تاريخ الإضافة : 01.11.2011 18:02

نوفمبر.. الجزائر وموريتانيا.. وعلاقات الفرص الضائعة

بقلم: باب ولد أبات

بقلم: باب ولد أبات

يحمل نوفمبر بالنسبة للجزائر وموريتانيا معان ورموز كثيرة... ففيه تحرر البلدان من نير مستعمر متغطرس غاشم، وبدأ مشروع الدولة الوطنية في كل منهما يدب على قدميه، وسط ظروف شبه المنطقة والعالم وما ينجر عن لعبة التوازنات الدولية من إكراهات ورهانات، وما تغري به من مصالح وأهواء وما تكبح وتعيق من تطلعات وطموحات.

والذي لا يختلف عليه اثنان -الآن- هو أن علاقات البلدين ليست على ما يرام، وأنها لم ترق يوما إلى مستوى ما يفرضه ما يربطهما من تاريخ وجوار ووحدة دين ودم وثقافة وشراكة هم ومصير، ناهيك عن محفزات التكامل الاقتصادي والتكاتف من أجل التنمية، وباختصار يمكننا وصف هذه العلاقات بأنها ظلت دوما علاقات فرص لم تستغل ومشاريع لم تكتمل.

في هذا اليوم الفاتح من نوفمبر، تخلد الجزائر أعز ذكرى في تاريخها المعاصر، ذكرى اندلاع ثورة تحريرها المجيدة قبل سبع وخمسين سنة، وهي الثورة التي ضحت فيها بما يربو على المليون من خيرة فلذات أكبادها كي تتحرر ويتحرر من بركتها شعوب أخرى كثيرة في إفريقيا وخارجها، وبها سوف تستحق عن جدارة لقب بلد المليون شهيد.

وبعد أسابيع قليلة من ذلك، في الثامن والعشرين من نفس الشهر، ستحتفل موريتانيا بالذكرى الحادية و الخمسين لاستقلالها، بعد مقاومة ثورية أيضا لكن على طريقتها، مقاومة كان البعد الثقافي هو الطابع الغالب عليها من خلال مقاطعة المستعمر ثقافيا، وإن كان ذلك لا يعني غياب مقاومة مسلحة أبدت الكثير من صور البسالة والتضحية والفداء. لكن مقاومتها الثقافية كانت الأبرز والأكثر فاعلية وربما بفضلها استحقت لقب بلد المليون شاعر. وبين شهيد الجزائر وشاعر شنقيط، إضافة إلى حرف الاستهلال رمزية حبلى بالدلالات، فبقدر ما يرمز الشهيد لقمة التضحية بولوج طريق العنف الثوري، يرمز الشاعر لقمة العطاء على سبيل الخلق والإبداع الثوري أيضا...
كان من المفروض بعد استقلال البلدين أن تتواكب فيهما ثورتان جديدتان مشتركتان من أجل الرقي والنمو، وأن تتضافر جهودهما في سبيل ذلك وحده، وقد حصلت محاولات لشيء من ذلك ولكنها انطبعت دائما لدى حكومتي البلدين بطابع الظرفية والتكتيك أكثر من الديمومة والإستراتيجية.

إن نظرة على الوضع الجيو- استيرتيجي للبلدين تبين أنهما محكومان بالتكامل ومصيرهما مرهون بتنسيق واندماج خطط التنمية في مختلف أبعادها الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية...

يمثل البلدان بمساحتيهما لوحدهما ثلاثة أرباع مساحة المغرب العربي، وهي مساحة تمتد من نهر السنغال في الجنوب، إلى البحر الأبيض المتوسط شمالا، ما يعني شساعتها واشتمالها على أقاليم مناخية مختلفة وهو ما يقتضي تنوع المحاصيل الزراعية والأنواع الحيوانية، وبالتالي تكاملا اقتصاديا سلسا ومفيدا.

أفلا تعاني الجزائر من نقص في اللحوم في حين تعتبر موريتانيا من أغنى بلدان المنطقة باللحوم بريها وبحريها؟ فما لذي يبرر غياب سياسة تنسيق وتكامل تمول بموجبها الجزائر من عائدات محروقاتها مشاريع تنهض بقطاع الرعي والصيد في موريتانيا على أن تسد حاجتها من اللحوم بفضل تلك المشاريع ومن سوق قريبة وآمنة وغير مكلفة، كل ذلك يتم بأسعار تفضيلية وامتيازات استثمارية وتجارية.

أليس البلدان من أكبر منتجي التمور في العالم كما ونوعا؟ فلماذا لا ينتهجان سياسة تنسيق وتبادل للتجارب والخبرات لتطوير محاصيلهما والتحكم في سوق هذه المادة إقليميا، إن لم يكن عالميا.

وفي قطاع التعليم تزخر الجزائر بفضل سياسة توجهاتها الاجتماعية بعيد الاستقلال بالكثير من الجامعات والمعاهد، في حين يعتبر هذا القطاع من أكثر القطاعات عجزا في موريتانيا، فما المانع من انتهاج سياسة تعليمية مشتركة تستوعب بموجبها الجزائر ومعاهدها أعدادا أكثر من الطلبة الموريتانيين على أن يستفيد خريجو التعليم العالي من العمل في معاهد وجامعات في موريتانيا تستثمر الجزائر في إعدادها وانجاز البني التحتية لها.

وتعتبر الصحة قطاعا مناسبا لتفعيل هذه السياسة التكاملية المشتركة التي يجابه بموجبها البلدان في تضامن وتكاتف الأوبئة والأمراض العابرة للحدود، وتستفيد فيها موريتانيا من خبرة الأطباء الجزائريين، ويستفيد مرضاها من العلاج في المستشفيات الجزائرية بأسعار وتكاليف لا شك أنها ستكون أيسر من تلك التي يتكلفونها عندما يقصدون المستشفيات الفرنسية والتونسية. كما يستفيد الأطباء والأساتذة الأطباء الجزائريون من العمل في موريتانيا خاصة في أفق إنشاء كلية عصرية للطب وتحول مستشفيات نواكشوط إلى مستشفيات جامعية.

وربما يعتبر الصيد البحري القطاع الأمثل لتجسيد شراكة فعالة ومفيدة للبلدين، فالشواطئ الموريتانية الطويلة على المحيط زاخرة بنوعيات ثمينة من الأسماك وهي الآن ومنذ الاستقلال حكر على الأوربيين والآسيويين، فلماذا لا يكون من أولويات الجزائر وهي البلد غير المطل على المحيط أن تحتل الصدارة في مجال الاستثمار في هذا الميدان والميادين القريبة منه كالسياحة من خلال إنشاء شركات صيد وفندقة وأسفار وسياحة مشتركة على أن تكون الوجهة الأولى لمنتجاتها وخدماتها هي السوق الجزائرية قبل كل شيء.

وفي مجال التكوين المهني يمكن لأعداد كبيرة من الشباب الموريتاني الذي لم يسعفهم الحظ في مواصلة دراسات جامعية، يمكنهم الاستفادة من التكوين والتأهيل المهني في الجزائر من خلال اتفاقيات شراكة وتبادل بناء وشفاف، ونفس الشيء يمكن قوله فيما يتعلق بقطاعات كالشباب والرياضة.
وفي مجال التجهيز والأشغال العمومية ما الذي يؤخر انجاز الطريق العابر للصحراء الرابط بين البلدين والذي سيمثل انجازه نقلة نوعية في حياة مواطني البلدين وشبه المنطقة، وسينعكس ايجابيا على مواطني البلدين خصوصا في المناطق الحدودية والتي تظل الخاسر الأكبر من غياب التنسيق وضياع فرصه وعدم اكتمال القليل من المشاريع التي قيم بها.

إن موقع البلدين في ملتقي مناطق ثلاث، متمايزة حضاريا وثقافيا وهي أرويا الغربية والمنطقة العربية وإفريقيا السوداء، يجعلهما في حال سلوكهما سبل التنسيق والتكامل الاقتصادي فضاء تلاق وتلاقح حضاري وثقافي وإنساني خلاق ومبدع، مما سيشجع على انتعاش الأنشطة اللصيقة بهذا النوع من الفضاءات ورواج صناعة السياحة الثقافية وازدهار تجارة السلع والخدمات المرتبطة بالسياحة والأسفار والترانزيت.

تلك بعض الفرص الطيبة التي كان بالمقدور استغلالها وهي لا تزال ممكنة الاستغلال، بل يتوجب استغلالها. إن ردود الأفعال الظرفية والتقاطعات العابرة مع المصالح الدولية الكبرى، لا يجب أبدا أن نتركها تكبح عجلة تنمية بلدينا ومنطقتنا، وتعيق المضي في مشاريع خدمية ذات انعكاسات طيبة أكيدة على مستويات حياة مواطنينا ورقي شعبينا وشعوب شبه منطقتنا.

آفلا نجعل من عودة تشرين (نوفمبر) هذه السنة، خصوصا في أفق الحديث عن زيارة وشيكة يؤديها الرئيس الموريتاني للجزائر.. وتشرين.. بالنسبة لبلدينا هو أحسن الوقت للذكرى والعبرة، آفلا يمكن أن نجعل منه محطة جديدة نصحح فيها مسيرتنا المشتركة ونعيد تأصيلها على أسس جديدة أكثر مرونة وشفافية، مستفيدين من تجارب الماضي وإخفاقاته، متناسين مراراته وسجالا ته ومتجنبين في نفس الوقت أسباب خصوماته التافهة وخلافاته.

المناخ

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026