تاريخ الإضافة : 29.06.2008 13:26
أزمة تضارب المصالح بين الساسة والعسكر والحكومة
بقلم . د محمد الحسن اعبيدى.
ما نعيش هذه الأيام ينذر بأزمة سياسية حقيقية قد تنتهي بتقويض التجربة الديمقراطية الناشئة إن لم تؤد لاجتثاثها من الجذور ودخول البلد في دوامة أحكام عرفية وانقلابا
عسكرية لا تنتهي.
طرفا الأزمة وواسطتها
طرفا هذه الأزمة قطب معارضة تقليدية مترقب وعسكريون طامحون وساسة حالمون .
لم يمنع قطب المعارضة المترقب "احتسابه" أن يشيم كل برق ولو كان خلبا وكل غيمة ولو كانت رعودها لا تمطر إلا الصواعق والأعاصير، لا يبالي اتفق طرح خصوم المعارضة الحاليين مع مُثله الديمقراطرية التى يؤمن بها أم اختلفوا تاركا القرار لشيعته الذين لا يذهبون إلا مذهب شيعة آل البيت فى الأحقية بالخلافة.
وبرى العسكريون الطامحون في تصرفات السيد الرئيس الأخيرة خروجا من عهدة الوصاية وشعورا ببلوغ سن الرشد وطموحا للتصرف الحر في الملك أو بعبارة أخرى تنكرا لصاحب الفضل ، بدأت الأفعال تترجمه وإن لم تُبن عنه الأقوال حياء.
أما صغار الساسة الحالمون الذين تربوا في محاضن الحزب الجمهوري - الذى أفل نجمه قبل أن تكتمل مدة الحضانة تحت سطوع أشعة شمس انتفاضة الثالث من اوت الحارقة فتبناهم عسكريو هذه الانتفاضة ووفروا لهم بعض ما فقدوه من حنان الأبوة ورعايتها - فإنهم حَلِموا بالقرب من البلاط بعد أن استخلف العسكريون رئيسا ظاهره منتخبا وباطنه موصى له حسب التعبير الشيعي أوعليه حسب المصطلح السني .
وفجأة اكتشف صبية السياسة بعد تشكيل حكومتين فى عهد الرئيس المنتخب أن حالهم أشبه بالذي استيقظ من حلم فاستدل به كل من سمعه منه على سوء مزاج ليلته وعلى سوداوية سيصاب بها فى المستقبل القريب .
واسطة الأزمة
واسطة الأزمة : حرس سياسي قديم ألِف مرابع القصر الرمادي ومعاقرة الندماء فى جنح الظلام تحت شجيراته وداخل غرفه ذات الألوان الخافتة والأجواء الدافئة والتمتع فى أشهر الصيف ببساتينه الفواحة ومائه الفياض وظله الظليل ، لا تزيده أيام البعاد ولياليه إلا حنينا وشوقا على شاكلة قول الشاعر:
ولم يدر إلا الله ما هيجت عشية آناء الديار وشامها. وحين تأخذ سيارة أحد أفراد هذه الجماعة منعرج القصر يترنم مع الشاعر الأندلسي أبياته المشهورة:
يا أهل أندلس لله دركم ماء وظل وأنهار وأشجار.
ما جنة الخلد إلا في دياركم وليس تدخل بعد الجنة النار.
وارى سوأتك أيها المتلوّن
وكفى ذلك إصلاحا
ما لا يجب أن يغيب عن أذهان المواطنين أن من يرفعون عقيرتهم اليوم ضد مشروع حكومة الوزير الأول يحي ولد محمد الواقف "التوافقية" هم أصحاب منطق معوجٍ ورؤية أحادية تغالط المواطن وتقلب له الحقائق وتتناقض مع ذاتها فى الوقت نفسه .
فمن المفارقات الغريبة أن من يقف اليوم في وجه حكومة المشاركة السياسية "الموسعة" هو من كان ينادي بالأمس القريب بإقالة حكومة الوزير الأول السابق السيد الزين ولد زيدان لأنها في نظره لا تمثل الأغلبية ولا الانفتاح السياسي الذي ينتهجه الرئيس المنتخب منذ تنصيبه.
ومع أن هؤلاء نُزّع من طوائف مختلفة فإن لهجات مطالبهم لا تختلف وإن تنوعت لغة النطق فى مفاهيمها و مصطلحاتها ‘ ففى الوقت الذى يطالب فيه البعض السيد الرئيس بإقالة الحكومة لأن فى تشكلتها بعض رموز النظام السابق ، يصرح البعض فى الفضائيات الدولية أن الحكومة لا تمثل الأغلبية الداعمة للرئيس وأن هذا التوسع الذى أتى بمن لا يتفق معها فى المرجعية الفكرية ليس مطلبا لهم وهذه هي الحقيقة وراء تحركات كل الأطراف إذ ضاقوا ذرعا بالمعارضة الناصحة داخل دوائر صنع القرار.
ومعنى هذا أن كل حكومة سياسية لم تفصل على مقاس الناطق باسم مجموعة حجب الثقة ولم يجد فيها نفسه أو جهته بالمفهوم الضيق هي حكومة عودة للمربع الأول.
وأحسب أن المواطن شاهد المؤتمرات الصحفية وقرأ بيانات ومقالات منتقدي الحكومة الحالية وعرف مقاصدهم وأهدافهم من لحن القول «ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم بلحن القول».
فلن تلتبس ولن تنطلي عليه حيلهم مهما حاولوا إخفاءها والخروج في جلباب الواعظ المتبتل في محراب الديمقراطية والقوى الدافعة نحو التغيير والأفضل.
فاين كنت أيها الواعظ المرشد فترة انسداد الأفق في الحقبة الطائعية ألم تكن وزيرا أو مديرا أو مستشارا أو صاحب مؤسسة إعلامية؟ تعتاش من ريع المال العام أو ناشطا في الحزب الجمهوري؟ حين كان الحزب الحاكم ثم بعد أن تحول الحكم عن هذا الحزب انتجعت مع المنتجعين ‘ فإلى متى ستظل منتجعا و جزاك الله خيرا استر نفسك وتوارى عن الناس وكفى ذلك إصلاحا ومحاربة للفساد.
العسكر والطرْف الخفي
حذر قبل سنة شيخ المعارضة "المحتسب" من خطر ديمقراطية العسكر المحروسة بالحراب و تدخله في مؤسساتها لشل عملها إن خرجت عن خطه ولم تسر بخطى عرجاء خلفه حذو النعل بالنعل ومن ثم الانقلاب عليها المباشر وغير المباشر باسم الديمقراطية و حراستها بالحراب كما في النموذج التركي.
ولعله الشيخ اليوم يتذكرما حذر منه فى ظل شائعات إيماء العسكر له بطرْفٍ خفي ربما للتكفير عما اقترفوه فى حقه أو لتوريطه كما ورطوا سلفه‘ لسان حالهم يقول :
فأومأت إيماء خفيا لحبتر فلله عينا حبتر أيما فتى
وعهدي به حذرا من ديقمراطية العسكر المسيجة بحرابهم أم أنه يصغى هذه الأيام للشيخة المعلومة وهي تتساءل مع نزارقباني قائلة :
أتراها تحبنى ميسون أم توهمت والنساء ظنون .
كم رسول أرسلته لأبيها ذبحته تحت النقاب العيون .
ياابنة العم والهوى أُموي كيف أخفى الهوى وكيف أبين.
لكن المقام والحال والسن والعمر والفتن، أنسب لها إنشاد المختار ولد الميداح شعر ولد أحمد يوره:
أطعت العواذل خوف الجفا وخوف الحشيشة أن تنتفا
وصنت الدموع لدى أربع بواد الأراك وواد السفا.
أيها العسكري عُد
إلى ثكنتك مشكورا
حري بالعسكر وقد أراد رفع الحراب في وجه من ذاد بها دونه أن يتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب وقد أراد شراء فرس أهداها "لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم فإن العائد بهبته كالكلب :::".
وإن أبوا إلا التعجل في أمر لهم فيه أناة ، عليهم أخذ مشورة فقيه من فقهاء السلاطين في حكم أخذ الأب لهبة أعطاها لابنه المستماة بالإعتصار.
ولو استقبل من أمره ما لم يستدروا بعد لما أبط صدقته بمَنّ ولا أذى ولعاد إلى ثكنته مشكورا معززا كي لا يفسد ما بنى من سمعة واحترام بين شرائح واسعة من المواطنين ساسة وبسطاء .
ولمنح المواطنين الزمن الكافي للحكم على تعايش الفصائل السياسية الذي تمثله الحكومة الحالية والتي و إن ضمت بعض رموز الفساد -حسب تعبير البعض- فإنها بها أشخاصا قمة في الإصلاح عانوا في سبيله مرارة السجن والتعذيب والتشريد وظل خطابهم السياسي صدى لآلام المواطن ومعاناته ، لا يعرفون المداهنة ولا يخافون لومة لائم.
وأحسبهم كذلك أنهم ماضون في هذا المهيع ولو جلسوا على الطاولة مع المفسدين وأكلوا من موائدهم ، هدفهم نبيل هو التأثير بأسلوب وطرق التسيير والتعفف عن المال العام ومصارحة المواطنين عند العجز أو الإصطدام بفساد أكبر لا يمكن تغييره.
فالأجدر أن تأجل الانتقادات والاعتراضات إلى حين مباشرة الحكومة في تنفيذ خططها وبرامجها التي لا شك أنها تنبع من المواطن وتستجيب لرغبته في التنمية والبناء، إذ هي أول حكومة تشرك أشخاصا عرفت مسيرتهم النضالية بالصدق والإخلاص في خدمة المواطن والدفاع عن حقوقه بكل الوسائل وفي كل المحافل.
فمن حقها على المواطن أن يحفظ لها العهد ويعترف لها بالفضل وينتظر منها تحقيق ما كانت تبشره به وهي خارج مراكز التنفيذ بعد أن دخلتها.
ومن الإنصاف أن نفسح لها المجال وألا نجهض مشروعها الإصلاحي وهو عالق في رحم الأفكار والتصورات إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره.







