تاريخ الإضافة : 07.07.2008 20:23

ما الذي يجري في موريتانيا

هذا سؤال مطروح بشدة هذه الأيام حيث شهدت موريتانيا هزة سياسية لا مثيل لها في تاريخها الحديث، تمثلت في انشقاق الأغلبية الموالية للرئيس وسعي طائفة ساحقة من نوابها إلى حجب الثقة عن الوزير الأول وحكومته التي وقع الرئيس قرار تعيينها وكان من المفروض أن يصادق البرلمان على برنامجها. في دورته المنعقدة حاليا، ثم تلا ذالك خطاب متشدد هدد فيه الرئيس بحل البرلمان

إن تمادى النواب المتمردون في مسعاهم وبدا أن الخطاب لم يكن إلا تغطية أخيرة لمشهد استقالة الحكومة الذي جاء بعد الخطاب بساعات قليلة، فما الذي يجري حقيقة .. ؟

من المفارقات أن الصراع هذه المرة ليس بين موالاة ومعارضة، كما كان يحدث عادة، فالصراع في الداخل, في الموالاة نفسها، انشقت مجموعة من حزب عادل بحجم الأمين العام وبعض أعضاء المكتب الوطني تلاها انشقاق النواب الممثلين لهم في البرلمان وبعدها انشقت أحزاب من كتلة الأغلبية الداعمة للحكومة، وما تزال الانشقاقات تتواصل، وسلم ملتمس حجب الثقة عن الحكومة إلى رئيس البرلمان لطرحه للتصويت ثم تلاحقت الأحداث. وقد اختلف المراقبون السياسيون في قراءة هذا العصيان السياسي في الموالاة إلى ثلاث تفسيرات:

التفسير الأول: أن المتمردين على الحزب وعلى الرئيس هم مجموعة من السياسيين الذين لم تقرع لهم قرعة في الحكومة الجديدة وأرادوا أن يضغطوا على الرئيس لتعيينهم. وهذا التفسير وإن كان ينطبق على بعض العناصر فإنه لا ينطبق على كثير منهم، من أصحاب السمعة الطيبة والأداء السياسي المقبول، ولا تكون الأطماع الشخصية بهذا القدر من القبول والانتشار حتى تكتسح جماهير عريضة من الساسة.

التفسير الثاني: أن هؤلاء مجموعة من الغيورين على وطنهم والساعين إلى إحداث نقلة جذرية في السياسة الموريتانية وبناء دولة تنمية وعدل وقانون، وهذا التفسير لا يمكن أن يقبل على إطلاقه كلية، فهم قطعا وطنيون في أغلب توجهاتهم، لكن طائفة كبيرة منهم كانت قريبة من حكومات معاوية و بعضهم شاركوا في تلك الحكومات ولم يؤثر عن غالبيتهم حرصه الثابت الذي لا يتزعزع على الإصلاح وإن كان لم يؤثر عنهم أيضا حرصهم على الفساد.

والتفسير الثالث: أن وراء الأكمة أسدا وأن خلف التحرك عناصر من قيادات الجيش أرادت أن تقف في وجه الاختيارات السياسية لثلة من المتنفذين كانوا وراء تعيين الحكومة الحالية، تلك الاختيارات التي كرست توجها معينا إن لم نقل تراجعا سياسيا عن خيارات المرحلة الانتقالية التي وضعت أسس التداول السلمي على السلطة وطبقته بالفعل وإن كان التطبيق الذي تمثل في الانتخابات النيابية والرئاسية شابته ممارسات غير ديمقراطية أثرت على نتائجه فدفعت بالثلة القديمة إلى الصف الأمامي بتشجيع من عناصر من المجلس العسكري الحاكم يومها وكان تصور تلك العناصر أن هذا سيوجد توازنا بين أطراف اللعبة السياسية فلا تستقل المعارضة بالسلطة فتحدث التغيير الجذري الذي تسعى إليه والذي يمكن أن يضر مصالح البعض ، وفي المقابل لا تبقى دفة الحكم في يد تلك المجموعة التي كانت بيدها والتي أوصلت البلاد إلى ما أوصلتها إليه قبيل الثالث من أغشت 2005،

وكان أن توجه الدعم إلى قوى الوسط السياسي ولكن البلاد قد وصلت يومها إلى مرحلة ضمر فيها الوسط واضمحل، وهكذا استغلت مجموعات الفساد الفرصة فتقدمت في الانتخابات وحجزت مقاعد معتبرة في البرلمان وظلت تتقدم وتنشر سلطتها هنا وهناك، وكان الجو مازال مهيئا لنشرها إذ إن أغلب المسؤولين الإداريين في الدولة تم تعيينهم في عهد معاوية ولحساب تلك المجموعات، فكان أن تعطلت حركة الإصلاح وبدأت الدولة تتراجع شيئا فشيئا عن الخيارات السابقة، وأتاح ضعف حكومة الزين ولد زيدان وتعثرها في تحريك وتيرة التنمية وفشلها في مواجهة مشاكل المواطن العديدة والمتشعبة أتاح الفرصة لتسارع وتيرة الردة فأقنِع الرئيسُُُ بتكوين حزب وهرعت تلك المجموعات إلى الحزب الجديد وخدعت مجموعة من الوسطيين المقربين من الرئيس بمشاركتها في تكوينه، ثم خدعت الإسلاميين والحركة الديمقراطية الوطنية أو انخدع هذان لها، فشاركاها في الحكومة الجديدة لأسباب تتعلق بكل منهما ويضيق المقام عن شرحها.

واكتمل إحكام نظام العقد وطوقت السلطة بتلك الأوجه التي تعود الناس عليها في السنين الخوالي وكأن شيئا لم يحدث، وبدا أن حلم العسكريين بوسط سياسي يسير بالبلاد إلى الإصلاح برفق حلم بعيد المنال، فهل يتركون البلاد تسير إلى الهاوية لتعود لنقطة الصفر التي انتشلوها منها أم يتحركون لإنقاذها قبل فوات الأوان. ولن يكون طبعا تحركهم إلا مستورا بتحريك لاعبين سياسيين قادرين على التأثير في اتجاه الأحداث وهذا ما حصل في الأيام الأخيرة حين انشقت مجموعة الوسطيين عن حزب عادل.

وهذا التفسير هو أقرب التفاسير إلى الصواب بحكم أن الذين يقودون التمرد السياسي اليوم، لم يملكوا يوما الجرأة على التمرد بشكل صريح على اختيار رئيس جمهورية ولن يملكوها إلا بوجود سند ضامن أن لا تعود عليهم جراءتهم بما لا تحمد عقباه، وليس سند أقوى وأضمن من سند الجيش، فهو تمرد محسوب يسعى لاستعادة السلطة إلى خط الوسط الذي أرادها العسكر أن تكون فيه.

وكما كان متوقعا فقد قبل الرئيس استقالة الحكومة وحفظا لماء الوجه كلف وزيره الأول المستقيل بتشكيل حكومة جديدة وعلى كل حال فما هو بشر الثلاثة. وهذا الذي حدث هو بلا شك ضربة قوية لأولئك النفر الذين ظنوا أنهم استقلوا بالأمر من جديد واسترجعوا ما ضاع من أيديهم غداة الثالث من أغسطس 2005 ، ولتلك الضربة توابع في المستقبل سيكون أولها أنهم لن يشاركوا قطعا في الحكومة المترقبة، وسينصحون بأن عليهم التراجع إلى الخلف قليلا والقبول بتعيين من يمثلونهم في الحكومة، وإذا اتجه أداء الحكومة نحو الإصلاح فلن يكون لأولئك نصيب الاستحقاقات الموالية. و سينظر إلى ما حدث على أنه انتصار لإرادة الإصلاح والتغيير على قوى الفساد والظلم،

ويبقى أن هذا ليس آخر المطاف فقدرة الرئيس ووزيره الأول على إحداث التغيير المطلوب مشكوك فيها اللهم إلا إذا سلموا زمام المبادرة لوزراء أقوياء قادرين على رسم خطط الإصلاح وتنفيذها، عندها فقط سيكون ما حدث ذا قيمة كبيرة ولبنة قوية في البناء الديموقراطي.

ومهما يكن فإن على العسكر أن يأخذوا العبرة مما فات ويعرفوا أن أنصاف الحلول لن تقدم شيئا لموريتانيا، وأنه في مسألة الحق والباطل لا توجد منطقة وسطى، ولا يمكن لمن يجذب إلى الخلف أن يماشي من يجذب إلى الأمام وليتركوا الشعب لخياراته فهو واع بالقدر الذي يستطيع أن يختار فيه الصحيح من الفاسد، وليراقبوا من بعيد ولا يخلطوا بين واجب حماية الدستور وبين الانخراط المباشر في اللعبة السياسية.


محمد ولد محمد سالم

Dah_tah@yahoo.fr

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026