نظام التعليم الموريتاني .. قراءة فى أسباب الانهيار

عبد الله السالم ولد الخير ـ كاتب صحفي

عبد الله السالم ولد الخير ـ كاتب صحفي


لقد ورث الموريتانيون عن المستعمر الفرنسي فى ستينيات القرن الماضي دولة على الورق، فلم يتوفر لطليعة البناة أي أساس غير إرادة قوية وعزيمة لا تني فى الإيمان بضرورة وجود نظام مشترك لساكنة المنكب البرزخي يشعر فيه الجميع بعدم الغبن، ومن الطبيعي لأي كيان سياسي يراد له البقاء أن يفكر فى المنظومة التربوية التي ستتولى نقل القيم الجديدة لأجيال المجتمع وكذا تكوين الكوادر القيادية لإدارة دفة الحياة بصورة سليمة.

ونظرا لولادة جبل الحكومة بعد طول تمخض للجنة المنتديات العامة للتعليم – لاندرى كم ستستغرق من الوقت قبل أن تباشر عملها - ولأن مشكل التعليم في البلد أسال الكثير من المداد من مختصين وهواة فإننى سأحاول بعون الله القراءة فى بعض العناوين أراها أدت إلى الإنهيار التام لنظام التربيةوالتعليم لدينا ومن ثم انهيار المنظومة القيمية للمجتمع بشكل مواز لذالك، يتلخص ذالك بحسب نظرى فيما يلى:

1 - انعدام الثقة :
من المشاكل التي واجهت التعليم النظامي في بلادنا مشكلة مصداقية المدرسة الوطنية، هذه المدرسة التي جاءت في محاولة لخلافة مدرسة النصارى التى لم تحظ بالقبول محليا نظرا لقوة المقاومة الثقافية وازدهار المحظرة، مما جعل الغالبية يرفضون المدرسة النظامية علي اعتبار أنها صنو لمدرسة النصارى، وعليه فهي مطية الكفر والعياذ با الله .

ذلك ما أحاطها بنفس سور الشك والريبة الذي سبب إسقاط سلفها مدرسة المستعمر :

الحمد لله على ما نفسه من الكروب بسقوط المدرسه
مدرسة الروم عن أبناء الحسن إذغيرهم يرونها أمرا حسن
وهم يرونها بعين الأرمد ليس بها هاد ولا من مهتد

هذا الانهيار الذي كان مصير مدرسة النصاري وإن سلمت منه المدرسة الوطنية فإنها لازالت تعاني أعراضه الجانبية ولم يتم التعامل مع هذه الأعراض بالجدية اللازمة .

2 – مشكل الهوية:
مسألة الهوية التي برزت بشكل واضح بعد أحداث العام 1966 م والتي مازالتطفو على السطح من حين لآخر – لعل آخرها مظاهرات ( لا تلمس جنسيتى ) - موظفة من طرف هذه الجهة أوتلك لغرض في نفس يعقوب ، شكلت عاملا أدى إلى عدم اعتراف البعض بنظام التعليم القائم والذي فى نظره لم يكن محل إجماع، فى حين أن من صاغوا نظم التعليم إبان استقلال البلاد لم يرو أنه يوجد داع لطرح مصداقية النظام التربوي للدراسة والنقاش ، مما جعل القضية أشبه ما تكون ببركان خامد يثور كلما بلغت الحمم فوهته ثم يهدأ.

3 – هدف التربية والتعليم فى البلد:
وهو أمر غاب في كل مقاربة جىء بها لتحل محل أخرى قرر مخططونا التربويون أنها لم تعد صالحة ، فقد كانت ضبابية الرؤية لدى المنظرين عاملا فى عدم وضوح الأجوبة على أسئلة وجودية من أمثال : من نحن ؟ وماذا نريد ؟ وهي ضبابية عمقها الابتعاد فى تخطيط البرامج التعليمية عن ناظم هذه الأمة ( الاسلام ) لدرجة ان ضارب التربية الاسلامية يساوى الواحد فى المستويات الثانوية وهي غير مقررة إطلاقا فى المرحلة النهائية منها فى حين أن علوم التقدم كلها بلغة أجنبية ولم يبق للغة القرآن سوى أن تبقى فى متاحف التاريخ والفلسفة والأدب.

4 – غياب المتابعة والتأطير:
فى تسعينيات القرن الماضي ازدادت مشاكل التعليم أعلاه بمولود جديد بدأ مع مرور الوقت يكبر مستغلا الإهمال الرسمي للصغار ، ذلك المولود ببساطة عبارة عن غياب أي نوع من المتابعة للجهود التي تبذل سواء كانت جهودا مصيبة تستحق المواصلة أو كانت جهودا هادمة يجب التوقف عنها للابقاء على نبض للحياة في جسد التعليم المنهك بالامراض الفتاكة ، رغم وجود عدد كبيرمن الموظفين يفترض منهم القيام بهذا الدورإلا أن أي شىء لم يحدث على أرض الواقع فقد بقيت مركزية القرار والوسائل لدى المسؤول الاول: المفتش أوالمدير الجهوي اوالمدير المركزي، عقبة كأداء ـ من بين عقبات أخر ـ شلت في أغلب الاحوال من قدرة وفاعلية طاقم التأطيروالمتابعة فباستثناء الملتقيات الصورية التي تهدف إلى تبرير صرف مبالغ مالية بالأساس ، فإن آلاف الأساتذة والمعلمين لم يتلقوا أي دعم تأطيري، ودعك من زيارات المفتشين الآخر ـ سنوية والتي أصبحت لاتعدو كونها مجرد إعطاء الإشارة الإختتام العام الدراسي ـ المختتم فعليا من بدايته ـ وبدء الجزءالثاني من العطلة الصيفية .

دورالمتابعة هذا لم يغب فقط عن الكادر التعليمي فى الأقسام بل أيضا عن المسؤولين على جميع المستويات المحلية والجهوية وحتى المركزية، فعلى المستوى المركزي إضافة إلى غياب استراتيجية واعية للقطاع، فإن بعثات الوزارة التى تجوب البلاد طولا وعرضا بداية كل عام دراسي ليست هي الأخرى إلا مظهرا من مظاهر الفساد الذي ينخر القطاع ، فباستثناء تعويضات
النقل والإقامة لأفراد البعثات فإن حصيلة عملها تبدو هزيلة فى النهاية إذ أن ما تتوصل إليه من معطيات يظل عرضة للتغيير وإعادة التغيير ليتواءم مع ما لدى المفتشيات والإدارات الجهوية من معلومات هي فى النهاية نفس تقارير الافتتاح والاختتام المرسلة إلى الوزارة بدون تكاليف نقل ولا إقامة.

أما المستويات الجهوية والمحلية فهي مشلولة لأنها كالمستوى المركزي تماما لا تملك استراتيجية ثابتة كما أن مركزية القرار السابق ذكرها تجعل عمل مسيري المقاطعات والولايات - إن وجد عمل - شخصيا إلى حد بعيد ، فلكل مدير جهوي رؤيته ولكل مفتش مقاطعة رؤية اخرى تختلف عن نظرة مديره وبالتأكيد فمن حق كل مدير مدرسة أن تكون له رؤيته هو الآخر.

عامل آخر غيب فاعلية التأطير والمتابعة يتعلق هنا بالمستوى المتواضع معرفيا لكثير من المكلفين بالمتابعة و التاطير خاصة خريجي المدرسة العليا للتعليم و التي استطاعت خلال فترة قصيرة ان تختزل المسافة – غير الطويلة أصلا - بينها مع مدارس المعلمين لتعطي ما أُعطيت ولا عيب في ذلك، والامثلة على ذلك كثيرة تشهد لها مسابقات العشرية الاخيرة من عمر هذه المدرسة.

ومن العوامل المسؤولة عن غياب التاطير غياب القيمة المعرفية للتكوين المقدم فى مدارس المعلمين والاساتذة حيث أصبح نزلاء هذه المؤسسات - التى تعلق عليها آمال جسام فى صناعة قادة للتربية والتعليم قادرين باستمرار على الرقي بناشئة الأمة – يصدق عليهم قول الشاعر:
ودخلت فيها جاهلا متكبرا وخرجت منها جاهلا مغرورا
والحصيلة النهائية ان الخريجين من المدارس المهنية لدينا لايمتلكون ما يفيدون به غيرهم بالنسبة للمؤطرين ولا ما ينتزعون به الاستفادة من غيرهم كما هو حال المعلمين والاساتذة.
كل هذه المشاكل تم التعامل معها بطريق التهدئة ، فبمجرد ظهور إحدى المشاكل يقرر قياديو مسارنا التربوي إعطاء مهدئات دون البحث عن حل ناجع، بدت سياسة المسكنات هذه واضحة فى التعامل مع مشكل المصداقية حيث طفق المنظرون حينها يتحدثون عن الميزات والفروق ما بين المدرسة الوطنية ومدرسة النصارى وهو أمر لم يكتب لهم النجاح فيه حتى برز مشكل الهوية
الذي فرض نفسه ونحن ما زلنا فى المدرج، حينها قرر مخططو وزارة التعليم عدم الإقلاع بطائرة التعليم لغاية تغلب الفنيين على الخلل الطارئ، ولخطأ ارتكبه الفنيون لم يتم تحديد قطعة الغيار المناسبة لإصلاح العطب ، فتم استيراد قطع غيار مختلفة حملت أسماء عديدة مرة باسم مقاربة الأهداف، وأخرى بعنوان مقاربة المحتويات ، وثالثة تحت اسم التعليم المزدوج، ومرة حرية اختيار الشعب بناء على العرق أو الاسم أو حتى اللون ... الخ، وبعد محاولات كثيرة من التركيب والاستبدال أخذت علينا وقتا طويلا يساوى أربعة عقود، لم يفلح الفنييون فى تجاوز عوائق الإقلاع المتركبة من العناصر التى اشرنا إليها و أخرى ، رغم ذالك فقد كانت توزع بيانات فى كل مرة تطمئن الركاب وحتى طاقم القيادة أن لإقلاع أصبح وشيكا . وقد أخذ وقت تجريب فاعلية القطع الخطأ هذه وقتا طويلا مما جعل الركاب وكذالك الأكفاء من اعضاء الطاقم يسأمون الإنتظار ويبدؤن التفكير فى إلغاء السفر على هذه الطائرة .

وبهجرة الركاب إلى خطوط أخرى وهروب خيرة أعضاء الطاقم بقيت الطائرة جاثمة على أرض المطار ولم يفكر المخططون فى إعادة الإعتبار إليها إلا مع مطلع القرن الواحد والعشرين وجاءت الفكرة هذه المرة ليس من الفنيين وإنما من السياسين وانضم إليهم الفنييون سريعا وتقوم الفكرة على العدول عن مزيد من استيراد القطع واستيراد هيكل كامل للطائرة لأنه وحده الكفيل ببعث الحياة فيها لأن الماكينة بحالة جيدة حسب تاكيدات الفنيين كما أن الطاقم يتمتع بمهنية عالية حسب السياسيين ، وعليه فليس ثمت من المشاكل قبل الإقلاع إلا الهيكل المهترء والطلاء الذي لم يعد معروفا فى عالم الطيران.

يطل الإنتظار فقد تم استجلاب هيكل سبق وأن استخدم لعدد قليل من الطائرات حول العالم وتم الاستغناء عنه لأنه ببساطة لايساعد على التحليق في الأجواء العليا .
ورغم العيب البين فى الهيكل إلأ أنه وعلى عجل تم تركيب ماكينة الطائرة فيه وطلي بالألوان الوطنية ، فيما سمي حينها بمقاربة الكفايات , غير انه وبعد تجريب هذا الهيكل لأكثرمن عقد من الزمن فإن الطائرة مازالت على مدرج.

أعتقد أن هذه المشاكل إن تمت معالجتها فإنه بإمكاننا توقع نتيجة من عمل التربية والتعليم فى البلد حتى لا تضيع أجيال المستقبل كما ضاع الحاضر والماضي ولأنه لا تمكن استقالة أحد من مسؤولية تتعلق بكيان أمة كالتعليم، فمن الضروري أن يشارك الجميع فى العمل على البحث عن انجع السبل للانطلاق من جديد على سكة سليمة.

عبد الله السالم ولد الخير
كاتب صحفي

الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026