هل استقالة الحكومة: استجابة لمطالب المصلحين، أم خيار لنزوات ورغبات المفسدين؟

أحمد ولد محمد فال الخراشي
: ahmedou11@maktoob.com
بـاحث في الدراسـات الــفقـهيـة المقــــارنة- المملكة المغربية- فاس


شهدت الساحة السياسية في الأيام الماضية تأزما لم يسبق له مثيل، في تاريخ الديمقراطية الوليدة، ولعل ذلك ناشئ عن تذمر بعض الرموز الذين عمرو الساحة السياسية، ووصلوا بجهودهم البينة إلى سدة الحكم باعتبارهم نوابا يمثلون جهاتهم السياسية في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ.
ويتعلق الأمر بأشخاص المستقلين الذين أثروا الساحة السياسية في المرحلة الانتقالية بأساليبهم السياسية الساحرة، التي تعتمد على الكلمات المعسولة، والعبارات المغشوشة، في حملاتهم الانتخابية من أجل إقناع الناخبين، والحصول على أصواتهم بأي طريقة كانت.
هذه الزمرة التي تكونت على أيدي أشخاص فاعلين في المؤسسة العسكرية، - في ظروف طارئة لها ما يبررها- حالفها النجاح في أكثر من موقف، بدءا بتمثيلها في البرلمان، مرورا بكونها الأغلبية التي تشكل منها حزب عادل، وانتهاء بحصولها على نصيب الأسد من الحقائب الوزارية في حكومة ولد الواقف (القديمة).
إلا أن التشبث بالديمقراطية، والنهج الإصلاحي الذي تحلى به الوزير الأول الجديد- عندما بدأ يبحث جادا عن أصحاب الكفاءة من مختلف التيارات المعارضة، ليمثلوا أحزابهم بحقائب وزارية في الحكومة الجديدة- هو ما أثار حفيظة النواب المحسوبين على بعض التيارات المنضوية تحت لواء الأغلبية، وقد تفاقم الأمر داخل أرقة البرلمان، وبدأت التجاذبات السياسية، حتى تعالت الأصوات المنادية بحجب الثقة عن الحكومة من خلال طرح الملتمس القانوني عند الجهات المختصة.
- فهل يعتبر ذلك حقا طبيعيا يملكه البرلمانيون، فيكون الحصول عليه بمثابة القمة في تطبيق الديمقراطية ؟
- أم أنه مجرة مآمرة ماكرة يقرها الدستور الجامد، وتباركها الديمقراطية الزائفة، فيبقى المواطن حائرا ضائعا قد اختلط عليه الحابل بالنابل؟


إن حقيقة الصراعات السياسية المحتدمة التي توصف بالغموض أحيانا وبالسطحية أخرى تنبئ بطرح استفهامات عديدة على الكثير من القضايا الحساسة، ومن أهمها بل من أكثرها غموضا وتعقيدا قضية حجب الثقة عن الحكومة من خلال الملتمس القانوني، باعتباره حقا دستوريا للبرلمانيين من جهة، ومن جهة أخرى كسبا معنويا، يعزز المواقف ويضمن المكاسب، ويحمي المصالح التي ضاعت- حسب وجهة نظر هؤلاء- بين تجاهل الواقع المحسوس:(إنجازات الأغلبية الداعمة للرئيس)، ومواجهة المستقبل المجهول:( تمثيل المعارضة في الحكومة" قوى التقدم- تواصل")، ولما كانت الديمقراطية سلاحا ذا حدين، وكانت لا تفرق بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين الصالح والفاسد باعتبارها آلية مستقلة تستخدم بطريقة معينة على وفق القواعد والمناهج المعروفة، اتخذها أصحابنا مطية للوصول إلى أهدافهم المشبوهة، رافعين شعار:(استخدام الحق الدستوري من أجل إسقاط الحكومة سبيلا لتحقيق الديمقراطية)، غير ءابهين بالأصوات المنادية بحجب الثقة عن الحكومة، ولم يزدهم خطاب الرئيس الذي توعدهم فيه بحل البرلمان إن هم أصروا على حجب الثقة عن الحكومة إلا تصلبا وتحجرا في المواقف.
وعندما انتهت مأمورية الحكومة بقرار مفاجئ تمثل في تقديم الوزير الأول يحي ولد أحمد الواقف استقالته أمام رئيس الجمهورية، حرصا منه على الوحدة السياسية داخل الحزب (عادل)، وحفاظا على النهج الديمقراطي الفريد الذي رسمه أقطاب المؤسسة العسكرية في الفترة الانتقالية حسب زعمه، بدت علامات الارتياح والغبطة والسرور، تغمر وجوه الأغلبية البرلمانية الداعمة لحجب الثقة عن الحكومة، لكنها ممزوجة بأمارات الحقد والكراهية لأصحاب المعارضة بطريقة تكاد تفهم من عباراتهم التي تفوهوا بها أثناء تعليقهم على هذا الحدث الديمقراطي الهام(استقالة الحكومة).
بل إن ذلك شكل فرصة سانحة عند بعض النواب ليعبروا عن رفضهم اللامشروط لتمثيل أي من أنصار المعارضة في التشكلة القادمة للحكومة الجديدة، وهوما يدل على خبث الآمرة التي قدر لها أن تنتهي بتسريح القحائب الوزارية التي شغلتها بعض التيارات المعارضة:( قوى التقدم- تواصل)، في حكومة ولد الواقف القديمة.
هذا الانتصار الذي سيتوج مجموعات الأغلبية على كل الحقائب الوزارية في الحكومة الجديدة لا يمكن الحكم على أصحابه بأنهم مفسدون إلا من خلال تجريم النوايا المبيتة التي لم يعلنوا عنها إلا في اللحظات الأخيرة، ومعلوم أن القانون لا يحاكم إلا على التصرفات الناجمة عن مجموع الأقوال والأفعال التي تصدر عن الأشخاص لا على نواياهم المخفية في صدورهم.
أو من خلال الطعن في القوانين الدستورية التي جعلوها سبيلا للوصول إلى حقهم البرلماني المتمثل في حجب الثقة عن الحكومة باعتبار تلك القوانين، لا تمنحهم هذا الحق، وهو ما لم يقع بعد.
كما لا يمكن الحكم على أصحابه بأنهم دعاة إصلاح، نظرا لما أظهروه من الأفعال المشينة والأقوال المهينة في حق الديمقراطية المزعومة من خلال سياسة قلب الموازين التي هي دأبهم وديدنهم.
وقد تمثل ذلك في دعوتهم الصريحة الواضحة لمقاطعة تمثيل المعارضة في التشكلة الجديدة- رغم أن ذلك حق طبيعي يعززه اعتبار النسبية في البرلمان- حيث إن تعيين الحكومة عن طريق التمثيل في البرلمان هو قمة الديمقراطية التي يدعي هؤلاء أنهم دعاة لها في مختلف المناسبات السياسية( الحملات الانتخابية)، وحماة لها صادين عنها كل الحملات المغرضة و الهجمات الشرسة التي يقوم بها أعداء الاستقرارالسياسي، داخل المعارضة وخارجها.
ولا يمكن أن يوصفوا بأنهم دعاة إصلاح نظرا لما أسفرت عنه المآمرة الدنيئة، المشبعة بالأفكار الباهتة واالمغالطات العجيبة، التي أوجدت انفصاما كبيرا بين الحقوق الدستورية التي يضمنها لهم القانون والتصرفات الطائشة التي تجعل من تحقيق المصالح الشخصية أهدافا نبيلة ومقاصد شريفة لا بد من الحصول عليها ولو كانت غير مشروعة، مادام الوصول إليها أمرا ميسورا، ومشروعا أيضا، من أي أبواب الديمقراطية.

وأخيرا فإن المعطيات السياسية الجديدة كلها تنبئ بسيطرة نواب الأغلبية على الكثير من مجريات الأحداث، بما فيها تشكيل الحكومة الجديدة، أو على الأقل سيكون لهم الحضور الكافي لإشراكهم في مختلف القرارات السياسية القادمة،
فهل سيكون ذلك استجابة حقيقية لمطالب المصلحين منهم؟ أم أنه سيكون خيارا لتحقيق رغبات ونزوات المفسدين فقط؟



الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026