تاريخ الإضافة : 21.11.2011 13:11

سعيد .. من عذابات العبيد بالريف الي مقاعد الدرس بالعاصمة

الطفل سعيد بعد سنة من التحرر من العبودية

الطفل سعيد بعد سنة من التحرر من العبودية

أمام منزل متواضع بحي الرياض الواقع جنوب العاصمة الموريتانية نواكشوط يجلس الطفل سعيد وهو يراقب لعب الأطفال بالكرة بعد أن باتت من اهتماماته بعد سنوات قضاها خلف أخفاف النوق بمراعي لبراكنة مع أسياده السابقين..

سعيد (14 سنة ) ولد في ضواحي قرية لمدن ( مسقط رأس رئيس البلاد السابق) لوالدته (السالكه) بينما يقول الناشط الحقوقي بيرام ولد أعبيدي إن السؤال عن والده يعتبر إساءة ليس له وحده ولكن للأرقاء السابقين الذي يعيش أكثر من 60% منهم دون أن يعرف والده بفعل السلوك الذي فرضه الأسياد في موريتانيا.

عاش "سعيد" طيلة سنواته الماضية راعيا للإبل مابين "بوحديده" و"لمدن" و"ألاق" محروما من التعليم، مستكفيا بقليل من اللباس بعيدا عن أحضان الوالدة، خادما لأسياده دون راتب، مستمتعا بشقاء فرضه البيض عليه مع آخرين كثر من أبناء العبيد والعبيد السابقين.

يقول "سعيد" إنه كان يشعر بمرارة دائمة وهو يري أقرانه من البيض في المدارس المجاورة يعيشون ظروفا وصفها بالمعقولة، بينما يبيت ليله يتقلب في صحراء لبراكنه وأوديتها راعايا لقطيع من الإبل لا ناقة له فيه ولا جمل.

فكر سعيد مرارا في الفرار من الجحيم الذي يعيشه، لكن إلي أين؟ وكيف؟

كانت كل الدروب مسدودة أمامه، فأمه تزوجت وغادرت المنطقة وأخوه الصغير بات عامل منزل لدى أسرة أسياده السابقين ولما يتجاوز الثالثة من عمره، والقرى المجاورة له لا مكان فيها للآبقين الجميع منسجم مع أسياده هكذا اقتضت أعراف المجتمع وهكذا كان على سعيد أن يعيش الي إشعار جديد.

السادس عشر من ابريل 2011 كانت بداية التحول في مسار الطفل الباحث عن أحلام جديدة، وواقع جديد رغم ما جره القرار من مشاكل له ولأسرته وللمدافعين عنه من الحقوقيين رغم النهاية السعيدة للملف كما يقول..

وصل سعيد ليلة السادس عشر من ابريل 2011 الي خالته السالمة حارسة أحد أعمدة شركات الاتصال المنتشرة بالأراضي الموريتانية وتحديدا قرب قرية "لمدن"، وأثناء حديثه معها أخبرها برغبته في الفرار من قبضة "البيظان" لكن مخاوفه من إحباط مخططه دفعه لتأجيل القرار.

كانت "السالمة" قد عقدت العزم على إبلاغ الحقوقيين بحاله وتحديدا ممثل نجدة العبيد بلبراكنه الذي حضر الي المكان على الفور مع رئيسه بيرام ولد الداه ولد أعبيدي لمعاينة الطفل القاصر والاستماع إليه، قبل أن يقررا سويا التوجه به الي نواكشوط مع "السالمة" لتقديم شكوي من أسياده السابقين أمام مفوضية القصر مستفيدين من قانون تم تمريره في تسعينيات القرن الماضي يجرم تشغيل الأطفال القصر ويعاقب مرتكبي الفعل الشنيع.

في مقر "افوناد" بنواكشوط كان أول لقاء لسعيد مع الصحفيين ليروي قصته، كان شاحب الوجه مبعثر الشعر، حمل جسمه النحيل من الأوساخ مالم تحمله أخفاف الإبل من طين بحيرة ألاق .

سعيد مع خالته بمقر "افوناد" في أول ظهور له بعد فراره من قبضة أسياده

سعيد مع خالته بمقر "افوناد" في أول ظهور له بعد فراره من قبضة أسياده

كان مرتبكا وخائفا، ورغم ذلك تحدث بمرارة عن تعرضه للضرب والتجويع من قبل أسياده والزج به في صحراء لبراكنة راعيا للإبل ولما يبلغ العاشرة من عمره شأنه شأن خاله وأمه وأخيه.

تحدث الطفل سعيد أمام كاميرات الصحفيين عن التجهيل المفروض عليه وعن رغبته في إنهاء وتحرير بقية أفراد أسرته من قبضة الأسياد وتعويضه عن الفترة السابقة رافضا أي مسامحة لمن أهانوه.

دخل "سعيد" مسارات قضائية متعددة، وسانده حقوقيون كثر واعتصم البعض لإجبار السلطة علي اعتقال أسياده وتعويضه عن العبودية التي خضع لها عدة سنوات.


في الخامس عشر من نوفمبر 2011 التقينا فجأة بـ"سعيد" في مقاطعة الرياض على هامش نشاط حقوقي وكانت المفاجئة كبيرة ..

تحدث "سعيد" بارتياح لظروفه الحالية بعد أن عرف طريقه للمدرسة لأول مرة وبات تلميذا في إحدى المدارس الحرة بمقاطعة الرياض مع أخيه ونجل رئيس المبادرة الإنعتاقية بيرام ولد الداه ..

شعر "سعيد" بمرارة وهو يسمع تندر الأطفال عليه لسنه التي قاربت الخمسة عشر ولما يتجاوز صاحبها السنة الثانية ابتدائية ، لكنه تكيف مع الوضع ولم يعد يجد غضاضة في أن يبلغ منتقديه بأنه ضحية لظلم مورس عليه والآن بدأ يعرف طريقه إلي الحرية..

وعن مستقبله قال "أنا واثق من أن التجربة السيئة التي عشتها ستكون أكبر دافع لي لأساعد الآخرين وتحديدا من العبيد الموجودين في آدوابه أو تحت قبضة الأسياد. لا اعرف بالضبط العمل الذي سأعمله لكن عموما سيكون لصالح العبيد .

وعن علاقته بوالدته قال سعيد "لقد زرتها أكثر من مرة، وكلما زرتها أجهشت بالبكاء لاندفاعها في الدفاع عن أسيادنا السابقين، تصور أنها قالت للقاضي بأنها أجرتني لهم بمبلغ 30 ألف أوقية".

وعن وجه استغرابه قال "هي لا تدرك أن تأجير القصر أيضا مخالفة قانونية قد تدفع هي ثمنها بينما لم تتسلم في حياتها منهم راتب شهر واحد، بل كنت أنا وأخي مجرد عبيد يمتهنوننا وكانت هي محرومة حتى من رؤيتنا لأن أغلب الوقت نمضيه في الريف".

يرى "سعيد" أن الفرق شاسع بين "عبيد الريف " و"عبيد المدينة" وأنه اكتشف كيف أن الأسياد غير معترف بهم في العاصمة، بل يحتقرونهم في كثير من الأحيان . أنا لا أحتقر أحدا لكنني لن أرضي بعد اليوم أن أعود إلى الظلام الذي غادرته بمساعدة الأخ بيرام ولد أعبيدي ..

وعن موقفه من الأخير يقول " لن أنسى جميله ولن أنسى ما قدمه في سبيل تحريري أنا وأخي، والتكاليف التي يتكلف لنواصل دراستنا الآن جنبا إلى جنب مع أبنائه كما ترى الآن".

مع قرب تباشير الاستقلال كان سعيد قد ضمن حكما قضائيا لصالحه يؤكد تعرضه للعبودية بأبشع أنواعه بعد أن حكمت جنايات نواكشوط بسجن سيده السابق سنتين وتغريمه خمسة ملايين ، كما حكمت بالسجن غير النافذة علي مسترقات أخيه.

يري سعيد أن الحكم بداية جدية وخطوة هي الأولي من نوعها بموريتانيا لكنه يأمل المزيد لذا قرر مع محاميه استئناف الحكم لضمان صدور حكم رادع لمن يمارس العبودية بموريتانيا متجاهلا كل القوانين..


---------------------------
سيد أحمد ولد باب/ كاتب صحفي
Ouldbaba2007@gmail.com


المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026