تاريخ الإضافة : 05.12.2011 18:21

"للإصلاح كلمة" تتعلق بالرق واللغة العربية

محمدو ولد البار

محمدو ولد البار

كلمة الإصلاح هذه المرة أريدها أن تناقش قضية الضحيتين الدستوريتين مع كل من السلطة والمعارضة في الجمهورية الإسلامية الموريتانية.

فهاتان الضحيتان دستوريتهما مسجلة في دستور دولة موريتانيا على النحو التالي:

المادة 6: اللغات الوطنية العربية والبولارية، والسوننكية، والولفية، واللغة الرسمية هي العربية.

المادة العاشرة من نفس الدستور: تضمن الدولة لكافة المواطنين الحريات العمومية والفردية...الخ.

ولا شك أن هاتين المادتين الضحيتين تتفاوت خطورة تجاهلهما من طرف السلطات التي تؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وتؤمن في نفس الوقت بقدومها لا محالة على يوم التلاقي (يوم هم بارزون لا يخفي على الله منهم شيء) وسوف يسمعون من قريب قوله تعالى: (لمن الملك اليوم) وجوابه (لله الواحد القهار اليوم تجزي كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم).

ولذا فإني سوف أناقش قضية هاتين الضحيتين مع السلطة والمعارضة على الترتيب حسب خطورة عدم المبادرة إلى إزالة حالتهما فورا على المسلم.

أولا : قضية الرق أو الاسترقاق:
هذه القضية مع الأسف عاشت كثيرا من الزمن بين أظهرنا نحن المسلمين الموريتانيين مدعين أننا نملك أرقاء ونتصرف فيهم كأنهم أرقاء شرعيين بحجة أن الإسلام قد أباح الاسترقاق وأنزل أحكامه في كتابه المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وذلك بدون النظر إلى حقيقة الرق الذي أباحه الإسلام وبدون النظر أيضا إلى خطورة من استرق آدميا لم تتمحض فيه شروط الاسترقاق الإسلامية.

فنحن الموريتانيين لم ينتبه أحد منا ولو كان عالما ورعا متبحرا في العلم أو صوفيا عابدا يبيت ساجدا ويظل راكعا أن المسترقين حتى إذا كانوا شرعيين هم جنس من بني آدم خاطبهم الله بنفس الخطاب الذي خاطب به أسيادهم سواء قبل أن يؤمنوا أو بعد إيمانهم.

فقبل الإيمان خاطبهم بقوله تعالى: (يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) إلى آخر الآية.

وبعد إيمانهم بقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).

كما أنه تعالى شملهم بلفظة "كل" في القرآن فبما أن كلمة (كل نفس ذائقة الموت) شملتهم كلهم فكذلك شملتهم كلمات (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون).

ولوضوح هذه الحقيقة في الإسلام فلم يـبح الإسلام من الاسترقاق الذي وجد أسبابــــــه لا تعد كثرة في الجاهلية (واتبعنا نحن رقنا كما في الجاهلية ) لم يبح إلا نوعين من أسباب الرق في الإسلام.

نوع انتهى في السنوات الأولى للإسلام وهو الرق الذي كان أسلم المسلمون وهو تحت أيديهم فأقرهم على المباح منه ولكن لشدة معرفة الصحابة رضي الله عنهم للمساواة الأخروية بين البشر تخلصوا منه فورا كما هو مدون في تاريخ تلك الحقبة الذهبية من الإسلام، فلم يتحملوا المسؤولية عنهم دينيا واجتماعيا وفي نفس الوقت تــتوق الشارع للحرية وهو الله تبارك وتعالى.

أما النوع الثاني فهو الذي تجدد بالجهاد الشرعي الذي يأمر فيه قائد المسلمين الشرعي بالجهاد، إما لمجابهة الكفار وهم يريدون فتنة المسلمين عن دينهم كما قال تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) وإما لوقوفهم أمام الدعوة الإسلامية لئلا تبلغ شعوبهم ليستجيبوا أو يرفضوا.

فالمأخوذ من الأسرى في هذا النوع من الجهاد يعامل بواحد من أربع معاملات من بينها الاسترقاق مع معاملته الشرعية ريثما يتخلص المسلم من أرقائه بعد أن يكونوا مؤمنين في المجتمع المسلم وذلك نتيجة حث الإسلام على حرية الأرقاء.

وهنا نكتفي بمثالين من القرآن ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على التخلص من الرق في الإسلام لتشوف الشارع للمسلمين وهم يتخلصون من هذا الرق بالعتـق.

مثال القرآن الأول: هو أن الله جعل من بين كفارة القـتل الخطأ إعطاء الدية لأهل المقتول وعتق رقبة مؤمنة لوجه الله لأن أهل المقتول لا ينتفعون من هذا العتـق بل ينـتـفع به المجتمع الذي عتـق واحد منه.

يقول تعالى: (ومن قتـل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) أما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم "من عتق رقبة أعتق الله بكل عضو عضوا منه من النار حتى الفرج بالفرج" أو كما صلى الله عليه وسلم.

هذه العجالة في الرق تؤكد أن الإسلام أباح هذين النوعين من الرق بشرط توفر الأسباب أعلاه فمن أنكر ذلك فهو منكر لما علم من الدين بالضرورة وذلك يصنف في حكم الكفر البواح.

فلو كان المنكر ينكر شرعية ما وقع من الرق في موريتانيا ومقرا بأصل شرعية هذين النوعين من الاسترقاق في الإسلام لكان قائلا قولا صحيحا في الإسلام.

ولذا فإن الاسترقاق خارج هذين النوعين يعد أكبر جريمة في الإسلام بل يعد فاحشة ومقتا وساء سبيلا فهذا الوصف في الإسلام أطلقه الله على من نكح زوج أبيه والاسترقاق غير الشرعي أعظم من هذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه [كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا]، كما أن من استرق رقيقا يجوز له يبيعه والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن بينهم من باع حرا فأكل ثمنه" إلى آخر ذلك من الوعيد الوارد في الاسترقاق غير الشرعي.

ومن هنا نصل إلى الاسترقاق الذي كان موجودا في موريتانيا والذي يتـناقض فيه الموريتاني المسلم مع نفسه فهو يعتقد أنه يملك الرقيق ملكا شرعيا باسم الإسلام ويتصرف فيه التصرف الشرعي في الرقيق الشرعي مثـل البيع والدخول بالإناث من غير عقد شرعي، وفي نفس الوقت يعامله وكأنه يملكه كالحيوان وغير مسؤول عنه في الآخرة فليس مسؤولا امتثاله للأوامر واجتنابه للنواهي.

وبذلك يكون هذا الرق الذي كان موجودا في موريتانيا جريمة في الآخرة من جهتين:

أولا: صاحب الاسترقاق لم يتحر فيه أسباب الرق في الإسلام فهو كان رقا جاهليا بامتياز لأنه تارة بالغصب وتارة بالاختطاف وتارة بالشراء ممن لا يملك رقيقا ملكا شرعيا، وهذه الأصول معروفة لدى الجميع لا تحتاج إلى تأصيل لأن من عاش في آخر القرن 19 يحفظ كثيرا من هذه الأسباب ومعلوم في الفقه أن الرقيق عكس المملوكات فالرقيق ما علم أصل رقيـتـه ومعلوم في الفقه أيضا أنه إذا اشـتبه الحلال بالحرام ألغي الجميع.

ثانيا: هذا الرق غير الشرعي كان يعامل أهله معاملة البهائم يتـناسلون أمام أسيادهم كيف شاءوا ولا يؤدون فريضة من فرائض الله فيموتون ولو عمروا كما لو كانوا ماتوا قبل البلوغ ولا ذنب لهم.

وإذا كان يجوز للمسلم أن يتمنى المستحيل فيتمنى أن يعود إلينا من البرزخ أكبر عالم ورع أو أكبر صوفي عابد أو من تنسبهم الناس إلى الصلاح وهم في الدنيا مع أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام طلبوا من الله أن يلحقهم بالصالحين، والموريتانيون يقطعون بالصلاح لبعض المسلمين وهم أحياء والله يقول: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثـقال حبة من خردل أتيـنا بها وكفى بنا حاسبين).

هؤلاء العلماء والعباد والصلحاء نتمنى أن يسمعونا جوابهم للملائكة عن هذه الأسئلة:

ما هو أصل الأرقاء الذين ملكتوهم باسم الإسلام؟ وكيف ماتوا بين أيديكم وهم لا يحفظون الفاتحة ولا يعرفون أي حكم في دينهم؟ وكيف تعاملون المؤمنين والمؤمنات وهم تحت أيديكم معاملة البهائم يتـناسلون تناسلهم ولا يؤدون فريضة من فرائض الله، والله يقول لكم (يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا)، ويقول إن أسياد الجارية هم أهلها في قوله تعالى (فانكحوهن بإذن أهلهن)

هذه الجريمة التي لا شك في بقائها حتى الآن، فالمسترقون باسم المفعول يظنون أنهم مسترقون باسم المفعول أيضا إسلاميا وبعضهم يكتم استرقاقه في هذه الآونة تقربا منه إلى الله، ولأن السلطة الموريتانية من الاستقلال إلى اليوم لم تقم بإزالة هذا الرق إلا في الأوراق، وإزالة هذا الاسترقاق غير الشرعي تكون بتشكيل لجان في كل مقاطعة يتكونون من أنواع السلطة في المقاطعة ومعهم مثـقفون من قطاعات المجتمع المدني ويقود الجميع علماء مقتـنعون بعدم شرعية هذا الاسترقاق ويذهبون دوريا إلى كل مكان في المقاطعة لتنبيه وتوعية وتحذير الأرقاء والأسياد من عذاب مهين ينتظرهم يوم القيامة إذا أفلتوا من عذاب أهل الدنيا وأخفوا هذه الجريمة المستمرة.

وليعلم الأرقاء غير الشرعيين أن هذا الاسترقاق لن يغني عنهم يوم القيامة فتيلا عن المساءلة عن جميع أوامر الله ونواهيه لهم والواضحة في القرآن والجهل لا يعد عذرا في الإسلام.

فالذي يسمع الآن من الحملات ضد الاسترقاق تقوم به منظمات تعتقد أن الأرقاء من جنسهم ويطالبون بتحرير بني جلدتهم متجاهلين أنه يوجد في موريتانيا أرقاء يسترقون أرقاء آخرين أما ما يطلق عليهم عادة الحراطين في بعض المناطق والخذريـين في بعضها فإن أغلب زعمائهم ولا سيما في المناطق الغربية الجنوبية يسترقون أرقاء بكثرة، لأن الأحرار جميعا متساوون في إباحة التملك لكل شيء.

وهنا أسجل ملاحظة في غاية الأهمية على المصطلح الذي يصرح به ويكتب في الجرائد والمواقع وهو كلمة الأرقاء والأرقاء السابقين، وكأن الأرقاء السابقين تطلق على كل من يطلق عليه في موريتانيا مصطلح حرطاني أو خذري.

والواقع أن في موريتانيا كثير من ما يطلق عليه الحراطين ولم يتقدم عليه أي رق وما أكثر هؤلاء ولكن لا توجد شريحة في المجتمع البيظاني إلا وفي داخلها من ليس أصله أصلها.

ومن الغريب أن أصحاب هذه الحملات كلهم مسلمون ومع ذلك لا يذكرون في حملاتهم حقيقة الرق في الإسلام وأنه يتنافي مع هذا الاسترقاق بل بعضهم يتجاسر في الدنيا على اتهام الإسلام بعدم العدالة في إباحته لأي نوع من الرق وهذا قول منكر في الدنيا ومعاقب عليه في الآخرة ويوحي هذا القول بجهل قائله لأصل الأرقاء الأوائل وعن تلك الظروف التي أباحه الإسلام فيها، ويظن كذلك أن أرقاء الإسلام لا يكونون إلا سود البشرة مع أن الأرقاء الشرعيين في أوائل الإسلام كان 95% هم من بياض البشرة يهودا أو أوربيين وغيرهم من الأجناس أشد بياضا من بياض الموريتانيين، وأن أهل سواد البشرة أقربهم للجزيرة العربية التي انطلق منها الإسلام هم الحبشة والنوبة وأرقاؤهم في الإسلام قليلون جدا.

أما أرقاء الأفارقة سواء الشمالية أو الغربية أو الجنوبية فكان استرقاقهم أولا استرقاق جاهلية في بلادهم مثل استرقاق القوة أو الضعف الذي يؤدي إلى بيع الأنفس لأجل تحصيل الرزق اليومي وكان أغلب أصل الاسترقاق في موريتانيا من هذا القبيل غير الشرعي.

وخلاصة هذه الكلمة في الرق أن تقوم هذه السلطة دينيا بحملة قد قدمنا تشكيلها وهدفها وميدان عملها حتى تطهر هذه البلاد من هذا الرق غير الشرعي وتجنب شعبها جميعا المؤاخذة في الآخرة على ممارسة هذه الجريمة المستمرة والله يقول: (وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما) ولا تترك القضية حتى ينهيها الزمن فهي مسؤولة عن الاستعداد لإزالتها كاستعدادها لإزالة الإرهاب كما تـقول.

والآن حان الوقت أن نصل إلى قضية الضحية الدستورية الثانية وهي اللغة العربية في الجمهورية الإسلامية (العربية كما أرادها أهلها) الموريتانية.

هذه اللغة التي قصد المشرع الموريتاني أن يجعلها اللغة الرسمية الوحيدة في الدولة وتجاهل الدستور جميع اللغات الأجنبية الأخرى.

ومع ذلك لم نعلم بأن أي سلطة في موريتانيا شكلت لجنة لتميز لها الأعمال التي يجب دستوريا أن تكون بالعربية والتي يمكن أن تكتب بالفرنسية ولا يكون ذلك مناقضا للدستور.

ومن المتناقضات أن المعارضة دائما تـنـتقد الحكومة في اختراقها للدستور إلا في هذه القضية فإن المعارضة لم تتكلم فيها ببنت شفة بل إن إدارة البرلمان ولا شك أن معها إدارة المجلس الدستوري الراعين لاختراق الدستور يقومون باختراق هذه المادة دائما.

ومن المتناقضات أيضا أننا لم نسمع من أي رئيس للدولة ولا رئيس لهيئات أخرى ولا وزير ولا مسؤول سام يتكلم في الشأن العام أو يشرح نشاط قطاعه إلا باللغة العربية الفصحى وفي نفس الوقت يستحيل أن نجد في وثائقه كلمة واحدة بالعربية ولا شك أن الخطابة باللغة العربية الفصحى أصعب بكثير من كتابتها.

فكتابتها على أحسن وجه يقوم بها عادة حاملو الشهادة الإعدادية وما أكثر عاطلي حاملي هذه الشهادات العربية، وذلك لتصميم سلطات القطاع العام وكذلك القطاع الخاص أن لا يكتبوا في وثائـقهم إلا باللغة الفرنسية.

وكأن الدستور يقول العربية رسمية في الهواء والفرنسية هي الرسمية في الوثائق.

هذا وقد سمعنا أخيرا أن الدولة عينت منتديات لدراسة قضايا التعليم والثقافة في موريتانيا وليت شعري ما هي أفكار أعضاء تلك المنتديات وما نوع ثقافة غالبيتهم ولكني مسبقا أتصورهم كما يلي:

أجساد ولباس يمثل موريتانيا وألسنة محنطة أو نـقول ملطخة برطانة فرنسية مع أن غالبيتهم ينطقها بركاكة ولكن لا يتصورون أن أي علم يمكن دراسته إلا باللغة الأجنبية.

فيضعون إصلاحا في نظرهم وسيكون فسادا في نظر السواد الأعظم من الموريتانيين ولا يمت بصلة إلى موريتانيا لا إلى أصالة ثقافتها وإسلامها وسيفرنسون كثيرا من المواد غير العلمية التي هي بالنسبة للموريتانيين صباغة بالسواد على أصالة هذا الشعب وعراقته وكأني بهم يتجاهلون كل هذه القيم والثوابت ويفرنسون الأدب والفلسفة والتاريخ والجغرافيا إلى آخر تلك المواد التي لا تهم إلا الونداليـين وكأن أعضاء المنتديات جالسين في مدينة نيس الفرنسية يتشاورون مع أسيادهم في اللغة هناك في وضع برنامج هنا لموريتانيا.

وعلى كل حال فإذا كان الرق جريمة مستمرة في موريتانيا فإن تجاهل ترسيم اللغة العربية في الدوائر الحكومية وفي القطاع العام والخاص ودراسة المواد غير العلمية وحتى العلمية بالفرنسية كل هذا عار تلطخت به جميع السلطات المتعاقبة في موريتانيا وما زال هذا العار ينخر في أجسام كل الموريتانيين مستسلمين لمرضه وكأنه "السيدا" الثقافي لا يرجى البرء منه للمسؤولين حتى يأتيهم اليقين.

الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026