تاريخ الإضافة : 05.12.2011 23:44

المعهد العالي.. ممنوع التسجيل!!

أبوبكر ولد أحمدو

أبوبكر ولد أحمدو

ليس من السهل على القلم الكتابة في موضوع أراد له من لا تهمهم وحدة المجتمع وتماسكه أن يربطوه باعتبارات جهوية تجعل موقف المتحدث فيه يفسر رغما عنه انطلاقا من مفاهيم جهوية لم تخطر له يوما ببال ولا أعطاها أية قيمة ولم تمثل بالنسبة له معيارا في تقويم الناس أو تفضيل بعضهم على بعض؛ لكن من الصعب عليه أيضا تجاهل أحداث لها معناها وأثرها الذي سيبقى شاهدا على سكوته عنها والتنكر لها.

فمنذ العام الماضي والحديث يدور حول نقل المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية إلى مدينة العيون في ولاية الحوض الغربي الحبيبة؛ وبرغم ما يعنيه المعهد العالي بالنسبة لي فلم يسبق أن كتبت في الموضوع بل كنت دائما أتحاشى حتى دخول النقاش فيه رفضا لمنطق الجهوية التي يسود أغلب تلك النقاشات فقد سبقت إعلان الحكومة الموريتانية عن هذا القرار حملة هدفت بشكل صريح للتمهيد له لكنها للأسف اتخذت دعاية جهوية مغرضة كشفت القناع غير الساتر أصلا عن لا مبالاة بوحدة المجتمع وتماسك مكوناته.

وابتداء من هذا العام لم يفتح التسجيل في المعهد العالي وهو ما يعني عمليا إغلاقه بمجرد تخرج الطلاب المسجلين فيه حاليا.

وبحكم معرفتي التامة بالمعهد العالي فإني أفهم جيدا القرار وخلفياته ومن يلعب فيه الدور الكبير وسعى لاتخاذه؛ فقد خبرت ساحة المعهد العالي أربع سنوات مدة الدراسة فيه؛ وبحكم تواجدي في العمل الطلابي النقابي منه والخدمي والثقافي "سنتان عضوا في مكتب الاتحاد الوطني وسنتان في المكتب التنفيذي للرابطة الثقافية لطلاب المعهد" فقد تعرفت على كل أهله طلبة وأساتذة ومديرين ورؤساء مصالح والتقيت بوزراء الشؤون الإسلامية في تلك الفترة.. تعرفت عليهم جميعا على كراسيهم وفي مكاتبهم وقابلتهم في مطالب وحقوق طلابية أراها مشروعة وجديرة بالتلبية.

ولم يكن التلكؤ والمماطلة أكثر ما أثار انتباهي؛ بل أكثر ما استغربت منه منذ سنتي الأولى أن بعض النافذين في المعهد يسوؤهم الأمر حين ينظم الطلاب من خلال الاتحاد الوطني أو الرابطة الثقافية حفلا ناجحا أو ندوة أو محاضرة علمية أو مسابقة ثقافية نزيهة أو انتخابات شفافة لتحديد مندوبيهم وممثليهم أو يتقدموا بمطلب ثمين أو تتوالى إصداراتهم الثقافية أو يجرون حوارا طلابيا جادا... لكن الأيام كانت كفيلة بأن يعرف السبب فيبطل العجب.

ولا أنسى أن أذكر أن من بين الأسباب عجز إدارة المعهد ومستشاريها في أحيان كثيرة عن تنظيم ندوة أو حفل أو توالي إصدار صحيفة أو مجلة محكمة كما العادة في المؤسسات العلمية والجامعية رغم الميزانيات الكبيرة التي تنفقها لهذا الغرض؛ فقد توقفت صحيفة "المرابطون" عن صدور العدد الخامس أو السادس وتعطلت مجلة المعهد المحكمة العلمية؛ هذا في الوقت الذي يتوالى باستمرار صدور صحيفة الأصداء عن الرابطة الثقافية لطلاب المعهد كل نصف شهر في اثني عشرة صفحة لتوفر للطلاب ميدانا للكتابة وتبادل الأفكار والعطاء في العمل إذ يستدعي صدورها أحيانا من اللجنة المشرفة عليها السهر ليال متعددة لتحريرها وطباعتها وإخراجها في أحسن ما أمكن بل في بعض الأحيان يتطلب منهم صدورها في التاريخ المحدد السهر حتى الصباح وهو ما شاهدته أكثر من مرة.

هو إذن نجاح للعمل الطلابي في المعهد العالي أرق كثيرين وكان عليهم كوقع السهام؛ وجاءت المكائد والحيل لطمسه لتبوء كلها بالفشل فلا يبقى إلا "الرأي الذي لا رأي غيره" هدم هذه المؤسسة العلمية وطمس نورها بالكامل وليكن ذلك بأي وسيلة.

حين أعلنها بصوت عال مرددا مع طلاب المعهد: "لا لتحويل المعهد العالي إلى مدينة العيون" فإني أعي تماما ما أقول وما أقصد.. ذلك أن قرارا سريعا كهذا دون استشارة المعنيين به ولا أخذ رأيهم فيه من أساتذة فضلاء حريصين على بناء مؤسستهم العلمية العريقة وطلاب ما عرفوا إلا الوفاء للمعهد وأحبوه ملء قلوبهم؛ ونقل المعهد إلى بئة لم يوفر له فيها ما يحتاجه من وسائل وإرغام الطلبة على التنقل إليه دون توفير سكن ولا مطعم ولا تقديم مساعدات لهم في التكيف مع واقع جديد يعني وأد هذا الصرح العلمي وهدمه.

وهذا القرار من جهة أخرى أشبه ما يكون بمحاولة فاشلة لضرب عصفورين بحجر واحد إذ تعهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز سابقا ببناء جامعة في الداخل و ـكما هو متداول ـ ربما يكون قرار تحويل المعهد للعيون محاولة للجمع بين تحقيق المطلب الطلابي السابق بتغيير اسم المعهد إلى جامعة المرابطين وبين بناء جامعة في الداخل الموريتاني؛ لكن كل المؤشرات تؤكد فشل المعهد بسبب اتخاذ هذا القرار وعدم نجاح جامعة في الداخل بخلت عليها الحكومة بأبسط المقومات.

وأنا على يقين من أن منطق التفسير الجهوي سيكون حاضرا عند بعض ممن سيقرءون ما كتبت ويختلفون معي في وجهة نظري هذه؛ لكني أجزم أنه ما كان لي وأنا الذي بحت حنجرتي في ساحات النضال في المعهد العالي وجامعة نواكشوط أصدع بمطلب بناء جامعات في الداخل الموريتاني في لعيون وكيفة ونواذيبو وغيرها.. أن يكون للاعتبارات الجهوية المقيتة أي تأثير علي لا في وجهة نظري هذه ولا غيرها.

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026