تاريخ الإضافة : 13.11.2011 08:55

! محمد ... والحلم الضائع

بقلم: محفوظ ولد السالك
Mahfoudh_saleck@yahoo.com

كانت الشمس مائلة نحو الغروب مؤذنة باتشاح قناعها الأسود ، حين عاد " محمد " إلى منزله بعد أن أخذ منه التعب والنصب والمخمصة بسبب طول الجلوس على حافات الطرق ، عل الغادي أو الرائح يجود عليه بدريهمات تساعده على تجشم صعاب الحياة ، لكن السماء توانت أن تمطره هذا اليوم ولو بقطرة ، لذلك فقد اصفر وجهه واربدت شفتاه ، ورفرف طائر العبوسة على وجهه ، لأن له صغار ينتظرون قدومه بما يقيهم شر المبيت على الطوى .

لكنه " رضي من الغنيمة بالإياب " فعاد إلى المنزل ويداه فارغتان إلا من ظلال تعيش بغير نبض ، لاحظ الصغار أن والدهم لم يأت بشيء لذلك لم يحاولوا إحراجه ، فعم البيت صمت رهيب ، وخيم حزن ووجوم كبيرين على الوجوه ، وكاد الجميع أن يبيت على الطوى ، لولا بقايا طعام منحوهم إياه الجيران أكله الصبية فعاد إليهم بريق سعادة وناموا ، أما " محمد " فنام وشك كبير يساوره حول ما إذا تكررت نفس الحادثة يوم غد.

ما إن أخذت " محمد " سنة من النوم حتى زاره طيف من الأحلام ، فبدلت ـ في عينيه ـ الأرض غير الأرض والسموات كذلك ، فاختال وفخر وفرح كثيرا بأن وطنه شهد تطورا كبيرا على جميع المستويات.

ـ 1 ـ

رأى " محمد " في منامه أن أغلال الفقر المدقع التي كانت تصفده وطبقة كبيرة من المجتمع الموريتاني قد كسرت ، وأصبح الجميع يتقلب في أعطاف عيش ناعم ، وأن أحياء الصفيح التي كان يقطن بها العديد من ساكنة العاصمة ، قد تحولت إلى أحياء راقية ، وأن شبح البطالة الذي كان يخيم على العديد من الشباب ، قد تبدد بفعل خلق الكثير من فرص العمل في جميع المجالات.

كما رأى أن المتسولين والمعاقين تم إدماجهم في المجتمع وأصبحوا منتحين ، يقدمون خدمات تتماشى ووضعياتهم ويتقاضون أجورا تكلؤهم من عاديات اللجوء إلى الآخرين ، وأن جميع الفقراء والمعدمين قد خرجوا من بحبوحة الفقر إلى شرنقة الرخاء ، وأصبح البلد يجني ثمار خيراته الاقتصادية الهائلة ، وينعم بحسن تسيير كبير ، وأصبح للمشاريع التنموية الكبرى وجود على أرض الواقع ، بعد أن كانت لا توجد إلا على الأوراق أو على ألسنة المسؤولين التي لا تزال رطبة من ذكرها.

كما شهدت أسعارالمواد الغذائية انخفاضا كبيرا يتماشى ودخل المواطن البسيط ، وصارت ظروف العيش مواتية للجميع ، وأصبحت الزبونية والمحسوبية لا محل لهما من الإعراب ، وأعطيت أهمية كبيرة لأصحاب الكفاءات الذين كانوا مهمشين بفعل قوة ونفوذ المتحكمين في زمام الأمور ، وبذلك أصبحت لموريتانيا مكانة مرموقة ليس فقط على مستوى المحيط العربي أو الإفريقي ، وإنما على المستوى العالمي ، فباتت بذلك قائدة بعد أن كانت مقودة ، وظل صوتها مسموعا بعد طول صمت بسبب الإبحاح.


ـ 2 ـ

وواصل الحلم اتساعه ليصل مجال التعليم ، حيث أصبح بمقدور أبناء " محمد " الجلوس على مقاعد الدرس مع أترابهم من أبناء الأغنياء ، بعد أن كانوا يجلسون في قاعات درس آيلة للسقوط ، وعلى حصائر لا تقي أجسامهم النحيلة لسع البرد ، أما الأبواب والنوافذ فتصدر لهم زمهرير الشمس ، والغبار والأوساخ التي تحملها الرياح معها في الأيام العاصفة. وصار هؤلاء لا يجدون حرجا من الدراسة مع أطفال الميسورين نتيجة لثيابهم المرقعة أو بسبب عدم انتعالهم ، أو لغياب وسيلة نقل توصلهم ، إذ أصبح الجميع سواسية ، يلبسون نفس الملابس ويركبون نفس وسيلة النقل.

وأعطيت أهمية كبيرة للمحاظر وشيوخها وطلابها ، كما رأى " محمد " في منامه أن موريتانيا أصبحت قبلة للطلاب من جميع أصقاع المعمورة بسبب الوضع المتقدم الذي أصبح يتمتع به التعليم في البلد ، حيث أصبحت كل ولاية موريتانية تتوفرعلى جامعة ومعاهد ومدارس ومحاظر ... وأصبح البحث العلمي جد متقدم ، ونهضت المكتبة الموريتانية من الخمول الذي كانت تعاني منه وصارت موريتانيا " بلد الصفر أمي " .

فازدادت سعادة " محمد " وأيقن أن مهد الشقاء الذي ولد هو فيه ، وجحر البؤس والآلام الذي ترعرع فيه سيتجنبه أبناؤه لأن زمن أنين الفقراء الضائع ودموعهم غير المرحومة قد ولى ، وأن عيشهم لم يعد سكرات الموت حتى يموتوا ، ولم يعد موتهم مككرا ، ولم يعد بالبلاد من يخيط ألوف الألبسة ولا يلبس إلا جلده ، بل على العكس من ذلك عم الرخاء وسادت العدالة الاجتماعية ، وأصبح للجميع حق في التعليم.




ـ 3 ـ


وظل تيار أحلام " محمد " يواصل مسيره ليمر هذه المرة بالوضع الصحي ، إذ بات بإمكانه ولوج المستشفيات مرفوع الرأس ، لا منحني الجبهة ينتظر من يجود عليه بمال يشتري به الدواء ، كما لم يعد الأطباء يجدون غضاضة في عدم إجراء عمليات جراحية ل" محمد " وأمثاله من غير الميسورين ، ولم يعد الأطباء كذلك يزورون المستشفيات العامة فقط في الأوقات التي تخلو فيها عياداتهم الخاصة ـ والتي لا يعرف لها الفقراء بابا ـ من زائر.

كما رأى " محمد " كذلك أن الأوضاع الصحية قد تحسنت وصارت سيارات الإسعاف تلج الأحياء الفقيرة ، لتقل المرضى هناك على متنها ، بعد أن كانت تسعفهم سيارات الأجرة.

أما المدن الداخلية فقد ظلت تعج بالمستوصفات وصارت الأدوية تباع بأثمان في متناول الجميع ، ولم يعد نصيبها من الأطباء عاثر، كما أن الطرق هي الأخرى شهدت تطورا كبيرا ، ولم تعد زخات المطر القليلة تعرقل حركة المرور بالعاصمة ، إذ أصبح الصرف الصحي منتشرا بكثرة ، وفكت العزلة عن المدن الداخلية فأصبحت الطرق معبدة ، والمواصلات متوفرة ، ولم يعد المصاب بالمرض الذي يحتاج إلى التوجه إلى مستشفيات العاصمة يمضي الأيام الطوال قبل الوصول ، مما قد يتسبب له في الموت أو في مضاعفة المرض بسبب طول الطريق ورداءته ، فأصبحت القطارات منتشرة بكثرة مما قرب المسافات ونوع في وسائل النقل.

هكذا رأى " محمد " في منامه الوضع الذي صارت عليه موريتانيا من رقي وازدهار وتطور ، فاغتبط وسر كثيرا ، وأيقن أنه لن يعود إلى التسول قط ، وأن الفقر لم يعد له مقام ، لكنها لم تكن سوى سويعات قضتها نفسه وهي ترتع في بساتين أحلام غناء وتتفيأ ظلالها الوارفة ، إذ سرعان ما استيقظ في الصباح ليجد الوضع لا يزال يراوح مكانه ، وأيقن أن أغلال الفقر لم تكسر عنه إلا خلال النوم ، حيث لم يجد ما يشتري به الفطور لصغاره ، وما يشتري به لهم أقلاما ودفاتر وملابس ... فتأكد من أن الأمر لم يكن سوى سراب بقيعة حسبه ماء من شدة الظمأ ، فضاعت أحلامه ، وعاد إلى مهنته القديمة تارة يجد بعض الأواقي وتارات أخرى يعود بخفي حنين.

المناخ

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026