتل القوى الديمقراطية الأستاذ أحمد ولد داداه ، والمرشح المدعوم من العسكر سيد محمد ولد الشيخ عبد الله، رسالة أراد (الإصلاحيون) من خلالها -على حد رأيهم- التنبيه إلى انحيازهم إلى: الشورى والمبادئ، وعدم الجري وراء المناصب والحظوة، تلك المبادئ التي ما فتئوا ينادون بها، وإن كان هذا الانحياز على حساب النجاح السياسي، واحتمال الوصول إلى صفقة مربحة مع أحد القطبين، هذا القرار عده الكثيرون هو الآخر تصرفا طفوليا، وانتحارا سياسيا حتميا لن تقوم للإسلاميين بعده قائمة.
وأخيرا جاءت مشاركة تواصل في حكومة ولد الواقف المقالة، ويبدو أن رسالة (تواصل) في هذه المرة -بعد أن صلب عودها- كانت مثيرة وغامضة على غير المتمرسين في فن السياسة، ولكنها بالغة الذكاء والأهمية، وموجهة لعدة أطراف هي:
1. السلطات الحاكمة، والمعارضة، وسائر القوى الفاعلة في المجتمع:
• لا نعارض من أجل المعارضة ولا نوالي من أجل الموالاة.
• لسنا من اليمين المصفق على كل حال، ولا من اليسار المشاكس دائما.
• مستعدون للمشاركة والتعاون مع كل الاتجاهات السياسية مادام هذا التشارك والتعاون يجلب مصلحة أو يدفع أو يقلل مفسدة.
• لدينا كوادر وخبرات يمكن أن يشاركوا –وبقوة- في بناء الوطن، ورعاية التوجه الإصلاحي الوليد.
2. القوى الدولية والإقليمية:
• لسنا جامدين، ومرجعيتنا الإسلامية تملي علينا المشاركة الإيجابية في كل المجالات، وهي عامل تعاون مع الآخر وليست عامل تصادم.
1. الجمهور:
• لسنا (قوقوهات) ولا أغوالا يجب أن يخاف منا الآخرون ويحذروا منا، ولا (دراويش) منزوين عن الحياة العامة وغير قادرين على التفاعل معها، بل نحن أناس واعون وقادرون على المحاورة، والمناورة، والمشاركة، والعطاء والإنتاج.
• لسنا مستعدين لتفويت الفرص كما حدث في بداية الثمانينات في أيام ولد هيداله، ولسنا مستعدين لتوزير الأفراد ثم احتوائهم، ولا رفض التعاون فيما يفيد -وإن كان محدودا- كما حدث في التسعينات في بداية عهد ولد الطايع.
• لو أعطيت الفرصة لوزرائنا لكانوا نموذجا في العمل والبناء والإصلاح، ولقد أقمنا الحجة على كل من يريد الإصلاح في المستقبل بما أبديناه من الاستعداد للتعاون والمشاركة فيما ينفع.
ذكاء وتجاوز للمراهقة السياسية:
وفي خضم أزمة (المغاضبة) الماضية التي نشبت بين طرفي الحزب الحاكم (عادل) لاحظ المراقبون عدم ظهور (تواصل) بشكل بارز في الأزمة، -ما فسره البعض بمظاهر تجاوز مرحلة المراهقة السياسية- خلافا لأطراف أخرى تخندقت هنا أو هناك؛ مما أضفى على موقف التواصليين الذكي نوعا من المصداقية وأبعدهم عن ساحة التراشق التي دخلها كثير من الفاعلين السياسيين من كل الاتجاهات.
هذا التراشق الذي كانت الاتهامات فيه متبادلة بين أكثر من طرف بـ:الضعف والعجز وفقد السلطة المعنوية، وغرابة التصرفات، والخروج على الدستور، والتدخل في مؤسساته، وتهديد الديمقراطية والاستقرار، والمغاضبة لمجرد الحصول على مآرب شخصية، والفشل والفساد...
في خضم هذه الأزمة جاء موقف الإسلاميين متسما بالهدوء، والرفق، و الحزم، والعفة؛ حيث أصدروا بيانا واحدا -حسب اطلاعي- قرروا فيه: التمسك بالشرعية الدستورية و الدفاع عن المكاسب الديمقراطية المتحققة، واعتبار أي تراجع في هذا الصدد إضرارا بالبلد و شعبه و سمعته، ورفض الفساد أيا كان ممارسوه وفي أي موقع كانوا ومع أي طرف من الأطراف، وإعطاء الفرصة للحكومة ليحكم عليها بناء على عملها و أدائها، والاعتراف للنواب بكامل حقوقهم القانونية و الدستورية بما فيها تقديم ملتمسات الرقابة، ورفض أي محاولة لتوتير الأجواء و إذكاء الصراعات، إضافة إلى ضرورة العمل على التناغم و التعاون بين المؤسسات الشرعية و الدستورية و المؤسسة العسكرية بدل العمل على توسيع الهوة و إشاعة أسباب النزاع .
وبعد تصريح الوزير المكلف يحيى ولد الواقف باستبعاد الإسلاميين من التشكيلة الجديدة قال رئيس حزب تواصل: لن تدفعنا المساندة للتبرير، ولا تسمح لنا معارضتنا بالتحامل.
فما الذي يخبئه حزب (التواصل) للرأي العام؟ هل يسير ذات اليمين بعد إغلاق الأغلبية الداعمة للرئيس (في الشوط الأول والثاني) أبوابها أمام حبال وصله؟ أم يسير ذات الشمال ليرجع إلى خنادق ربما تكون قد لغمت خلال شهري العسل والبصل الماضيين ؟ أم إنه سوف يبتكر خطا جديدا بين الموالاة والمعارضة يثبت من خلاله نظريته القائمة على المزاوجة بين المشاورة والمغايرة؟ هذا ما سوف تكشفه الأيام القادمة بحول لله.
menneyya@maktoob.com
أثارت مشاركة الإسلاميين في حكومة ولد الواقف المقالة اهتماما واسعا في أوساط الرأي العام الموريتاني، بل ربما كانت ـ في نظر البعض ـ انتحارا سياسيا ينضاف إلى انتحاراتهم السياسية السابقة، وما صاحب ذلك من إنكار بعض أطياف المعارضة التي لم تجد في هذه الحكومة موطأ قدم، وذعر الموالاة المتوجسة من أن يدخل الإسلاميون (الخلوة) في زاوية القصر الرئاسي، وبعد إقالة هذه الحكومة -التي لم تكمل فترة النقاهة المعتادة (الستين)ـ زاد اللغط الجماهيري حول مبررات دخول حكومة محكوم عليها بالحل، وحول إستراتيجية الإسلاميين بعد طلاق البتة المؤكد من الأغلبية الرئاسية؟ وهل يتجهون ذات اليمين أم ذات الشمال؟.
انتحار أم انتصار:
ليست هذه أول مرة يثير فيها إسلاميو موريتانيا اهتمام الرأي العام والأوساط السياسية، فقد باغتوه من قبل بعدة قرارات سياسية حكم عليها البعض بأنها كانت قرارات انتحارية، بينما يرى البعض أنها إنما كانت مجرد رسائل أراد الإسلاميون إيصالها بقوة إلى من يهمهم الأمر، حصل ذلك في انتخابات 2003 حيث فاجأ الإسلاميون الرأي العام بدعمهم السياسي والإعلامي القوي للمرشح محمد خونا ولد هيداله، رسالة وجهوها -بالدرجة الأولى- إلى العقيد الحاكم آن ذاك معاوية ولد الطايع خصمهم الأول الذي زج بهم في السجون وأراد اجتثاثهم ومضمونها: (أنهم موجودون بقوة على الساحة وأنهم يستطيعون إمالة الكفة لمن يريدون، وأن أساليب الترغيب والترهيب ليست –بالضرورة- هي الطريق المناسب للتخلص منهم والقضاء عليهم).
كما كانت -بالدرجة الثانية- موجهة إلى حليفهم التقليدي الأستاذ أحمد ولد داداه رئيس تكتل القوى الديمقراطية الذي دعموه بقوة في أول انتخابات رئاسية تجرى في موريتانيا في بداية التسعينات من القرن الماضي، والذي أعاد الترشح في هذه الانتخابات(2003).
كان فحوى هذه الرسالة: (أن التحالف ليس معناه الذوبان، وأن التأييد لا يعني التقليد والتبعية المطلقة).
انحياز للمبادئ أم مراهقة سياسية:
أما الرسالة الثانية التي باغتوا بها الرأي العام فكانت اختيارهم دعم المرشح لرئاسيات 2006 صالح ولد حننا، مع إدراكهم لضعف احتمال وصوله لسدة الحكم، وكانت هذه الرسالة موجهة إلى جمهور الناخبين، كما هي موجهة إلى المرشحين الأوفر حظا في الفوز بسباق رئاسيات 2006: مرشح تكتل القوى الديمقراطية الأستاذ أحمد ولد داداه ، والمرشح المدعوم من العسكر سيد محمد ولد الشيخ عبد الله، رسالة أراد (الإصلاحيون) من خلالها -على حد رأيهم- التنبيه إلى انحيازهم إلى: الشورى والمبادئ، وعدم الجري وراء المناصب والحظوة، تلك المبادئ التي ما فتئوا ينادون بها، وإن كان هذا الانحياز على حساب النجاح السياسي، واحتمال الوصول إلى صفقة مربحة مع أحد القطبين، هذا القرار عده الكثيرون هو الآخر تصرفا طفوليا، وانتحارا سياسيا حتميا لن تقوم للإسلاميين بعده قائمة.
وأخيرا جاءت مشاركة تواصل في حكومة ولد الواقف المقالة، ويبدو أن رسالة (تواصل) في هذه المرة -بعد أن صلب عودها- كانت مثيرة وغامضة على غير المتمرسين في فن السياسة، ولكنها بالغة الذكاء والأهمية، وموجهة لعدة أطراف هي:
1. السلطات الحاكمة، والمعارضة، وسائر القوى الفاعلة في المجتمع:
• لا نعارض من أجل المعارضة ولا نوالي من أجل الموالاة.
• لسنا من اليمين المصفق على كل حال، ولا من اليسار المشاكس دائما.
• مستعدون للمشاركة والتعاون مع كل الاتجاهات السياسية مادام هذا التشارك والتعاون يجلب مصلحة أو يدفع أو يقلل مفسدة.
• لدينا كوادر وخبرات يمكن أن يشاركوا –وبقوة- في بناء الوطن، ورعاية التوجه الإصلاحي الوليد.
2. القوى الدولية والإقليمية:
• لسنا جامدين، ومرجعيتنا الإسلامية تملي علينا المشاركة الإيجابية في كل المجالات، وهي عامل تعاون مع الآخر وليست عامل تصادم.
1. الجمهور:
• لسنا (قوقوهات) ولا أغوالا يجب أن يخاف منا الآخرون ويحذروا منا، ولا (دراويش) منزوين عن الحياة العامة وغير قادرين على التفاعل معها، بل نحن أناس واعون وقادرون على المحاورة، والمناورة، والمشاركة، والعطاء والإنتاج.
• لسنا مستعدين لتفويت الفرص كما حدث في بداية الثمانينات في أيام ولد هيداله، ولسنا مستعدين لتوزير الأفراد ثم احتوائهم، ولا رفض التعاون فيما يفيد -وإن كان محدودا- كما حدث في التسعينات في بداية عهد ولد الطايع.
• لو أعطيت الفرصة لوزرائنا لكانوا نموذجا في العمل والبناء والإصلاح، ولقد أقمنا الحجة على كل من يريد الإصلاح في المستقبل بما أبديناه من الاستعداد للتعاون والمشاركة فيما ينفع.
ذكاء وتجاوز للمراهقة السياسية:
وفي خضم أزمة (المغاضبة) الماضية التي نشبت بين طرفي الحزب الحاكم (عادل) لاحظ المراقبون عدم ظهور (تواصل) بشكل بارز في الأزمة، -ما فسره البعض بمظاهر تجاوز مرحلة المراهقة السياسية- خلافا لأطراف أخرى تخندقت هنا أو هناك؛ مما أضفى على موقف التواصليين الذكي نوعا من المصداقية وأبعدهم عن ساحة التراشق التي دخلها كثير من الفاعلين السياسيين من كل الاتجاهات.
هذا التراشق الذي كانت الاتهامات فيه متبادلة بين أكثر من طرف بـ:الضعف والعجز وفقد السلطة المعنوية، وغرابة التصرفات، والخروج على الدستور، والتدخل في مؤسساته، وتهديد الديمقراطية والاستقرار، والمغاضبة لمجرد الحصول على مآرب شخصية، والفشل والفساد...
في خضم هذه الأزمة جاء موقف الإسلاميين متسما بالهدوء، والرفق، و الحزم، والعفة؛ حيث أصدروا بيانا واحدا -حسب اطلاعي- قرروا فيه: التمسك بالشرعية الدستورية و الدفاع عن المكاسب الديمقراطية المتحققة، واعتبار أي تراجع في هذا الصدد إضرارا بالبلد و شعبه و سمعته، ورفض الفساد أيا كان ممارسوه وفي أي موقع كانوا ومع أي طرف من الأطراف، وإعطاء الفرصة للحكومة ليحكم عليها بناء على عملها و أدائها، والاعتراف للنواب بكامل حقوقهم القانونية و الدستورية بما فيها تقديم ملتمسات الرقابة، ورفض أي محاولة لتوتير الأجواء و إذكاء الصراعات، إضافة إلى ضرورة العمل على التناغم و التعاون بين المؤسسات الشرعية و الدستورية و المؤسسة العسكرية بدل العمل على توسيع الهوة و إشاعة أسباب النزاع .
وبعد تصريح الوزير المكلف يحيى ولد الواقف باستبعاد الإسلاميين من التشكيلة الجديدة قال رئيس حزب تواصل: لن تدفعنا المساندة للتبرير، ولا تسمح لنا معارضتنا بالتحامل.
فما الذي يخبئه حزب (التواصل) للرأي العام؟ هل يسير ذات اليمين بعد إغلاق الأغلبية الداعمة للرئيس (في الشوط الأول والثاني) أبوابها أمام حبال وصله؟ أم يسير ذات الشمال ليرجع إلى خنادق ربما تكون قد لغمت خلال شهري العسل والبصل الماضيين ؟ أم إنه سوف يبتكر خطا جديدا بين الموالاة والمعارضة يثبت من خلاله نظريته القائمة على المزاوجة بين المشاورة والمغايرة؟ هذا ما سوف تكشفه الأيام القادمة بحول لله.







