تاريخ الإضافة : 2007-09-26 13:02:33

الشعر يذبح على نصب الـ"sms "

التقي ولد الشيخ*

جميل أن يكرم الشعراء وأن يعرف للمبدعين قدرهم، وجميل أن نوقظ في النفوس ذلك الشعور البديع بمتعة الاستماع إلى الجمال وهو يتجلى في أبهى صوره ويخاطب القلوب بلا ترجمان, جميل كذلك أن ننعش ذماء الشعر وننفخ في بقية جذاه الكامنة تحت رماد السنين المحترقة بنا ر المادية الأكول مؤججة بحطب الاستلا ب والقهر الحضاري تذكيها النزعة الانتقامية لدى الآخر الذي لا يرضى بأقل من أن نخرج من جلودنا محطمي "الأنا " التي يعتبر الشعر من الأوعية الحافظة لها منذ حنت النيب لدينا فهل نترك شعرنا قبل أن تترك النيب الحنين ؟ !

إنها للفتة كريمة وجهد مذكور أن تتصدى بعض الجهات الأدبية لإقامة مرتون شعري لإحراز لقب "شاعر العرب " أو " أمير الشعراء " ففي ذلك إحياء لسنة قديمة و فيه اعتبار وتكريم معنوي ومادي لمن أدركتهم حرفة الأدب و قد يسقي ذلك التكريم هامة أبي ماضي فينام قرير العين يحاول أن يسحب ذيل النسيان على قو له :


بعيشك هل جزيت على القوافي بغير أجد ت أو لا فض فوكا

ثوابك من قريب أو بعيــــــــــد رقيقا كان شعرك أور كيكــــا

ثناء ليس يغني عنك شيئــــــــا إذا لم يقتل الآمال فيـــــــــــكا

وقد يدرك ابن الدمينة في عالمه الآخر أن الدنيا بخير وأن الشعراء قد يخلفون شيئا غير شوارد الشعر ومثلاته وهو القائل :


فإن أهلك فقد خلفت بعـــــــــــــد ي قوافي تعجب المتمثليــنــــا

رقيقات المعاني محكمــــــــــــــا ت لو أن الشعر يلبس لارتدينا لكن الآليا ت التي استخدمت من طرف القائمين على المسابقتين الآنفتين ــ من وجهة نظري ــ لا تنصف المبدعين ولا تحترم المواهب وذلك لأنها تكل نصف تقويمهم لجمهور أغلبه غير متذوق للشعر وفي أفضل الحالات فإنه يصوت على الشعراء لا على الشعر...

أعتقد أنه حين تتخافق الأعلام وتستثار سخيمة العصبية وتذكى النعرة القطرية سيكون الميل والتصويت حيث الجهة والعرق والانتماء لا حيث الإبداع والخلق والابتكار.

تلك لعمري إحدى العوائق التي تفت في عضد من يصبو إلى دخول حلبة ذلك الرهان من المبدعين ،ولقد رأينا شعراء مجيدين نالوا رضى لجان التحكيم وإطرائها بل واعتبرت بعضهم مصليا في الشأو لكن ذلك المصلي أصبح لطيما بعد التصويت على أ ل SMS التي غالبا ما تقذف بأقل المتسابقين حظا لدى النقاد إلى واجهة المتأهلين إلى الدور الموالي والأمثلة على ذلك كثيرة لا يتطرق إليها الحصر ، فالشاعر السوري أصلان لم يحظ بقبول ولا إجازة لجنة التحكيم في مسابقة / شاعر العرب / التي اعتبرته صاحب هنات لغوية قاتلة وتجربة شعرية بدائية لكن ذلك لم يمنع جمهوره من التصويت له وتأهيله للدور الموالي على حساب شعراء مجيدين زكتهم لجنة التحكيم لكن أعلامهم خذلتهم ، عكس ذلك تماما هو ما وقع مع الشاعر الموريتاني ادي ولد آدب الذي نال ثقة لجنة التحكيم وجعلته في المرتبة الثانية لكن أل sms خذلته لحساب شاعر سوداني كان متأخرا عنه في تقويم لجنة التحكيم وقل مثل ذلك في شعراء " أمير الشعراء " حيث خذل الجمهور الشاعر الهندي والشاعر المصري الجزار والعراقي السعدي والسوري ياسر الأطرش وغيرهم ممن زكتهم لجان التحكيم وناصرتهم الأحكام الفنية والرؤى النقدية وخذلتهم الجغرافيا وربما التاريخ وربما انعدام آليات وتقنيات الاتصال في بلدانهم وربما الناحية الديمغرافية، وذلك الجمهور هو من زكى شعراء ما زال عودهم في الشعر طريا ومازالت طريقهم إليه غير سالكة حسب لجان التحكيم نذكر منهم الشاعرة الجزائرية حنين.

ويبدو أنه لا يصوت للشعراء إلا أبناء جلدتهم, ويكفي أن نعرف أن جل الجمهور العربي لا علم له بالشعر وذلك ما يظهر في الاستطلاعات التي تقوم بها " قناة أمير الشعراء " حين تسأل عن أبيات لشاعر معروف وبالكاد تجد من لديه معلوما ت شحيحة عن ذلك الشاعر. ولقد رأينا الجمهور في " شاطئ الراحة " يصفق بحرارة عندما تطري لجنة التحكيم شاعره المفضل ويصفق بحرارة أشد عندما تنتقد اللجنة ذ لك الشاعر ، فهل هو الجهل بالشعر والنقد ؟ ــ لا قدر الله ـــ أم هي الروح الرياضية والصدر الرحب ؟ أرجو ذلك .

إنه لمن المؤسف أن نكل نصف تقويم شعرائنا لجمهور تلك حالته, لكنها إرادة شركات الاتصال التي تهمها الأرباح و الأرباح فقط , وليذهب الإبداع إلى الجحيم .

كان على القائمين على هاتين التظاهرتين إشراك النخب المثقفة المتابعة لحركة الشعر العربي والأخذ بآ رائها في الآليا ت العادلة والكفيلة بالحكم الموضوعي في قضية لها خطرها ولعل غياب تلك الشراكة هو ما حدى بتلك النخب إلى الانحياز لأعلامها وأوطانها وإدارة الظهر للقيم الجمالية والإبداعية في الشعر المتنافس.

في الأخير لابد من إبداء بعض الملاحظا ت على لجنة تحكيم مسابقة " أمير الشعراء " لأنها بلغت الأطوار النهائية وتكون لدى المتابعين بعض الآراء عنها ، من هذه الملاحظات :

ـــ جل أحكام هذه اللجنة انطباعية تأثرية تصدر في جمل إنشائية من قبيل : ما أروع ، ما أجمل ....

والموقف يتطلب رؤية نقدية مؤسسة.

ـــ الدرجا ت التي تمنحها اللجنة للمتسابقين لا تتطابق غالبا مع تعليقاتها عليهم.

ـــ الجمهور أحيانا يصادر رأي اللجنة مصادرة تامة كما وقع مع البرغوثي وأبي شجه وعدم انسجام رؤية اللجنة ورؤية الجمهور يبيح لنا أن نسأل : مع أيهما الحق ؟

ــــ يقع أعضاء اللجنة في هنات لغوية وأخطاء فاحشة من قبيل نصب المفعول وتعطيل عمل النواصب والجوازم والولوغ في اللهجية التي ليس لها ما يسوغها في رهان يفترض أن الفصحى هي سيدته ..

إنه لمن المحبط أن تتكسر اللغة وتتعثر على شفاه حماتها الذائدين عنها لأن ذلك يفرغ انتقادهم للآخرين من معناه ومغزاه و إني لأعرف فضلهم وقدرتهم على التحرير وهم المشهود بتصدرهم وتفوقهم الأدبي لكنهم للأسف لم يعطوا القدوة في التعاطي مع اللغة نطقا وخطابة.

مهما يكن مما بينا فإننا لا نحسد لشركات الاتصال ما ستجنيه من الأرباح لكننا لم نكن نحبذ أن يكون ذلك على حساب الإبداع والمبدعين. وفي الأخير فهذا رأي لا يفسد للود قضية فنحن نكن لهم التقدير ولكنهم طلبوا الملاحظة فأبديناها.

أود أنت أختم بشكر دولة الإمارات الشقيقة على هذه المبادرة الفريدة التي ألقت حجرا في اليم الأدبي الراكد وعرفت بشعراء ظلمهم الإعلام ، لقد قدمتهم إلى العالم فقدمت بذلك خدمة جلى إلى الشعر والشعراء ولاغرو.

فلدولة الإمارات وللجنة التحكيم وللشعراء وللجمهور الشكر كل الشكر.

_____________________________________
*كاتب وشاعر موريتاني

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026