تاريخ الإضافة : 22.11.2011 13:26

فضيحة الحج.. المشكلة والحل!

بقلم: عبد الرحمن المصطفى

بقلم: عبد الرحمن المصطفى

إنه لمن العار حقيقة أن تكون في غير وطنك، وأفعال مسئوليه تنكس رأسك، وتقلب كل موقف إيجابي يمكن أن تقوم به أو غيرُك إلى رماد في مهب ريح!
أعلم بادئ ذي بدء أن الموضوع الذي سأتحدث عنه قد قيل فيه مالا يحصى من الكلمات الدامعة والحجج الدامغة، ولكن إن أندى لصوت أن ينادي داعيان.
إن الفضيحة الدبلوماسية التي "تلتزم" بها سلطات بلدنا الحبيب على مرأى ومسمع من العالم كل سنة في أفضل وأقدس مكان على الإطلاق، لحري بها أن تؤرق الغيورين على هذا الوطن المسكين.
إن ما يشاهده الحجاج ويذوقونه من الأتعاب خلال موسم الحج ما هو إلا ربع العشر من تلك الفضيحة المتراكمة التي يشارك فيها التجار والإداريون والفقهاء، تبدأ من وصول البعثة إلى المملكة العربية السعودية قبل رمضان، ولا تنتهي إلا بمغادرة آخر حاج من الحجاج الموريتانيين السعودية، والذين غالبا ما تكون حجوزاتهم متأخرة إلى ما بعد التاريخ المحدد من قبل السلطات السعودية لخروج الحجاج.
لقد أصبح من المعروف للأسف أن بعثة الحج الموريتانية – خلافا لكل بعثات الدول الأخرى – تأتي لتبحث عن "عمولة التأجير" لا عن المكان والزمان المناسبين، فالمؤثر في العقد والطرف الثاني هو "كم سيدفع"، هذا ما حدثني به أكثر من واحد من أصحاب الفنادق التي تؤجر للحجاج، ومن الطبيعي أن يكون نتاج ذلك هو عدم انضباط سكن الحجاج وقتا ومكانا، كل عام! فضلا عن مشاكل النقل والتنظيم والرعايتين الصحية والتوجيهية!
إن الفضائح المتتالية في الحج تتحمل مسئوليتها الدولة الموريتانية بالدرجة الأولى، والبعثة بالدرجة الثانية، فالدولة الموريتانية لم تكلف نفسها عناء البحث عن الأكفأ، فقد سحبت موضوع الحج من الجهتين الأقدر على تسييره، وهما الخارجية والداخلية، لما في الأولى من دبلومسية "مفترضة"، تدفعها إلى الحرص على المظهر اللائق ما أمكن، ولما في الثانية (الداخلية) من صرامة إدارية مفترضة تثبت فيها هيبة الدولة، ولو قليلا من الزمن!
أما البعثة الرسمية للحج، فما إن تطأ أقدام أعضائها أرض السعودية حتى يكونوا "عينا بيضاء"، لا يرون إلا لماما، وسكنهم خارج السكن الرسمي للحجاج، ويبقى أفضلهم من لا يتهجم على من ذكّره بقليل من حقوق كثيرة عليه للحجاج!
إن الوضع المأساوي الذي يتعرض له حجاجنا كل سنة يتطلب – أدبا مع شعيرة الحج – وقفة حقيقية ومحاولة جادة لمنع تكراره، فليس من المعقول أن يعطي الحاج ماله الذي حصل عليه بشق الأنفس، ويصور له وضعه في السعودية على أنه جنة الله التي اختارها لعباده، ثم ما إن يصل حتى يسجن في المطار ساعات عدة لأن البعثة لم تستأجر له مكانا معينا، أو لأنها اتفقت مع الطرف الثاني على وصول الحجاج بعد التاريخ الذي وصلوا فيه، أو لأن المندوب رجع إلى موريتانيا قبل تفعيل العقد من قبل وزارة الحج أو.. أو..، وإذا أتى الله بالفرج وخرج الحاج من المطار تستقبله مشكلة السكن فهو مليء بالموريتانيين التجار الذين لا علاقة لهم بالحجاج، يضيقون الطرق، ويُنتنون الممرات بالأطعمة التي لا تراعي أبسط مقومات الصحة العامة، يتحول معهم الفندق من فندق خمس نجوم إلى مكب للنفايات، تماما كما يفعل أهلهم في شوارع كبيتال! وإن شكوت إلى أحد من أهل البعثة، رد عليك بجواب بليد شفيق لا يميز بين الحق وما ألبس بالباطل " هؤلاء موريتانيون".. وكأنك تسأله عن جنسيتهم! نعم موريتانيون ولكنهم لم يدفعوا كما دفع هؤلاء.. ولم تلتزم الدولة راحتهم كما التزمت لهؤلاء!
أما مشاكل نقل الحجاج، خاصة مشكلة النقل في هذا العام، فتلك فضيحة أخلاقية قبل أن تكون خدمية أو إدارية..دولة لا تستطيع أن توفر عشر باصات لنقل حجاجها!!
ثم في المشاعر "منى وعرفات ومزدلفة" تتكرر مأساة الانضباط والمسئولية، طرق مزدحمة ومبللة ومداخل مكب للنفايات المبللة، رائحتها تزكم الأنوف، ومنظرها يدفع إلى التقيؤ، ويملؤ ردهات المخيم بعد ذلك ضجيج لا يعرف ليلا من نهار! وهو ما يدفع كثير من الحجاج إلى "اللجوء" إلى المخيمات الحضارية المنظمة، مثل مخيمات الصومال وجيبوتي وجزر القمر – جيراننا الرسميين - !
إن حل إشكال الحج يحتاج إلى مستوى من الوطنية تتناقص فيه صفة الجشع لدى المسؤولين، وأول خطوة في الاتجاه الصحيح هي اقتناع الدولة الموريتانية بأن الحج ليس "شعيرة إسلامية" يجب أن تقوم بها الوزارة المعنية، بل هو موسم إداري خدمي تمثيلي، لا يبحث عن مسير له في أروقة الوزارة المهترئة التي وُكل إليها رعاية المشاعر الإسلامية، كإفطار الصائم ومسابقة القرآن السنوية، بل يبحث عنه في كل أجزاء الدولة، في الحكام والولاة والمدراء والمسيرين، فالمواعظ وحدها لا تلبي حاجات الناس، والفقه ليس وحده دليلا على صلاح الرجل للمهمات الصعبة!
وحتى لا يكون كلامي ملقىً على عواهنه، أرى أن الحل الأفضل لمشكلة الحج هو أن تتحول البعثة الرسمية – بعد اختيار أعضاء أكفاء – إلى جهة رقابية وإشرافية، ويعطى الحج للشركات التجارية ( الوكالات)، مع وضع رقابة صارمة عليهم، واقتطاع 15% مثلا من جميع ما سيأخذونه من الحجاج، ولا يرد لهم إلا بعد ثبوت تقديمهم لأقل ما هو ممكن للحجاج، ويقطع منهم كل المبلغ أو جزء منه في حال أخلوا بالعقد الذي يجب أن يكون موقعا بين الشركات وكل حاج – مثلا – ويكون عند الحاج نسخة منه وعند الوكالة أيضا وعند الجهة الرقابية الإشرافية! فالتجار سيحرصون على تقديم خدمة معقولة للحجاج، نظرا لعامل الربح والبحث عن الزبون، بينما الدولة إنما تقدم ما تقدم، وفي مخيلة المسؤول أنه إنما يعطي خدمة لا أقل ولا أكثر! وهذا ما حضرت شخصيا لجزء منه، حين قال أحد أعضاء البعثة – والناس يهمون بالذهاب إلى عرفة، وقد ازدحم الناس على الباص – قال لهم بالحرف الواحد "الباص باصي أنا.. ومن أردت إركابه فهو الذي سيركب!!"
وفي الأخير فإنه لا يجوز أن تمر هذه المآسي دون عقاب وإنذار، وإلا اعتبر تشجيعا لمثل هذه الأفعال الخسيسة! فلما ذا لا تسأل الدولة عن مبلغ 500000 ريال سعودي، قيل إنها هي عمولة حج هذا العام من إسكان المدينة المنورة فقط! وللمفارقة، فهو نفس المبلغ الذي طلب صاحب العمارة لكي يترك الحجاج في الفندق حتى الخامس من ذي الحجة!!

الرياضة

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026