تاريخ الإضافة : 09.07.2008 12:29

الأزمة الحالية: انقلاب أبيض...وانقسام أسود

لم تشهد البلاد السائبة أزمة سياسية خانقة كالأزمة التي تمر بها الآن والتي كانت بامتياز أزمة أغلبية وكان الصوت المعارض فيها يغيب تارة في الجوقة العامة ويند تارة أخرى بتهدج متهلهل وقد أبانت هذه الأزمة عن جملة من المعطيات لايحتاج المراقب كثير شطارة ولا علم فياقة لمعرفتها وقراءتها بسهولة :
-لقد أبانت الأزمة أن الضباط العسكريين الذين أزاحوا رفيق الدرب ولد الطائع ذات سحر لم يسلموا السلطة كاملة للمدنيين بشكل نهائي وإنما بقوا وراء الكواليس يديرون المفتاح وفق أهوائهم وما الأيادي المدنية تشريعية وغيرها التي تتبدى وكأنها تديره حرة طليقة إلا بيادق لدى هؤلاء الضباط ..فقد نجحواا أثناء توليهم السلطة في إضعاف الأحزاب السياسية من خلال دعم وتكوين المستقلين الذين تمكنوا من السيطرة على البرلمان..فضلا عن اختيار رئيس طيب وخلوق لايحب المواجهة والعراك وامتشاق الحسام..وقد أطلق الرئيس العنان لهؤلاء الضباط في الجيش حولا كاملا علاوة على تلك الألقاب الرفيعة التي خصهم بها كما خصوه دون غيره بذلك المقعد الوثير ...
وبعد السنة وكثرة الحديث عن تلك العلاقة غير المتوازنة بين الرئيس وهؤلاء الضباط حاول الرئيس أن يعطي المؤسسة الرئاسية هيبتها وسلطانها ..وبالتأكيد فإن ثمة من همس في أذن الرئيس- جاسوسا أو ناموسا- بضرورة تثبيت قدمه في الحكم وإبراز قوته وشخصيته الاعتبارية التي يخولها له الدستور .فكان تشكيل حكومة ولد الواقف بداية التماس الكهربائي في تلك العلاقة ..ظل المتتبعون للمشهد يستمعون إلى حديث هناك وسلوك هناك ينبئ عن خلاف بين الرئيس وضباط الثالث من أغسطس ولكن ظلت الأمور تحت السيطرة الإعلامية ..وإن رشح ما يوحي بفتور ذلك الرباط ..ويبدو أن العسكريين كانوا يفكرون في طريقة ديمقراطية يواجهون بها الرئيس المدني بعيدا عن اللجوء إلى سيناريو الثالث من أغسطس الذي لن يجد الصدى الذي وجده الثالث من أغسطس وكانت "الفتح المبين "
لقد أحس الضباط أن تشكله الحكومة على غير ما تشتهيه سفن الأغلبية التي لم يخف الكثير منها تذمره من حرمانه من الكعكة وزاد الطين لدى هؤلاء بلة إشراك أقطاب "المعارضة" المؤدلجة في هذه الحكومة مما أوجد تذمرا أبانت عنه تلك الأغلبية ..وكانت البداية.
لقد كانت الأزمة أغلبية بامتياز ..فريق برلماني غاضب يحميه وينفخ في روحه ضباط سامون يدين لهم بالجميل .وانفجر "العادليون" في مشهد مثير وغريب ..وبين عشية وضحاها كان الحزب الحاكم يفقد بعض حواسه ويصاب بالربو والزكام وظلت الحالة الصحية تزداد سوءا ولم تفلح تلك الإسعافات الأولية التي قادها بعض الوزراء لثني نواب الأغلبية عن قرار الحجب وامتصاص الفيروس الفتاك
..وفي سابقة من نوعها كانت حكومة الأغلبية مهددة بالحجب من فريق الأغلبية في البرلمان واستطاع فريق الحجب أن يستنفر العديد من الشخصيات السامية التي أحست أن الدخول في مواجهة مع الضباط ليست محمودة العواقب ..وبدأ أنصار الرئيس المؤتمن يتسللون لواذا ويتحينون الفرص للتنصل منه ومن وزرائه وحكومة التي تضم بين أفرادها رموز فاسد-ولو كان هذا المتذمر فاسدا حتى أخمص قدميه .لايهم..المهم أن كفة المغاضبين أصبحت راجحة وعليه فلا معنى للولاء لغير الراجح والمنتصر ..هكذا اللعبة دائما في هذا البلد.
أما المعارضة أيا كان موقعها فقد كانت تعيش على هامش الأزمة فلا هي في المعارضة تستطيع أن تدافع عن حكومة أعلنت منذ البداية عدم رضاها عن بعضها ولا هي تريد أن تنحاز للخندق المصطف أمام الضباط وهي المؤسسة الديمقراطية .ولكنها في نهاية المطاف باركت خطوة الحجب وإن بدا أن الأغلبية استطاعت أن توفر النصاب من برلمانييها ..فكفى الله المعارضة القتال.
وبعد أن أوشكت ساعة الحسم أن تحل..وآذنت الحكومة بالرحيل على أيدى الأغلبية المغاضبة ..كانت إطلالة الرئيس القادم للتو من شرم الشيخ واستعادت الحكومة وأنصارها في البرلمان نوعا من الثقة بعد أن استمعوا إلى خطاب تصعيدي انحاز فيه الرئيس لحكومة لم تقدم برنامجها .ولم تجد الوقت الكافي للفساد...وأشهر حسام حل البرلمان ..وتنفس أنصاره الصعداء حتى هم البعض بتنظيم مسيرة مباركة تذكرك بالولاء القديم ..وفعلا خلط الخطاب الأوراق ..فالكثير من البرلمانيين لايريد ون التضحية بمناصب حصلوا عليها بشق الأنفس واللف والدوران .وحتى حديثهم عن التذمر من الفساد والمفسدين في الحكومة ليس إلا شعارا لامتن له ولا حاشية ..وفي حالة الخيار بين المصلحة العليا للبلد والمصلحة الشخصية ..لتذهب الأولى أدراج الرياح ..أما الثانية فهي مربط الفرس في هذا الصراع
ولم تكد تشرق شمس اليوم الموالي حتى كان خطاب الرئيس في ذمة الله ..وبسرعة البرق قرر الرضوخ لمطالب المغاضبين واختار أن يكون إسقاط الحكومة بيديه لابيدي قصير..وإذا كان مناوئوه والمراقبون اعتبروا ذلك إضعافا للمؤسسة الرئاسية ورضوخا غير مقبول لمن خوله الشعب إدارة دفة الحكم بالأغلبية ..فإن أنصار الرئيس اعتبروه نوعا من الحنكة والحكمة التي اقتضتها اللحظة وخروجا من عنق زجاجة قد تنفجر في أية لحظة..وأنه لايمكن الحديث عن غالب أو مغلوب..ولكن هؤلاء غضوا الطرف عن قوة الخطاب وبعد المسافة بينه وبين الخطوة الرئاسية الموالية..وتجاهلوا أنه مادام الرئيس لايريد الدخول بالبلاد في دوامة الأزمة كان عليه أن لايصعد بذلك الخطاب العنتري ..فيما بدا أن الليث كان يبتسم ..ضف إلى ذلك أن هناك طرفان لكل منهما خطاب سياسي مغاير للآخر وتقدم احدهما خطوة يعني تراجع الثاني خطوة مهما كان الحق ..ومهما الظروف
وأخيرا اتضحت معالم اللعبة حقق البرلمانيون المغاضبون للرئيس وحكومته ما أرادوا فأقصوا الأحزاب ذات البعد الإيديولجي التي لا يضمن العسكريون ولاءها ولا تريد بدورها أن تتنازل عن خطاباها وتوجهاتها المصنوعة في مصانع المعارضة ..دخلت هذه الأحزاب بمحض إرادتها وخرجت مكرهة ولسان حالها يردد علقتها عرضا وعلقت رجلا **غيري وعلق أخرى غيرها الرجل
.وبدا أن المغاضبين طوقوا الرئيس حتى من خلال هيئة حرمه الخيرية ..والبقية تاتي..
أما الحديث عن إقصاء رموز الفساد فلا محل له من الإعراب ويمكن العودة إلى ملتمس الحجب وقراءة الأسماء المتذمرة من الفساد لتبكي دما على هذا البلد الطيب الذي يدافع أحد نوابه عن الحكومة في بداية الأزمة عبر الجزيرة ثم يعود ليقلب الولاء ويدافع عن حجب الثقة في قناة الحرة.. وللمفارقة بثت الحلقتان في نفس التوقيت.. وهكذا يمكن الحديث عن انقلاب أبيض تولته مجموعة عززت مواقعها في مؤسسة البرلمان .وأضعفت الثور الأبيض ..فهل ستطيح بكل الثيران؟
أحمد أبو المعالي:
كاتب وشاعر موريتاني مقيم بالإمارات
Ahmad_aboualmaaly@hotmail.com


الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026