تاريخ الإضافة : 14.12.2011 12:00

الصريح و المبهم في بيان حاتم حول الرق...

عثمان ول بيجل

عثمان ول بيجل

في بيان صحفي نشر منذ حوالي أسبوعين تقريبا، عبر حزب حاتم ذو الميول القومي العربي عن نيته الصادقة لمساندة ومؤازرة مساعي نشطاء الحركة الإنعتاقية في نضالهم الرامي لاجتثاث الرق والقضاء علي مخلفاته التي ما مافتئت تنخر جسم المجتمع الموريتاني الحديث منذ ما يربو علي نصف قرن من الاستقلال، معمقة الهوة بين أكبر فئات المجتمع الموريتاني عددا و بقية إخوته المواطنين من الفئات الأخرى.

إن هذا القرار - وبغض النظر عن الأسباب والمبررات الكامنة وراءه، و بغض النظر أيضا عن مآرب أصحابه- يشكل، في نظري (كإطار وفاعل سياسي ينتمي لهذه الشريحة التي عانت، بالإضافة إلى هذا الظلم التاريخي، الأمرين من سحق الإقصاء و التهميش و العنصرية المقنعة للدولة) مدعاة للإحترام والتقدير لجهود أصحابه التي سيكون لها - لا محالة- أثرها الإيجابي في المساهمة في إرساء قيم المساواة والعدالة التي هي الضمانة والسبيل الوحيد والأوحد لبناء وحدة وطنية بامتياز وتعزيز اللحمة الاجتماعية؛ الشيء الذي ما من شك أنه يشكل أجماعا بالرغم من تشعب واختلاف انتماءاتنا الفكرية والسياسية.

ورغم هذا كله، فقد استوقفتني - وأنا أقرأ هذا البيان الصحفي- فقرة مضمونها أن "الرق في موريتانيا ظاهرة دخيلة أتت مع المستعمر". إن مثل هذه التصريحات، التي تعيد إلى الأذهان المساعي اليائسة والمكشوفة التي دأب عليها البعض لأهداف شخصية ونوايا مبيتة أصلا، لا نعتبرها تحريفا أو تزويرا للحقائق والتاريخ فحسب، بقدر ما هي إهانة فجة تسيء في الأساس للذاكرة الجماعية لكل العبيد والعبيد السابقين.

فلم يعد من المقبول استمرار مثل هذه المحاولات الاستبدادية العبثية لطمس المسلمات التاريخية من هذا القبيل لأهميتها و دلالتها على المستويين السيكولوجي والسوسيولوجي لتعريف واقعي وعلمي لشخصية وهوية المواطن الحرطاني (العربي الثقافة و الزنجي الأصول) التي تـُخضع لنزوات الغير كما كان يفعل في سالف الأيام بالأرقاء عكسا للمكونات الموريتانية الأخرى التي تم لها احترام حقها في تحديد هويتها بنفسها ولم تقهر إرادتها.

إن الرق ـ وإن أنكر البعض وجوده وتذمر وتعقد لمجرد ذكره ـ يعتبر ظاهرة عربية وإفريقية بامتياز قديمة قدم الزمن. وليست هذه الحقيقة محض افتراءات ولا مجرد مسوغات لتبرئة ذمة المستعمر الذي لم يخفِ يوما مسؤوليته حيث وثق مؤرخوه (بما لا يدع مجالا للشك) تورطه في تجارة الرقيق مع كل من قبائل البيظان ومجموعات الزنوج الأفارقة.

كما أن التركيبة التراتبية التقليدية للمجتمعيـْـن العربي-البربري والزنجي الإفريقي دليل ساطع يدحض ادعاءات الإخوة في حزب "حاتم" و يقلبها رأسا علي عقب.

فإذا سلمنا جدلا كما زعموا أن "ظاهرة الرق من صنيع المستعمر"، فهل هو من محض الصدف أن توجد فئة العبيد في جميع الإثنيات الوطنية حيث تحتل في كلها ذيل القائمة؟ فالمنطق يأبي مثل هذه الفرضيات التي لا أساس لها من الصحة، بل هي مجرد افتراءات أراد لها أصحابها أن تكون ذريعة للتمويه وصرف الأنظار لتبرئة ذمة الأسلاف وإلقاء اللوم على الآخرين تفاديا للإحساس بالذنب؛ وهو المنوال نفسه الذي دأبت عليه جميع السلطات المتعاقبة منذ إنشاء الدولة الموريتانية الحديثة؛ فخنع جلها تقريبا لهيمنة النظام الإقطاعي الاستعبادي إلى حد أنه كلما قرر شيئا في سبيل القضاء علي الرق تراجع، وكلما اعترف به تنكر له، وكلما وعد ضحاياه نكص.

وهكذا تواصلَ مسلسل المراوغات والتملص حتى اليوم تاركا الباب مفتوحا على مصراعيه، اللهم إذا بادر النظام الحالي بتطبيق جميع بنود الحوار ورزمة الاقتراحات التي تقدم بها المشاركون في هذا المنوال.

و لأنني فعلا أربو بـ"حاتم"، خاصة، و ببقية الموريتانيين، عامة، عن التناقضات الصريحة والبينة التي تعكس عدم النزاهة ونية المراوغة، أذكر أن الاعتراف للعبيد بحقهم في الحرية يقتضي:
1ـ أن يكون اعترافا تاما ومطلقا وغير مشروط، لأن الحرية، ككل الحقوق الفردية والجماعية المشروعة الأخرى، غير قابلة للتجزيء أو المساومة.
2ـ أن تـُـضمن لهم صيانة كرامتهم وفق احترام ما توجبه الحرية من شروط كحق الاختيار وحق تحديد الهوية، لا أن تــُـفرض عليهم رغبات الآخر عبر مراسيم أو مقررات تعسفية تتناقض ومبدأ الحق في الاختلاف.
3ـ أن يـُـنظر إلي الأمر بروية وواقعية بعيدا عن الذاتية والاستبداد اللذيـْـن مافتئا – للأسف- يطبعان كثيرا المعاملات مع المواضيع ذات الطابع الاجتماعي والثقافي الصرف، فيحولانها إلى مادة دسمة للاستغلال السياسي في إطار صراع زعامةٍ وهيمنة بين أطراف لا يجمعها سوى الاستهزاء، بل الازدراء بآلام وهموم الضحايا من فئة العبيد والعبيد السابقين (لحراطين). فعهد الوصية والتبعية ولى إلى الأبد.
4ـ أن تــُـستوحي المواقف من الرق ومخلفاته من مبادئ وقيم ومواقف التقدميين والموريتانيين الأحرار الذين أبوا إلا أن يكونوا على الخطوط الأمامية لجبهات تحرير العبيد من أغلال الرق والظلم والطغيان من أجل تشييد صرح دولة المواطنة المفعمة بالعدالة والقانون والسلم الاجتماعي.

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026