تاريخ الإضافة : 12.12.2011 15:42

المعهد العالي ومسيرة الاغتيال

محمد ولد الراجل

محمد ولد الراجل

كان بموريتانيا معهد يسمى معهد تعليم العلوم الاسلامية واللغوية.. لكن خوفا على الأمن العام تم إغلاقه، وكان ذلك المعهد يحتضن مجموعة من الارهابيين تفكر بطرقها الانقلابية والرجعية في أن تميت المشروع الإصلاحي لفخامة رئيس الجمهورية..

تماما سيقال كان في موريتانيا المعهد العالي للدراسات والبحوث الاسلامية تم إغلاقه لأسباب معروفة لدى البعض وعرفت لدى آخرين وجهلها أكثر الناس..

** ** **
بادئ ذي بدء لابد من إشارة ولو مختصرة عن مباشرة الطابور الخامس لإدارة المعهد العالي من خلف الكواليس.. فقد كانت حادثة رفع مدير المعهد العالي الأسبق الدحه ولد مولود دعوى ضد أحد الطلاب متهما إياه في التعامل معه بعنف.. ويوم المحاكمة المشهود الذي خرج فيه كل طلاب موريتانيا وتلاميذها كانت تلك الحادثة بداية تفكير رسمي من قبل النظام الحاكم في إدارة المعهد إدارة أمنية بحتة، فعين أحد مفوضي الشرطة على إحدى مصالح المعهد ليكون "مهدئ الطلاب" لأن الطرق الأمنية لم تنفع فيهم.

فاستمر المدير الدحه ولد مولود أحيانا يتظاهر بالاختلاف مع "عامله" لأنه اختار الانصياع للمطالب الطلابية..

وفي بداية العام الجامعي 2005 أقيل الدحه وعين مكانه المدير أحمدو ولد السنهوري في عهد المجلس العسكري الحاكم، ليخلفه نهاية العام 2007 الأستاذ المساعد سيدي محمد ولد مايابا على رأس المعهد، ومثل بالفعل جهازا تعطى له الاشارة ليفعل أو لا يفعل، فتحكمت من خلالها قوى العمل في الظلام كل التحكم.. ووجدت من خلاله قناة للعبور إلى المبتغى.

وقبل بداية العام الجامعي 2010 بقليل عين أحمد ولد الباه مديرا للمعهد، لكن طبيعته الاستعلائية لم تتح للأمن أن يعمل من خلاله، بل صار كل من الاثنين يعمل بتفكيره وعلى طريقته، وذلك ما تجلى خلال امتناع الشرطة من التدخل خلال الأزمة الأخيرة من أزمات العام الماضي.

تلك هي المراحل المهمة من حقبة المعهد بشيء من الاختصار لكن أي حديث عن مسيرة اغتيال المعهد لن ينفد قلمها، ففي سنة 2008 كشف تحقيق معد من طرف بعض طلاب المعهد عن بعض القوى النافذة من خلف الستار لوأد مشروع جامعة المرابطين.

وأنفدت تلك القوى ـ والعهدة على أحد الأساتذة المقربين من ملف الجامعة كان مكلفا بإعداد الدراسات ـ كل طاقتها من أجل حصار المعهد.

ووصل التحقيق لزخم لم يكن يظن به، فقد كان الشزر، ومظاهر الغضب أهم ما طرأ على "زيد" ضد أحد معدي التحقيق.

وفي السنة الموالية مباشرة تبين أن الخطة دبر إحكامها بليل فلم يبق إلا التنفيذ، فرغم لقاء ولد مايابا كل نواب البرلمان أغلبية ومعارضة ووزير المالية من أجل رفع ميزانية المعهد التي قلصت بشكل كبير ومفاجئ رغم تلك اللقاءات فقد أثمرت ـ حسب "مصدر" مطلع ـ اجتماعا لـ"حاكمي" موريتانيا قالوا فيه إن المعهد لن تزاد ميزانيته، معتبرا أنه كان يخرج الأساتذة والقضاة، ولم يعد يخرج غير "الإرهابيين".

بل رئيس الجمهورية نفسه قال في أحد اجتماعات تخص الشأن التعليمي وقد طرح موضوع المعهد العالي "المعهد فيه مسائل ليست واضحة!".

ويكشف أحد أساتذة المعهد أن الأمين العام لوزارة الشؤون الاسلامية حينها قال في اجتماع نوقشت فيه أزمة المعهد المالية إنه لا فائدة من زيادة الميزانية لمؤسسة هدفها الوحيد تخريج حفظة ابن عاشر وشراح موطأ مالك.

ومن ضمن مسيرة الاغتيال هذه ـ التي خطط لها على أن تنفذ في فترة زمنية ليست بالقصيرة ـ تأخير مسابقة الدخول العام الجامعي الماضي، والذي كان رسالة واضحة من وزارة "الشؤون الاسلامية" أن المعهد بدأ يأخذ مسارا جديدا لعل في معمعانه الدفن.

تلك بعض الصور التي تمثل التآمر الرسمي للمعهد، تمثلت في ثلاثة مراحل تبدأ من هرم السلطة وتمر بإدارة الأمن لتنتهي عند وزارة الوصاية "الشؤون الاسلامية".

وما طبع تعامل الإدارة هو تعليق كل حقير في بت الوزير لأنه المسؤول عنه في النهاية.. فتأزم المعهد وشهد أول توتر حقيقي بين الادارة والطلاب بعد إقالة الدحه.

تراجع الصوت الاداري المطالب بتحويل المعهد إلى جامعة وكان الرد على المطلب أن ذلك شأن سيادي، وفي الأيام التشاورية حول الغلو المنظمة من طرف السلطات الموريتانية استطاع طلاب المعهد إدراج تحويل المعهد إلى جامعة أحد التوصيات التي خرجت بها الأيام دون أي جهد إداري يذكر.

وتمر الأيام لنشهد حفل اختتام العام الجامعي للمعهد يمر دون حضور أي وزير بعد أن وصل زخمه ما وصل إليه بل حاولت الادارة ـ سنة ولد مايابا الأولى ـ منع التزاماتها في تنظيم الحفل.

وأتذكر ذلك الحفل ـ خلال سنة ولد السنهوري الأخيرة ـ الذي حضره ثلاثة وزراء، إلا أنه ونتيجة تقدم الخطة المعدة لوأد المعهد جعلت الزمن يمر على حسابه وتنكص الادارة يوما بعد يوم عن أحد ما تم تحقيقه.

وبعد تعيين أحمد ولد الباه على رأس إدارة المعهد تحولت الادارة من جهة تسهر على مصالح المعهد إلى قيادة يجب تلقف آرائها بالسمع والطاعة وإدراج أوامرها ضمن قائمة المعتقدات.

فكان تسجيل الطلاب شأنا إداريا بحتا لا يحق للطلاب التدخل فيه، وصار المعهد ريشة بيد مدير طبع على السذاجة يحركها كيف شاء.

وشاءت الأقدار أن تكون السنة الماضية سنة أزمات بما في الكلمة من معنى، جسد تلك الأزمات الخطوات الارتجالية التي قامت بها الادارة، كما كان للتخبط العشوائي للمدير أثره في إمساك المعهد باليد الحديدية حتى يتم التخلص منه فهو في الاحتضار وقد بدأت الرصاصات الأخيرة تصيب المقاتل.

ولأول مرة في تاريخ المعهد ـ بما في ذلك حقبة الدحه ـ يستدعي ولد الباه الأمن ليحتل المعهد، فانقلب عليه السحر وبعد أزمة الامتحانات يحاول استدعاء الشرطة فتمتنع، لأن المدير ورطها في مأزق لم تتخلص منه إلا بعد جهود كبيرة.

وهنا أسجل ـ وأنا المشاهد من الداخل ـ أن إدارة المعهد لم تبذل أي جهد في توقيع اتفاق إنهاء أزمة الامتحانات، بل إن وزير الشؤون الاسلامية قطع الاتصالات به لئلا ينجح الاتفاق، وقد كان ذلك الاتفاق ثمرة لجهود أساتذة فضلاء سهروا ليالي عدة على مصلحة المعهد.

وأشير إلى أن إدارة الأمن لم تغب عن الساحة في المعهد فقد كانت تتابع الأمور خطوة خطوة، وربما توسلت لدى عمرو وزيد للقيام بوساطة تنهي الأزمة.

ربما يقول البعض إن الجامعة الاسلامية ومسجد ومصحف عزيز، وإذاعة القرآن كلها رسالات واضحة من السلطة لتمجيد التاريخ الشنقيطي.. لكن؛ كلا.. إن تاريخنا الاسلامي ليس انقلابا عسكريا يقوم به بواب على رئيسه، كما أنه ليس قرارات ارتجالية تنم عن غباء طبع مراكز القرار.

ومن يريد أن يرفع لواء للإسلام عليه أن يخلص وزارة عنيت بالشؤون الاسلامية من الفساد والمفسدين، وذلك ما تبدو الصورة مغايرة له، فنحن نتذكر كادرا بالوزارة قدم استقالته لأوامر "إفسادية" كما أن فضيحة الحجيج لا تزال تجلجل في فؤاد كل غيور.

وأعتقد أن طباعة المصحف وكلت إلى أحد أساتذتنا الفضلاء فارتأى أن يؤجلها حتى "يوضع حجرها الأساس كل مناسبة وطنية أو إسلامية"، كما أن مقاولة المسجد أخذها بعض من حاشية ولي الأمر وإن لم يشيدوا المسجد نفعا للوطن من جهة أخرى.

يقتل المعهد ـ وسيشيد مكانه معهد مهني ـ لكن تبقى رسالته قوية في كل ضمير حي يفكر في طريقة سليمة للوطن، يقتل المعهد لنفقد الأطر الادارية التي شهد لها بالنزاهة وحسن التسيير.. يقتل لتجفف منابع القضاة الأكفاء المشهود لهم بالعدل.. قلي بربك.. ماذا تنتظر من دولة قتلت المؤسسة الشرعية الوحيدة فيها ومع ذلك تعلن أن الشريعة الاسلامية مصدرا للقوانين فيها؟

سيعود المعهد.. وسينقلب السحر على الساحر، وستظل موريتانيا إسلامية إسلام الفطرة لا إسلام العسكر.. ونبقى نحن الشعب الضعيف الذي يعاني من الظلم والاستبداد نلجأ إلى الله في كل أحوالنا ونصبر الساعة وننتصر، وإن الفرج مع الصبر.

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026