تاريخ الإضافة : 09.12.2011 12:51

تجفيف المنابع الإسلامية

الشيخ التراد ولد محمدو

الشيخ التراد ولد محمدو

يواصل النظام الحالي رحلة التيه هذه، من دواليب السياسة العرجاء إلي النهج الاقتصادي الأحادي المقيت، وأخيرا الآن في ميدان التعليم، آخر تلك القفزات الارتجالية غير المسبوقة -إن تجاوزنا قرار الترحيل القسري للمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية- مشروع مرسوم الذي يقضي بإعادة تنظيم شهادة الباكلوريا، الذي تبين منه أنه استهداف عدائي لشعبة الآداب الأصلية، حيث تحدث المشروع الاستئصالي هذا عن استبدال مادة الفلسفة بمادتي الرياضيات أو العلوم الطبيعية، وذلك قرار يستهدف بالدرجة الأولي طلبة العلوم الشرعية، مما يعني أن النظام قرر تجفيف المنابع الإسلامية بدءا بالمعهد العالي، وأخيرا وليس آخرا شعبة الآداب الأصلية، وأعتقد جازما أن طلبة العلوم الشرعية -الذي جاء هذا المشروع ليضع حدا لتلك الأحلام الوردية التي خيمت علي هؤلاء لسنوات عدة - سيبحثون في قابل الأيام عن ميادين تحرير لشعبة الآداب الأصلية من سياسة التجفيف هذه .

أعزي آلاف الطلبة المحظريين الذين سيكون هذا المشروع الظالم عقبة في وجه طموحاتهم الدراسية، فلن يكون بمقدور هؤلاء تجاوز الامتحان في مواد لم يتوقعوا يوما أن تكون إكراهات الواقع الأثيم ستدفعهم إلي مجالات ليست ضمن تخصصاتهم الشرعية، ولاحتي خادمة لها ،علما أن هذه المواد المقترحة لأول مرة علي الطلبة الشرعيين ،لازالت ترهق حتي كاهل الطلبة العلميين الذين تلقوها في سنوات الابتدائية الأولي ، وهنا نتساءل بمرارة عن مصير هؤلاء الطلبة بعد المصادقة علي هذا المشروع الظالم، الذي يحمل في طياته رسائل غير ودية للتيار الإسلامي الذي بموجب هذا القرار تلقي صفعة قوية ثانية في أكبر قواعده الشعبية بعد الضربة الأولي التي كان المعهد العالي عنوانا لها، وهو رسالة أيضا للمحاظر الموريتانية أن قرارا قد اتخذ بسد أبوابها وترحيل طلبتها إلي عالم المجهول ،أما الذين سبق لهم أن تخرجوا من تلك المدارس العتيقة فليبحثوا لهم في محرك البحثي العالمي" كوكل" عن فرص أخري غير تلك التي كانت توفرها لهم شعبة الاداب الأصلية.

وهنا تبدو الفعاليات العلمية والنقابية والمدافعة عن الحقوق الإنسانية أمام امتحان صعب في مواجهتها لهذا المشروع، فإما أن تدافع عن هؤلاء المظلومين أو أن تجد نفسها خارج المعادلة ، ذلك أن هذا القرار الجائر- الذي كانت مسابقة القضاة السابقة ضمن فصوله، والتي توجت بإقصاء متعمد لطلبة العلوم الشرعية – سيؤثر سلبا علي هذه الشريحة الرائدة من المجتمع والحاملة لراية التعليم الأصلي في وجه موجات النظام الحداثي القادم من الغربز

متي يتوقف النظام الحالي عن قراراته الارتجالية واستفزازاته المتكررة للعقيدة المجتمعية الإسلامية المحافظة ،ومن ورائها التيار الإسلامي الذي لم يعد مواجهة أشخاصه سياسة متبعة فاختير تجفيف المنابع، وهي محاولة يائسة لإيقاف المد الإسلامي الذي أثبتت الوقائع أن شعوب المنطقة تتوجه اليوم نحو هذا الخيار أعني الظاهرة الإسلامية .

ورغم مايحمله هذا المشروع الاستبدادي المقترح من إقصائية إلا أنه في نظير هو عامل توتير جديد للحوق بركب الثورات العربية والتسريع بوتيرتها، فهناك حتي الآن نماذج ثلاث في المنطقة المغاربية، يتمثل الأول في الثورة التونسية التي أطاحت بالرئيس التونسي ونظامه عبر احتجاجات خلفت أعدادا من الشهداء والجرحي، والنموذج الليبي الذي اتخذ طابعا عسكريا أنهي حكم الطاغية الليبي وكتائبه، أما النموذج الثالث فتمثله المملكة المغربية التي قررت استباق الأحداث باستيعاب الدرس القادم من الشعوب المغاربية، والتعامل بإيجابية مع الواقع الجديد عبر تعديلات دستورية تلتها انتخابات برلمانية، وهنا كان علي النظام الحالي الموريتاني أن يختار بين النماذج الثلاث، وعلي ما يبدو قرر مواجهة شعبه في تجسيد للحالة التونسية، وربما النموذج الليبي العنيف في مرحلة لاحقة، وهذا مايفسر سر الاندفاع نحو الجارة الجزائرية في تطور لافت للعلاقة بين البلدين، وكأن" ثنائي الانتظار" هذا في المنطقة المغاربية قرر التعاون الثنائي في مواجهة المدي الشعبي المغاربي، فأعلنت الجزائر عن تجديد العمل بالمادة التي تمنع جبهة العمل الإسلامي من المشاركة السياسية ،فيما اتخذ النظام الموريتاني ميدان التعليم ساحة لعرض ءاخر مغامراته الارتجالية ،فكان قرار تجفيف المنابع الإسلامية ،الذي ألبس لبوس الإصلاح التعليمي ، ولا أدري ما ستحمله قابلات الأيام من عروض استعراضية كتلك التي جاء بها المشروع الاستئصالي.

الرياضة

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026