تاريخ الإضافة : 01.07.2008 22:41

إلى الفقيه الوزير ليتك لم تخترق جدار الصمت

عبد الله ولد محمد
m.abad1970@gmail.com

ربما يكون من الإنصاف في البدء الإشادة بظاهرة الكتاب الجدد الذين يمثلون في أكثرهم نخبة النخبة من مثقفين وسياسيين وفقهاء ووزراء سابقين عادوا إلى دائرة الضوء من خلال الكتابة والتحليل والتنظير، ظاهرة بدأت مع الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل الذي اعتلى راحلة ضمضم الغفاري ضد الحكم الحالي وبأسلوبه الرائع أو قل بالترجمة الآسرة ( الأستاذ بريد الليل لايكتب باللغة العربية رغم أنه مؤسس التيار البعثي في البلد) استطاع أن يثير أكثر من ردة فعل حول مقاله وأفكاره،وتواصل مسلسل الكتاب العظام مع أحمد باب ولد أحمد مسكه و محمد فال ولد بلال والأستاذ محمد ولد معاوية وأخيرا مع الفقيه والوزير الشيخ اسلم ولد سيدي المصطف الذي كان أكثر من رائع ومبدع وهو يناقش بنفسية الفقيه والوزير والسياسي المحنك الأزمة الحالية وإن بدا أن الثلاثية المكونة لشخصية الكاتب اختلطت بعض الشيء حين ينطق الفقيه حينما يكون الحديث للوزير، فيما يتحدث السياسي بلجهة الوزير وبالتالي كان في الأمر مستوى من التخليط لعله الذي أشار إليه الكاتب الفاضل في حديثه " عن النخبة الأقل امتدادا وجماهيرية في الساحة السياسية الموريتانية واعتبارها الأكثر نشاطا وتأثيرا،وخلطا وتخليطا في الميدان السياسي"
لي إذن تقييدات وهوامش على مقال الشيخ الوزير هي من باب ما يضعه التلاميذ من حواش على مؤلفات الشيوخ ومن استدراكات ولإن جاءت الحاشية شارحة للمتن مواقفه له بالتسليم التام فهو أمر مما جرت به عادات الطلاب مع الشيوخ فقديما كان بين العلائين السمرقندي والكاساني ما يكون بين الطلاب وشيوخهم من اعتناء الطالب بكتب الشيخ فكان من ذلك أن ألف الكاساني كتابه " بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع " شرحا على كتاب تحفه الفقهاء للعلاء السمرقندي وجعله مهرا لابنته الفقيهة فاطمة، " على أني أرضى من الشيخ بالتفهم والعذر لا أكثر وإن تكن الأخرى فقد رد على مالك ابن القاسم ... إلى قوله " ولم يعب ناقل علم ذلك"
*****

أنا مع فضيلة الشيخ متفق غاية الاتفاق في أنه " من غير المعهود – في حدود علمنا - أن تكون العلاقة بين رئيس الجمهورية وأقرب مقربيه، وأخلص معاونيه من العسكريين،ميدانا للتجاذبات وموضوعا للاجتهادات" لكن لعل الخروج على هذا المعهود عائد إلى سببين أولهما أننا جميعا سواء كنا مواطني عاديين أو فقهاء أو وزراء حاليين أو سابقين تعودنا على مظهر واحد من مظهر العلاقة بين رئيس الجمهورية وبين أخلص معاونيه عسكريين كانوا أو مدنيين" وصيغة " أخلص هنا لاتقتضي التفضيل لصعوبة التحديد التام في ذلك ولأن المدرسة الجمهورية التي خرجنا منها قبل ثلاث سنوات أكدت سمة الإخلاص في كل منسوبي السلطة،كانت إذا العلاقة بين الرئيس ومعاونيه علاقة ائتمار لاحد له على نحو ما تقدمه أدبيات " الكيستابو الألمانية " نفذ ثم اسأل " أما عندنا فقد سقط كل ما بعد عبارة "نفذ" سقوطا لاقومة بعده.
السبب الثاني في تصوري وهو ما لم يستطع خريجو المدرسة الجمهورية فهمه هو أن نظامنا السياسي الحالي مختلف تمام الاختلاف عن سابقه الجمهوري فالكل يعلم أن رئيس البلاد يسود ولايقود وأن المتحكم الفعلي في البلد هو العسكر ممثلا في الجنرالين عزيز وولد الغزواني وبالتالي كان من المهم أن يتم عرض الاستشكال على النحو التالي (العلاقة بين العسكر وأبرز معاونيهم " رئيس الجمهورية")
الأسباب إذا كثيرة وواضحة وهي أن انتخاب رئيس الجمهورية في البدء لم يكن اختيارا وإنما كان اختبارا له ولقدرة الشعب الموريتاني على التعامل مع سلطة عسكرية تضع برقعا شفافا على وجهها العسكري على نحو يذكرنا بقول ولد عينين
" وجه الخلفية عبد الله حين أضا"

سببان كافيان لنتفهم من لايعتبر هذه التساؤلات مقبولة أو مشروعة
وكما كنت مع الشيخ متفقا في الملمح الأول فأنا وأياه وأنت أيضا وهو وهي متفقون جميعا على أن المسؤولية في كل ذلك تقع على رأس رئيس الجمهورية أو على كتفه المهم أنه هو المسؤول أمام الشعب وأمام الله قبل ذلك عن "منع الأسباب التي تقود إلى مثل تلك الأحوال،وهو المسؤول ثانيا عن المعالجة المناسبة للبذور الأولى لمثل ذلك الوضع في أضيق إطار، وهو المسؤول ثالثا عن الاحتواء السريع للبوادر الأولى للموضوع بعد ظهورها" وإن كنت أعتقد جازما أن كل هذه الجلبة لم تكن لتحدث لو أن الرئيس واصل نومة العشيات والضحى على طريقة هند التي بح الجميع من ندائها "ليت هندا أنجزتنا ماتعد" وليكمل الحافظ إن شاء بيتا أو اثنين
لكنه أراد أن يخرج من ربقة التبعية لمن يتبعون له دستوريا وأرادوه تابعا لهم معتبرين الخروج على بيت الطاعة ممنوعا في البدء والاستمرار على نحو الجمع بين الأختين.
لنتفق إذا ولكن دعونا نختلف ولا ضير في ذلك أنه من المهم جدا أن نمنح الذين ساروا بنا عشرين سنة إلى الهاوية فرصة للتقاعد السياسي والثقافي والفكري،لم لايريحوننا من نظراتهم وتنظيراتهم لم يخترقون جدر الصمت التي ضربوها أو ضربت عليهم،لم لا نمنح أول رئيس منتخب في البلاد فرصة لأن يتخذ قرارا واحدا يؤكد أنه يستحق بالفعل لقب سيادة الرئيس.
*****
صدق الشيخ الوزير وبر في فقرتين من مقاله حملتا عنوان " أولا " وثانيا" تحدث الشيخ عن الذهنية العامة للنخبة السياسية الوطنية، وفي الثانية عن النخبة ذاتها" ولا أدل على ذلك من هذا المقال التبريري الذي أراد – ولم يقدر له ذلك – أن يقدم ظهيرا فكريا وفقهيا لتغول الجيش والمؤسسة العسكرية وسيطرتها على الجمهورية بما هي قيمة مطلقة ومؤسسة ينبغي أن نسعى جميعا إلى تعزيزها، ولأن الشيخ بر وصدق أيضا فقد حاول المقال الخلط والتخليط بين الكائن والذي كان وما ينبغي أن يكون وما يجب أن يتعزز،إذ ليس من مهمة المفكر والكاتب والفقيه أن يدافعوا عن ترسيخ الظاهرة بقدر ما يجب أن يكون سعي الجميع إلى معرفة ما إذا كانت بالفعل تعتمد على سند ديمقراطي يعزز الشرعية الدستورية والفصل بين المدني والعسكري في إدارة الدولة الحديثة,
أما حديث الشيخ عن الانتهازية فهو حديث موفق ومهم وقطعا لن يكون من الانتهازية خرق جدار الصمت والالتحاق بموجة عابرة لانعرف على أي شاطئ ستقذف مستقبل البلاد.
لنكن جميعا أكثر وضوحا أو لنسع إلى ذلك حسب المستطاع عندما يتحدث الشيخ الوزير ينبغي أن لايهتم أكثر ببناء حجة من تناقضات النخبة السياسة، متخذا من " المع " والضد " سندا لتأكيد نظرية لايمكن أن تصمد في وجه الانتقاد.
وليتذكر الشيخ أنه عندما أطاح العسكر " بالنظام الذي يأخذ من الديمقراطية بقسط "على حد تعبير الشيخ الوزيرهب الجميع لمساندته لأن العسكر أسقطوا نظاما مدينا مسلحا يستحق السقوط ويستحق المحاكمة على أخطائه الفادحة والتي لن يكون من أقلها سعيه إلى تحويل المساجد عن وظيفتها الطبيعية إلى وظائف أخرى بالغة السخونة والتعقيد، صحيح أن البعض ساند عن قناعة بضرورة المساندة المغلفة بالحذر والبعض الآخر ساند مكرها وآخرون ساندوها حتى لايفوتهم القطار،فإن مهمة الجميع اليوم أن يقف في وجه إعادة الانقلاب على النظام المدني الشرعي الذي يستحق أن نقف معه رغم أخطائه الكثيرة،لأن انتسابنا الديمقراطي يقتضي أن نكون دائما في صف الجمهورية والدولة المدنية مظهرا ومخبرا.

****
لن أخوض مع الشيخ في السرد التاريخي الذي استكنه مظاهر التناقض عند النخبة السياسية في البلد،رغم أنه استطاع بالفعل أن يعمم على جميع الحركات السياسية والفكرية في البلد صفة التناقص صادقا في ذلك" لكنني سأتوقف مع الإشكال الذي اعتبره الأهم والمؤطر العام للأزمة التي نعيشها اليوم وقد بدأ فيه الشيخ مع متتاليات المديح على طريقة ابن هاني والتي خلع فيها على الجيش كل صفات الإباء والتقوى والإخلاص والوطنية حين قال " فالجيش هو القوة الأقدر تنظيما، والأصدق لهجة، والأكثر تضحية، والضامن للوجود، والقادر على التنفيذ، لذا فإنه من واجب أي قيادة سياسية وطنية أن تستمع لرؤيته،وأن تأخذ ما يمكن الأخذ به منها،وأن تبين أوجه رفض ما لا يمكن فعله،وهو أولى بذلك من الكثير من النخب السياسية،ومنظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال" وليته أكمل فقال " والفقهاء والوزراء السابقين"

فضيلة الشيخ لنتفق على كلمة سواء وهي أنكم لم تحرروا محل النزاع وأن تحقيق مناط المشكل أضاف كثيرا من الصفات التي لادخل لها في هذا الإشكال بينما ألغى الصفات المنصوصة الواضحة في هذا المجال" إذا لامشاحة في صدق لهجة الجيش ولا قدرته التننظيمة "وإن كانت صفات نظرية في الغالب،لكننا فضيلة الشيخ لسنا في وارد مناقشة خصال الجيش ولا أساسات العقيدة العسكرية،نحن في مجال تنبغي فيه إدانة أي تدخل من السلطة العسكرية سواء كان هذا التدخل إجماعيا من الجيش قمة أو قاعدة أو كان رأيا من القمة تحركت لتنفيذه عبر تحريك وحدات المدنيين لم يكونوا في مجملهم أكثر نظافة ممن يتهمونهم بالفساد ذلك أن مشكل الفساد اليوم أصبح أشبه بصخرة عاتكة بنت عبد المطلب في رؤياها التي رواها أهل المغازي والسير وكلا الفريقين يحمل من بذور الفساد وربما من جذوعه الخاوية ما سيكون اللمز فيه من " باب تنابز " الخيل والبغال و"الحمير" ب.....)

نحن يا فضيلة الشيخ اليوم على مفترق طرق بين أن يواصل النواب ومن يقف ورائهم للعب بالنار والاستهتار بالديمقراطية الناشئة من خلال إرغام الرئيس وإظهاره بمظهر العاجز عن إدارة البلد ودفعه إلى مواجهة غير مرغوبة مع خصومه الجدد ستكون أولى ضحاياها الديمقراطية ممثلة في مؤسساتها الدستورية رئاسة وبرلمانا.
نتحدث اليوم عن الجيش الذي ينبغي أن يكون سندا للجمهورية محاميا عن السيادة والأمن الوطني لا الجيش الذي يتدخل قادته في كل صغيرة وكبيرة ويحكمون قبضتهم على رقبة الجمهورية ممثلة في رئيسها سيدي ولد الشيخ عبد الله.
الحوار اليوم ينبغي أن يستبعد الأشخاص مهما كانوا وليعتبر الشيخ أن " كلا من سيدي وولد الغزواني وعبد العزيز" والواقف والنواب صفات للاستشهاد وأن الموقف اليوم هو اختيار بين الجمهورية على علاتها والديمقراطية رغم نواقصها وبين الانقلاب على شرعية الجماهير والعودة إلى حضن المؤسسة العسكرية.
سيدي الفقيه عندما يحكم الفقيه أو العسكري نفسه في أتون السياسة فإن الجميع سينظر إليه كفاعل سياسي وليس كما يرى نفسه، وبالتالي فإن احترام المؤسسة العسكرية وتقديرها وخصوصا الجنرالين حق لايمكن أن يتلطخ بباطل السكوت على محاولة السيطرة على المؤسسات المدنية، ولعل الشيخ يذكر قول ابن قيم "حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه"
أما الحديث عن استيلاء المدنيين على" الحيس " وترك الكريهة للجيش فأعتقد أنه ينبغي النظر إلى المسألة من زاوية أكثر سعة من تلك التي تؤطرها " نظرية الحيس والكريهة وجندب " ذلك أنه لاينتظر أن يكون الصراع صراعا على غنيمة يتم تقاسمها بين الأطراف فذو نصيب راض مادح ومحروم يحمل سيفه على عاتقه يفري كل من يلقاه، حبذا إذا لو استعبدنا ولو لثوان – عندما نريد أن نكتب – دافع الانتفاع وهدف الحصول على الغنيمة، حتى نستطيع الوصول إلى رؤية جامعة تخدم الوطن ولاتقضي على مؤسسات الدولة، هذا من جهة ومن جهة أخرى
فأعتقد أنك على اطلاع واسع بأن قادة الجيش وضباطه قد توزعوا ثروات البلد منذ انقلاب 12/12/1984 حيث قسم ولد الطايع مؤسسات البلد والسفارات على العقداء وكبار ضباط الجيش،وأنهم هم من أفسدوا كثيرا من مؤسسات البلد وأن الغالبية العظمى من المنتسبين إلى الجيش ظلت تعاني من الفقر والجوع وتدني الرواتب بينما كان القادة ولايزالون يسكنون البروج العاجية ويستخدمون أكتاف الجنود منصات للصعود إلى الأعلى الذي لاسقف له.
أما الفتوى بعدم جواز إبعاد الجيش عن السياسة فيحتاج إلى خليفة مثل عمر بن الخطاب وإلى جيش كجيشه وإلى مستشارين كالستة الذين وكل إليهم الأمر ثم إلى فقهاء كالذين كانوا معه في حياته ثم لم يذموه بعد رحيله.
والحديث عن تلك الفتوى صنو الحديث عن بلقيس هما فرسا رهان وحتى نجد مستشارا كالهدهد ونجد بلقيس التي يتبع لها الجند بدل بلقيس التي أراد لها الجند أن تكون تابعة لهم سائرة على خطاهم حذو النعل بالنعل.
سيدي الرئيس نحن الآن نقف ضد النموذج التركي الذي يحاول قادة الجيش إقناعنا بأنه الأسلم وأنه الطريق الوحيد للتعايش في البلد،نحن إذا ضد تأله الجيش وتغول المؤسسة العسكرية لاحبا في الرئيس الضعيف ولا حكومته المتأرجحة،ولكن حفاظا على قيم الجمهورية وعلى الديمقراطية الناشئة فهل يعي فضيلة الشيخ أن وراء الأكمة ما وراءها،وأنه لو ترك القطا لنام، لكن أيقظته أقدام العسكر الذي أفزعه تملص الشيخ من قيده.
هذه ياسيدي الفاضل هوامش على مقالكم الرائع، وأنا على قناعة أن بقاءكم ضمن جدار الصمت أسلم لنا ولكم وللفقه والديقراطية، ومن كان يؤمن بالله فليقل خيرا أو ليصمت.
وليتذكر الجميع المثل المصري" إذا هاج الثور لم يقترب منه إلا الشجعان لكنه عندما يسقط فإن السكاكين تنهال عليه من كل الأيدي ومن كل جانب

الرياضة

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026