تاريخ الإضافة : 06.07.2008 20:40

بين خطاب السيد الرئيس وإقالة حكومته...حنكة وحكمة؟

د.محمد الحسن ولد اعبيدي

د.محمد الحسن ولد اعبيدي

لم تشهد التجربة السياسية في موريتانيا-حسب تصوري- نظاما أكثر واقعية ووعيا بمتطلبات التوافق بين المقتضى الديمقراطي بكل تمظهراته والمعطي المحلي بخصوصيات أهله الحضارية والثقافية كالنظام الحالي.
وليس هذا من باب التصنع ولا التمدح فمن خبرني عرف حقيقي ومن لم يختبرني أترك له الحكم للأيام فأنا كما قال غيلان بن سلمة الثقفي:
فإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا عن غدرة أتقنع ..
فقط أكتب ما أكتب جرْيًا وراء اقتناص الحقيقة بشكل عام لتقديم تقييم موضوعي لنظام غابت إيجابياته بغبار "نفعية" الساسة من مواليه ومعارضيه.
فمنهج الرجل التشاوري وتعاطيه بحنكة وحزم مع الأزمات أظهر فيه الشخصية الوطنية، المتمرس في نُظُمِ الحكم وإدارة شؤون الأشخاص وهي حقيقة لا يمكن تجاهلها مهما حاول البعض طمسها ووصفه بالضعف والعجز.
جمع في تعاطيه مع الأحداث التي كادت أن تعصف باستقرار حُكْمه في سنيه الأولى بين لين الخليفة الراشد أبي بكر الصديق و"شعْرة" معاوية بن أبي سفيان وحزم الفاروق عمر –رضي الله عن الجميع- ووطنية صادقة مسكونة بهاجس التحديث والتطوير.
ومعلوم أن عدم شدة الحاكم واعتماده أسلوب اللين محمودالعواقب للتأليف بين أفئدة المحكومين وجمع المتنافر منهم، وقد أرشده الله تبارك وتعالى له نبيه بقوله "ولو كنت فظّا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فأعف عنهم وأستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله"، تضمنت الآية قواعد التعامل البشري الراقي بين الحاكم ومحكوميه وهي التماس المخرج الحسن وعدم المؤاخذة والمشاورة ثم الصرامة عند تبين امر الرشد.
ولا نستغرب أن السيد الرئيس فى خطابه الأخير – رغم جلالة الموقف وحساسيته- ختم بهذه الآية فى تذكير للمواطنين بضرورة المقارنة بين حاضر يعيشون مظاهره وماض يريد البعض استحضاره والعودة لنموذجه السلطوي .
وشتان ما بين حاضر و ماضي التجربة السياسية الحالية للمتابع المنصف، حاضر يقبل صانعوه الاختلاف فى الرأي والتنوع في الطرح والمشاركة فى صنع القرار معتبرين ذلك مظهرا صحيا ينمى ثقافة الديمقراطية ويثرى التجربة الموريتانية.
وماض لا يعتبر الديمقراطية إلا وسيلة نفوذ لا أكثر، ودكتاتورية جديدة يتسلى به العسكري بعد أن سئم بزته العسكرية وأحكم سيطرته على أصحاب الفضول السياسي بسيفي الطمع والترويع.
إن سمات النظام السياسي الحالي -ممثلا في رئيس الدولة منذ تنصيبه- هي نفس السمات التى جاء بها خطابه الأخير- وهو يواجه أكبر أزمة سياسية ديمقراطية في ظاهرها؛ وفي باطنها شئ آخر-أصدق تعبير عنها فهو وإن عكس عند البعض امتعاضا من تصرفات أطراف في اللعبة السياسية لا تريد لمشروعه التقدم خطوة نحو الأمام، فإن فيه دعوة للحوار ورفض كل ما من شأنه إرباك المؤسسات الديمقراطية وشل عملها التنموي، فلم يلجأ للأسلوب السلطوي الأحادي وهو القادر عليه بل لوّح واستخار واستشار، وقديما قيل ما ند م من"استشار ولا خاب من استخار"، قال الشاعر:
عقلُ الفتى ليس يُغني عن مشاورةٍ*** كعِفَّةِ الخُودِ لاتُغْني عن الرجلِ
إِن المشاورَ إِما صائبٌ غرَضَاً*** أو مخطئٌ غير منسوبٍ إِلى الخطلِ
لا تحقر الرأيَ يأتيكَ الحقيرُ به*** فالنحلُ وهو ذبابٌ طيبُ العسلِ
وجاءت نتيجة ذلك أهون الحلول وهواستقالة الحكومة التي دافع عن حجب الثقة عنها وإعادة تكليف وزيرها الأول يحي ولد احمد الواقف المتشبع بالمثل الديمقراطية وطرق التسيير الإقتصادي المعقلن.
ويعتبر هذا التصرف بكل تاكيد نموذج فريد في الحنكة السياسية لم تمنع صاحبه منزلته في أعلى هرم للسلطة عن تغليب المصلحة العليا للوطن وتوجيه جهود الساسة للبناء بدل الصراع على المناصب والدخول في دوامة سياسية لا نهاية لها أكبر متضرر منها هو المواطن الذي يجب أن يكون المنطلق والغاية.
مشروع ولد الشيخ عبد الله تتداخل في طياته "شوورية" الإسلام "انفتاح" الديمقراطية المعاصرة و"وطنية" الحاكم المخلص المستشعر مسئولية التحديث والتطوير لوطنه وبنى جلدته.
يلاحظ هذا التوجه لحظة خطاب التنصيب والأشهر التي تلت ذلك إذ كان همه المسيطر هو التوحيد بين مكونات الشعب الموريتاني الذي حكمت عليه عوامل التاريخ والجغرافيا أن يكون تعدد الأعراق فيه مصدر ثراء وعمق في التجربة وتماسك بين أطراف الجسم الواحد؛ لا مثار تنافر وتناحر.
لذات الهدف كان علاج الملفات العالقة ذات الطابع الإنساني أول محطات تنفيذ مشروع السيد الرئيس في المجال الاجتماعي مثل قضية المبعدين ومخلفات الرق وقد تم نقاش القضيتين بتنسيق وتشاور مع أطراف الطيف السياسي للبلد وممثلي المعنيين والمنظمات الدولية وكلفت لجان بالإشراف والمتابعة على تنظيم عودة مبعدي أحداث 89-1990 عهد للوزير الأول الحالي برئاستها وساعدت كارزميته وانفتاحه في نجاح العملية.
ثم تلت ذلك محطات أخرى وأزمات لم يغب فيها منهج الرئيس التشاوري وحرصه على المشاركة الواسعة للمواطنين في طبيعة حلول الأزمات المستجدة إذ يستدعي رؤساء الأحزاب والفاعلين الاقتصاديين ليطلعههم على ما يدور ويقترح عليهم ما يرى ويفتح المجال أمامهم لتقديم ما يرون.
وما أزمة الأسعار ومشاورته السياسيين والفاعلين الإقتصاديين إلا دليلا على منهج الرئيس التشاوري ومشاركته المواطن في معاناته.
ورغم تعثر الخطة الإستعجالية بفعل تسرع المواطن وعدم تعفف أغنيائه، فإن خطاب الرئيس المُعْلٍن لانطلاقتها وضع المواطن أمام مسؤولياته في الرقابة على التسيير والصرف لغير المحتاجين وذكّر الأغنياء بفضيلة التعفف والإيثار وكان صريحا حين اعتبر أن السبب في فشل المشاريع الإصلاحية هو عقلية المواطن النفعية التي تعتبر أن كل شيء من الدولة هو حق له ولو وجد من هو أحوج منه.
وعندما لا حظ تململ المواطنين من حكومته الأولى بعد التعيين أقالها وشرع في تشكيل حكومة موسعة تحت رئاسة الوزير الأول يحي ولد احمد الواقف ذي الشخصية المنفتحة، وسعى لأن تكون صدى لتطلعات المواطنين والفاعلين السياسيين في مرحلته القادمة من تنفيذ مشروعه لما فيها من تنوع في المشارب والخبرات.
لكن تفاجأ كما تفاجأ المواطنون بالفوضى التي أثيرت الأسابيع الأولى للحكومة والتي لا مبرر لها سوى الإنفجار الهائل للطموحات الفردية.
فجاء الخطاب الذي فسره البعض بالخروج على العرف الديمقراطي الثابت، ثم جاء صبيحة الغد ليعلن إقالة حكومة ولد أحمد الواقف ويعيد تكليفه وهو ما فسر أيضا على أنه تراجع وتناقض مع الذات.
وليس في الأمر شيء من ذلك وإنما هو أعلا قمة المصالحة مع الذات والوعي بمسؤولية المرحلة وتفويت الفرصة على من يريد عرقلة مشروعه السياسي ورد البلد لمرحلة التصادم بين مؤسسات صنع القرار في الدولة.
وكلنا أمل أن يوفق ولد أحمد الواقف وهو الجذيل المحكك في لم الشمل وردء الصدع.

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026