تاريخ الإضافة : 2007-06-14 16:13:16
انواكشوط عاصمة أشباح أم أشباح عاصمة ؟
بقلم محمد ولد سالم
yehdih1999@yahoo.com
امتدت المسيرة العمرانية لمدنية انواكشوط قرابة نصف قرن من الزمان . وقد اتسمت هذه الفترة بتوالي خطط شبه عمرانية، وبرامج إصلاح، وترميم، وإعادة تأهيل ، و مسميات كثرت على كتب الاصطلاح العمراني، والأجدر أن يوضع بها قاموس خاص، والأحرى أن يكون عاما؛ لتعم الفائدة ويتأصل المنتفع به في قلوب العموم.
فليس من الغرابة بمكان أن جملة من يدعي بحزم وعزم أنه من خيرة المهندسين المعماريين، وخبراء الإسكان والعمران الوطني، الذين أذرفت الدولة على تكوينهم دموعها المالية في جامعات غربية بدأوا بخطة مشروع عاصمة، مع من كان لهم عونا من بقايا الاستعمار وأبنائه، الذين يحرصون كل الحرص على تسمية أنفسهم بروح الوطن وعصب حياته المتأصل. وكان من بنات أفكار الجمع أن تمخض مشروع الجبل الوطني فولد فأرا معتل الجسم منفصم الشخصية تتوالى عليه الصدمات النفسية عدة مرات في اليوم.
بدأت الخطة المستعصية إذن مما استدعى من مجمع مهندسي المعمار وخبراء الإسكان الوطنيين تجديد هيكلهم الفعال، وبصفة دائمة، خوفا عليه من الشيخوخة، وتلف الأفكار أو إن شئت تخلفها؛ فالمشروع، ما شاء الله ، طال أمده وقلت فائدته، وجندت له جيوش وأموال لو سخرت برشد رؤوس مستنيرة لخرجنا بعاصمة أقل ما تتصف به أنها تماثل ما حصلت عليه الدول المجاورة... فالمهم والأهم من هذا وذاك: أن الفكرة وضعت لتخرج لنا بشوارع لعل علوم العمران تترفع أن تسميها بشوارع، بل أزقة أو قل شويرعات لا تصلح لغير الراجلين أو الدراجات الهوائية. و هي خصوصيات لم ولن ترتسم في أذهان مجمع العمرانيين، ولا الهيئات المسؤولةعليهم؛ كوزارات العمران، والإسكان، والتخطيط ؟ فالمهم هنا ليس النتيجة وإنما مسميات دون مسمى، ودون نتائج أيضا.
وما كثرة المصطلحات والتسميات، مع ما يصاحبها من شبه إعلام إلا ما يسمى سوقيا بذر الرماد في العيون، القصد الأول منه التمويه والتضليل عن ما أخفته وتخفيه الطبقات المتنفذة أولا ثم أشغال العموم، وإيهامه أن الجيوش الجرارة من عمال الدولة، وخبراء الإسكان، والعمران، وغيرهم من الهياكل في خدمة الأمة وجاهزيتهم لا تقارن بجاهزية أعتى الجيوش، وأحسنها أداء !!
والأدهى من هذا كله، والأمر مما سلف ذكره: أن المهام توزع يمنة ويسرة، والإدارات تتمخض لتلد إدارات أخرى؛ كمجموعة انواكشوط الحضرية مثلا!!، ويبقى القصد الماورائي هو الاكتتاب بطرق لا مسؤولة، وإثقال كاهل دولة تقطعت أوصالها تحت وطأة هيئات وإدارات يعجز العقل البشري عن تحديد مهامها!! ولعل المراد الرئيس هو أن يتفرق دم الإسكان والعمران بين الوزارات، والهيئات، والإدارات لتتفرق بدورها المسؤولية ويصعب تحديد شخص بعينه أو إدارة بذاتها عن إخفاق ما يسمى باللاعمران، واللاإسكان، واللامدنية الموريتانية؛ فضيق الشوارع بالمفهوم الأنواكشوطي سيؤدي إلى كوارث، وأولها مرورية، وقد بدأت ملامحها توقع بالعموم، أما الاختناقات الهوائية، وانحسار المياه مع انعدام مجاري الصرف الصحي، وفي حالات هطول الأمطار أو هبوب الأعاصير، والفيضانات فالنتيجة هنا كارثية، وأقلها ضررا سيكون تفشي الأمراض الاستوائية. هذا إن لم تكن الانهيارات الأرضية مع قلة وضيق المنافذ، والمخارج المؤدية إلى بر الأمان خارج المدينة في حالات الأضطرار؛ لأن المخطط لمشروع (وأي مشروع) يجب أن يضع احتمالات عدة وتكون له نظرة مستقبلية لما يحتمل من تزايد سكاني يصاحبه ازدياد الطلب على الخدمات والمرافق العمومية.
فإن كانت شوارع المدينة (وأي مدينة) تقوم مقام الأوعية الدموية من الجسد، مما يستوجب نظرة تفصيلية تفضي بعدم انسدادها، فإن ما يرى في انواكشوط لا يتشجع العاقل أن يصطلح على تسميته بشوراع، ناهيك عن الأرصفة، وانعدام التشجير، والإضاءة المنظمة لما يمكن أن يسمى على مضض بحركة مرور تطبعها الحيوانية. مما يجعل الراكب يختار الترجل من كثرة الانتظار، وانسداد الطرق نتيجة ضيقها، وفوضوية السالك مع انعدام مفهوم مدني للمسلوك. وليست اللامسؤولية والفوضوية وحدهما الطابع المميز لحركة المرور، وخدماته المعدومة أصلا كالإضاءة وأجهزة التحكم في انسياب آمن لحركة المرور وكاميرات ضبط وتحديد المخالفين فحسب، بل إن المجتهدين الوطنيين من مخططينا وهيئاتهم الكثيرة ابتدعوا فنونا وطرقا عمرانية جديدة: فمن براعتهم وكثرة إتقانهم للعلوم التي درسوها أنهم يخططون أحياء بلا أسواق، وبلا مدارس، وبلا مكتبات، وبلا مستوصفات، أو ملاعب، وحتى دون بريد...!!
أما مجاري الصرف الصحي فلم تكن مدرجة في علوم التمدن، والعمران، والتخطيط، والإسكان التي هم مختصون فيها!! ناهيك عن الأزقة التي لا تتسع لمرور سيارة إسعاف! وإن اتسعت فبكثير من المراوغة والانتظار!! فأين الشوارع الفسيحة والساحات العمومية، وأماكن التوقف الاضطراري التي جرت العادة أن تخصص للحالات الاستعجالية: كالإسعاف، وسيارات الإطفاء، وأعطاب المرور...؟ فالقاذورات وجبال الأوساخ داخل المدينة، وخارجها يوحي أول ما يوحي باللامسؤولية التامة أولا وانعدام المساءلة ثانيا؛ فليس رمي أو تراكم الأوساخ في مكان ما دون معالجتها أو التخلص منها بطرق سليمة إلا جريمة كبقية الجرائم يحاسب عليها الفاعل والمسؤول وقد تمتد سلسلة العقاب لتطال الوزير. هذا إن تكلم عن دولة قانون أصلا؛ فالحالة البيئية لانواكشوط أكثر من كارثية ووصلت حدود اللامعقول من الإهمال والتسيب، وانعدام الإدارة مع كثرة المسؤولين وعدم وضوح مهامهم.
فالزائر للمدينة يخيل إليه أنه وصل حدود مقبرة (حيوانات منقرضة) حتى ليصل وسطها يتفاجأ أول ما يتفاجأ بشبه حركة، وشبه أبنية، وشبه شوارع...!! ولعل ما يرى من سواح على قلة عددهم ليسوا سوى ما يصطلح على تسميته بالفضوليين الذين استقدمتهم الاستحالة العقلية أن تكون فيه أمة لا تزال تعيش بهذه الدرجة الراقية من التخلف وكميات القاذورات المترامية في الشوارع والأحياء. ولعل العقل هنا يقصر دون مفاهيم المدينة الموريتانية التي لا يستحال أن تكون قد اجتازت حواجز التمدن المتعارف عليها لتتخذ من الأوساخ، والمياه المتعفنة زينة للعاصمة أو قل رمزا دوليا أو علامة تجارية مسجلة باسمها.
فالحكومات المتتالية على كثرة خبرائها المصحوبين بخطط الإعمار والإسكان يستحقون وبجدارة أبديةمثلى تسمية) جيل المخربين(، الذي يفترض أن تنظم له مباراة اعتزال النشاط الخدموي يكون ندهم في التظاهرة تسعة رهط ، ومن شهد لهم التاريخ بالتخريب والفشل والتقاعس، واللامبالاة...؟
ولا أظن الخطط العمرانية ستعلن اللعنة، والويل، والثبور على هذا الجيل بسبب فشله في إعمار مدينة لا تمثل واحدا بالمائة من مشاريع الفشل والإحباط المعلنة والغير معلنة. ولا أظن الأمر هنا يتطلب الكثير من العلم والتفلسف فجيوش العمالةو المسيرين الجرارة التي تعاقبت على الوطن أهدافها ضيقة أولا ومشاربها قبلية ثانيا، فالأحرى أن يعمروا مدنهم، أو قراهم أو على الأقل منازلهم؛ فالعاصمة في ذاكرتهم، إن كان لهم أقل ما يتسم بهذه التسمية من اسم، ليست ملكا لهم، وليست ملكا لقبيلة ممن يتحدرون منه أصلا أو فرعا ؟ مما يجعل الأمر مستحيلا عندهم أن يعطى أهمية أو يعكف عليه فريق الخبراء والمختصين.
أما أحياء الصفيح فقد أضحت صفة جمالية تعتبر من الخصائص المقتصرة على مدينة انواكشوط دون غيرها لأنها أحياء لم ولن تجد من يعيرها ذرة اهتمام لأن القائمين على الإسكان، والعمران، والهيئات الحضرية، والولاة همهم الأول هو إغناء أنفسهم ومن تبعهم بأراض في مايمكن أن يسمى بالأحياء الراقية ؟ أو إعطاء قطع أرضية لأغنياء يكون الانتفاع منهم أكثر؟ دون الالتفات إلى المساكين الذين تعجز الألسنة عن إعطاء صورة لحالاتهم المأساوية. وليست الخصال الجمالية لانواكشوط المذنبة بأسلاك النصب وأسلاك الغضب مقتصرة على ما سلف، بل تتعداه ممتطية ضروبا متأصلة من المساوئ وانعدام خدمات لا يعقل أن تعيش دونها حظيرة حيوان كإمدادات الماء، والكهرباء...
وآخر ضربة يتلقاها المواطن المسكين من هيئات الإسكان، والعمران مشروع فاضت به قريحة مجموعة انواكشوط الحضرية، يقضي بقضم ضريبة على السكن تقتطع من الأحياء الفقيرة. فالمنطقي أصلا أن تدفع الضريبة على أساس خدمات أو كماليات مقدمة تستدعي اقتطاع معيشة مواطن فقير لا أن تكون فوضوية استبزازية. فأي الخدمات قدمتها وتقدمها مجموعة انواكشوط الحضرية للسكان والمساكن ؟ أليس من حق المواطن أن يتقدم بدعوى قضائية ضد ما يسمى بمجموعةأنواكشوط الحضرية ؟ ألم يكف المواطن تعاسة أن يستغل في اليوم مرتين وبأبشع الطرق، وأشدها نذالة وامتهانا لحقوقه ؟ فلا يعقل أن يكون للضريبة مبرر؛ نتيجة استحالة وجود منطقي للخدمات الحضرية أو شبه الحضرية. فلا نقل، ولا شوارع، ولا أسواق، ولا مدارس، ولا مكتبات، ولا إدارات، ولا مستوصفات، ولا مستشفيات ..!! وإن أتيحت لك الفرصة لجمع لاءات النفي المنطبقة على فشل مجموعة انواكشوط الحضرية فستحتاج مجلدات تعجز الصناعات الورقية عن إخراجها؛ لأن العجز الحضري الموريتاني يستحق أن يسطر ضمن لائحة عجائب الدنيا التي تجري هذه الأيام حملة دولية لزيادة معالمها.
ومجمل القول أن المواطن المسكين مل البرامج الفضفاضة الخالية من خطط مستنيرة تنقذ البلاد والعباد من لامسؤولية الهيئات، والإدارات، ومشاريع التزلف، والتخريب، واللامبالاة التي طبعت الخطط الحضرية الموريتانية، التي لم يستح أصحابها، إن كان لهم حياء أصلا، وينجزوا مشروع عاصمة طال انتظاره حتى ارتسم في مخيلة اللاعودة والنسيان !!. لكن الظاهر للعيان أن ما يسمى باللاإسكان ، واللاعمران، والهيئات اللاحضرية جادت فكرتها، إن كانت لها وسائل تفكيرية أصلا، بما نحن عليه الآن، وهو ما يصطلح على تسميته تشويقا لا تنفيرا: عاصمة أشباح، أو أشباح عاصمة، وهي نتيجة أكثر من مشجعة تستحق التدويل، والإعلان على رؤوس الأشهاد؛ لأن المواطن المسكين تعود أن يرجع إليه مفكرو مشاريعه الوطنية الصغيرة، والمتوسطة، والعملاقة بخفي حنين.
yehdih1999@yahoo.com
امتدت المسيرة العمرانية لمدنية انواكشوط قرابة نصف قرن من الزمان . وقد اتسمت هذه الفترة بتوالي خطط شبه عمرانية، وبرامج إصلاح، وترميم، وإعادة تأهيل ، و مسميات كثرت على كتب الاصطلاح العمراني، والأجدر أن يوضع بها قاموس خاص، والأحرى أن يكون عاما؛ لتعم الفائدة ويتأصل المنتفع به في قلوب العموم.
فليس من الغرابة بمكان أن جملة من يدعي بحزم وعزم أنه من خيرة المهندسين المعماريين، وخبراء الإسكان والعمران الوطني، الذين أذرفت الدولة على تكوينهم دموعها المالية في جامعات غربية بدأوا بخطة مشروع عاصمة، مع من كان لهم عونا من بقايا الاستعمار وأبنائه، الذين يحرصون كل الحرص على تسمية أنفسهم بروح الوطن وعصب حياته المتأصل. وكان من بنات أفكار الجمع أن تمخض مشروع الجبل الوطني فولد فأرا معتل الجسم منفصم الشخصية تتوالى عليه الصدمات النفسية عدة مرات في اليوم.
بدأت الخطة المستعصية إذن مما استدعى من مجمع مهندسي المعمار وخبراء الإسكان الوطنيين تجديد هيكلهم الفعال، وبصفة دائمة، خوفا عليه من الشيخوخة، وتلف الأفكار أو إن شئت تخلفها؛ فالمشروع، ما شاء الله ، طال أمده وقلت فائدته، وجندت له جيوش وأموال لو سخرت برشد رؤوس مستنيرة لخرجنا بعاصمة أقل ما تتصف به أنها تماثل ما حصلت عليه الدول المجاورة... فالمهم والأهم من هذا وذاك: أن الفكرة وضعت لتخرج لنا بشوارع لعل علوم العمران تترفع أن تسميها بشوارع، بل أزقة أو قل شويرعات لا تصلح لغير الراجلين أو الدراجات الهوائية. و هي خصوصيات لم ولن ترتسم في أذهان مجمع العمرانيين، ولا الهيئات المسؤولةعليهم؛ كوزارات العمران، والإسكان، والتخطيط ؟ فالمهم هنا ليس النتيجة وإنما مسميات دون مسمى، ودون نتائج أيضا.
وما كثرة المصطلحات والتسميات، مع ما يصاحبها من شبه إعلام إلا ما يسمى سوقيا بذر الرماد في العيون، القصد الأول منه التمويه والتضليل عن ما أخفته وتخفيه الطبقات المتنفذة أولا ثم أشغال العموم، وإيهامه أن الجيوش الجرارة من عمال الدولة، وخبراء الإسكان، والعمران، وغيرهم من الهياكل في خدمة الأمة وجاهزيتهم لا تقارن بجاهزية أعتى الجيوش، وأحسنها أداء !!
والأدهى من هذا كله، والأمر مما سلف ذكره: أن المهام توزع يمنة ويسرة، والإدارات تتمخض لتلد إدارات أخرى؛ كمجموعة انواكشوط الحضرية مثلا!!، ويبقى القصد الماورائي هو الاكتتاب بطرق لا مسؤولة، وإثقال كاهل دولة تقطعت أوصالها تحت وطأة هيئات وإدارات يعجز العقل البشري عن تحديد مهامها!! ولعل المراد الرئيس هو أن يتفرق دم الإسكان والعمران بين الوزارات، والهيئات، والإدارات لتتفرق بدورها المسؤولية ويصعب تحديد شخص بعينه أو إدارة بذاتها عن إخفاق ما يسمى باللاعمران، واللاإسكان، واللامدنية الموريتانية؛ فضيق الشوارع بالمفهوم الأنواكشوطي سيؤدي إلى كوارث، وأولها مرورية، وقد بدأت ملامحها توقع بالعموم، أما الاختناقات الهوائية، وانحسار المياه مع انعدام مجاري الصرف الصحي، وفي حالات هطول الأمطار أو هبوب الأعاصير، والفيضانات فالنتيجة هنا كارثية، وأقلها ضررا سيكون تفشي الأمراض الاستوائية. هذا إن لم تكن الانهيارات الأرضية مع قلة وضيق المنافذ، والمخارج المؤدية إلى بر الأمان خارج المدينة في حالات الأضطرار؛ لأن المخطط لمشروع (وأي مشروع) يجب أن يضع احتمالات عدة وتكون له نظرة مستقبلية لما يحتمل من تزايد سكاني يصاحبه ازدياد الطلب على الخدمات والمرافق العمومية.
فإن كانت شوارع المدينة (وأي مدينة) تقوم مقام الأوعية الدموية من الجسد، مما يستوجب نظرة تفصيلية تفضي بعدم انسدادها، فإن ما يرى في انواكشوط لا يتشجع العاقل أن يصطلح على تسميته بشوراع، ناهيك عن الأرصفة، وانعدام التشجير، والإضاءة المنظمة لما يمكن أن يسمى على مضض بحركة مرور تطبعها الحيوانية. مما يجعل الراكب يختار الترجل من كثرة الانتظار، وانسداد الطرق نتيجة ضيقها، وفوضوية السالك مع انعدام مفهوم مدني للمسلوك. وليست اللامسؤولية والفوضوية وحدهما الطابع المميز لحركة المرور، وخدماته المعدومة أصلا كالإضاءة وأجهزة التحكم في انسياب آمن لحركة المرور وكاميرات ضبط وتحديد المخالفين فحسب، بل إن المجتهدين الوطنيين من مخططينا وهيئاتهم الكثيرة ابتدعوا فنونا وطرقا عمرانية جديدة: فمن براعتهم وكثرة إتقانهم للعلوم التي درسوها أنهم يخططون أحياء بلا أسواق، وبلا مدارس، وبلا مكتبات، وبلا مستوصفات، أو ملاعب، وحتى دون بريد...!!
أما مجاري الصرف الصحي فلم تكن مدرجة في علوم التمدن، والعمران، والتخطيط، والإسكان التي هم مختصون فيها!! ناهيك عن الأزقة التي لا تتسع لمرور سيارة إسعاف! وإن اتسعت فبكثير من المراوغة والانتظار!! فأين الشوارع الفسيحة والساحات العمومية، وأماكن التوقف الاضطراري التي جرت العادة أن تخصص للحالات الاستعجالية: كالإسعاف، وسيارات الإطفاء، وأعطاب المرور...؟ فالقاذورات وجبال الأوساخ داخل المدينة، وخارجها يوحي أول ما يوحي باللامسؤولية التامة أولا وانعدام المساءلة ثانيا؛ فليس رمي أو تراكم الأوساخ في مكان ما دون معالجتها أو التخلص منها بطرق سليمة إلا جريمة كبقية الجرائم يحاسب عليها الفاعل والمسؤول وقد تمتد سلسلة العقاب لتطال الوزير. هذا إن تكلم عن دولة قانون أصلا؛ فالحالة البيئية لانواكشوط أكثر من كارثية ووصلت حدود اللامعقول من الإهمال والتسيب، وانعدام الإدارة مع كثرة المسؤولين وعدم وضوح مهامهم.
فالزائر للمدينة يخيل إليه أنه وصل حدود مقبرة (حيوانات منقرضة) حتى ليصل وسطها يتفاجأ أول ما يتفاجأ بشبه حركة، وشبه أبنية، وشبه شوارع...!! ولعل ما يرى من سواح على قلة عددهم ليسوا سوى ما يصطلح على تسميته بالفضوليين الذين استقدمتهم الاستحالة العقلية أن تكون فيه أمة لا تزال تعيش بهذه الدرجة الراقية من التخلف وكميات القاذورات المترامية في الشوارع والأحياء. ولعل العقل هنا يقصر دون مفاهيم المدينة الموريتانية التي لا يستحال أن تكون قد اجتازت حواجز التمدن المتعارف عليها لتتخذ من الأوساخ، والمياه المتعفنة زينة للعاصمة أو قل رمزا دوليا أو علامة تجارية مسجلة باسمها.
فالحكومات المتتالية على كثرة خبرائها المصحوبين بخطط الإعمار والإسكان يستحقون وبجدارة أبديةمثلى تسمية) جيل المخربين(، الذي يفترض أن تنظم له مباراة اعتزال النشاط الخدموي يكون ندهم في التظاهرة تسعة رهط ، ومن شهد لهم التاريخ بالتخريب والفشل والتقاعس، واللامبالاة...؟
ولا أظن الخطط العمرانية ستعلن اللعنة، والويل، والثبور على هذا الجيل بسبب فشله في إعمار مدينة لا تمثل واحدا بالمائة من مشاريع الفشل والإحباط المعلنة والغير معلنة. ولا أظن الأمر هنا يتطلب الكثير من العلم والتفلسف فجيوش العمالةو المسيرين الجرارة التي تعاقبت على الوطن أهدافها ضيقة أولا ومشاربها قبلية ثانيا، فالأحرى أن يعمروا مدنهم، أو قراهم أو على الأقل منازلهم؛ فالعاصمة في ذاكرتهم، إن كان لهم أقل ما يتسم بهذه التسمية من اسم، ليست ملكا لهم، وليست ملكا لقبيلة ممن يتحدرون منه أصلا أو فرعا ؟ مما يجعل الأمر مستحيلا عندهم أن يعطى أهمية أو يعكف عليه فريق الخبراء والمختصين.
أما أحياء الصفيح فقد أضحت صفة جمالية تعتبر من الخصائص المقتصرة على مدينة انواكشوط دون غيرها لأنها أحياء لم ولن تجد من يعيرها ذرة اهتمام لأن القائمين على الإسكان، والعمران، والهيئات الحضرية، والولاة همهم الأول هو إغناء أنفسهم ومن تبعهم بأراض في مايمكن أن يسمى بالأحياء الراقية ؟ أو إعطاء قطع أرضية لأغنياء يكون الانتفاع منهم أكثر؟ دون الالتفات إلى المساكين الذين تعجز الألسنة عن إعطاء صورة لحالاتهم المأساوية. وليست الخصال الجمالية لانواكشوط المذنبة بأسلاك النصب وأسلاك الغضب مقتصرة على ما سلف، بل تتعداه ممتطية ضروبا متأصلة من المساوئ وانعدام خدمات لا يعقل أن تعيش دونها حظيرة حيوان كإمدادات الماء، والكهرباء...
وآخر ضربة يتلقاها المواطن المسكين من هيئات الإسكان، والعمران مشروع فاضت به قريحة مجموعة انواكشوط الحضرية، يقضي بقضم ضريبة على السكن تقتطع من الأحياء الفقيرة. فالمنطقي أصلا أن تدفع الضريبة على أساس خدمات أو كماليات مقدمة تستدعي اقتطاع معيشة مواطن فقير لا أن تكون فوضوية استبزازية. فأي الخدمات قدمتها وتقدمها مجموعة انواكشوط الحضرية للسكان والمساكن ؟ أليس من حق المواطن أن يتقدم بدعوى قضائية ضد ما يسمى بمجموعةأنواكشوط الحضرية ؟ ألم يكف المواطن تعاسة أن يستغل في اليوم مرتين وبأبشع الطرق، وأشدها نذالة وامتهانا لحقوقه ؟ فلا يعقل أن يكون للضريبة مبرر؛ نتيجة استحالة وجود منطقي للخدمات الحضرية أو شبه الحضرية. فلا نقل، ولا شوارع، ولا أسواق، ولا مدارس، ولا مكتبات، ولا إدارات، ولا مستوصفات، ولا مستشفيات ..!! وإن أتيحت لك الفرصة لجمع لاءات النفي المنطبقة على فشل مجموعة انواكشوط الحضرية فستحتاج مجلدات تعجز الصناعات الورقية عن إخراجها؛ لأن العجز الحضري الموريتاني يستحق أن يسطر ضمن لائحة عجائب الدنيا التي تجري هذه الأيام حملة دولية لزيادة معالمها.
ومجمل القول أن المواطن المسكين مل البرامج الفضفاضة الخالية من خطط مستنيرة تنقذ البلاد والعباد من لامسؤولية الهيئات، والإدارات، ومشاريع التزلف، والتخريب، واللامبالاة التي طبعت الخطط الحضرية الموريتانية، التي لم يستح أصحابها، إن كان لهم حياء أصلا، وينجزوا مشروع عاصمة طال انتظاره حتى ارتسم في مخيلة اللاعودة والنسيان !!. لكن الظاهر للعيان أن ما يسمى باللاإسكان ، واللاعمران، والهيئات اللاحضرية جادت فكرتها، إن كانت لها وسائل تفكيرية أصلا، بما نحن عليه الآن، وهو ما يصطلح على تسميته تشويقا لا تنفيرا: عاصمة أشباح، أو أشباح عاصمة، وهي نتيجة أكثر من مشجعة تستحق التدويل، والإعلان على رؤوس الأشهاد؛ لأن المواطن المسكين تعود أن يرجع إليه مفكرو مشاريعه الوطنية الصغيرة، والمتوسطة، والعملاقة بخفي حنين.







