تاريخ الإضافة : 30.10.2011 13:47

ثمار الربيع العربي "الانتخابات التونسية"

محمد الأمين ولد البار

محمد الأمين ولد البار

كتب الأديب الكولونبي "كابريير ماركس" في روايته الرائعة الحاصلة على نوبل 1986 عن الثورات فعرفها بأنها "هي ذلك الخيط الرقيق بين عالم المثال وعالم الواقع" ليخلص لها الاهتمام لاحقا في روايته "الكونينيل في متاهة" الصادرة عام 1992 ليرى أنها "هي تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بفقدان قيمته فيحاول إعادة إنتاجها من جديد" وإذا تأملنا هذين التعريفين السابقين في سياقينا العربي الراهن يتضح مدى صدقيتها وانسجامهما مع ما تعيشه الساحة العربية هذه الأيام من إعادة للتشكل وبناء للذات مستوحية كل ذلك من تلك اللحظة الحاسمة التي شعر فيها محمد البوعزيزي تحت وطأة الاستبداد الخشنة في تونس بفقدان قيمته فأقدم على إحراق نفسه عله بذلك يتدارك جزءا من حريته المسلوبة إعلانا ببدأ ما بات يعرف في أدبيات اليوم بـ"الربيع العربي" فعاش العالم العربي منذ ذلك الحين على وقع هزات عنيفة استطاعت حتى وقت كتابة هذه الأسطر أن تسقط ثلاثة أنظمة توصف بأنها الأقوى والأكثر سلطوية وما زال إيقاعها مدويا في آذان أنظمة أخرى على وشك التداعي.

ولكي نظل أوفياء للعنوان فإن النظام التونسي الذي كان أول هذه الأنظمة سقوطا جراء معول الثورة العربية فقد كان نظاما سلطويا تنعدم في ظله كل الطرق الممكنة للحرية واحترام الرأي وهذا ما جعل من تونس مفارقة شاهدة بحجم الفجوة الحاصلة بين التقدم العلمي التقني الذي حققته تونس من جانب وبين ما تعيشه من انسداد سياسي وكبت كان من أهم ضحاياه "حركة النهضة الإسلامية" التي دفعت الثمن الباهظ من خلال مئات السجناء وآلاف المشردين لتصبح تونس بذلك المثال الحي لدولة الطبيعة حسب مصطلح ابن خلدون، وبما أنه لا بد للولادة من مخاض ولا بد للثورة من تضحيات فإن التاريخ يحدثنا رغم معياريته بأنه على قدر التضحيات تكون المكتسبات، وهو ما استطاعت حركة النهضة الإسلامية في تونس تحت قيادة الشيخ والمفكر: راشد الغنوشي وعيه وتحويله من عالم الافتراضي إلى عالم الحس مؤكدة بذلك على أن ما زرع أمس لا بد أن يحصد اليوم.

إن انتصار الحركة الإسلامية اليوم في تونس وإن كان عميقا في دلالاته مثيرا للتساؤل فإن أيضا دافع للتأمل، فهو ليس مجرد انتصار عابر لحراك سياسي تلعب فيه الأموال والصفقات لعبتها فهذا ما ينكره كل قارئ جاد للمشهد السياسي التونسي بل هو فوق هذا كله انتصار لخيار فكري ومشروع سياسي مجتمعي، استطاعت حركة النهضة أن تضحي من أجله وتسعى له إلى أن دار الزمان الدوار دورته فحققت ما كانت تصبو إليه وكسرت جدار الاستبداد الذي طوقت به لعقود، وأثبتت بأنها البنت الشرعية للشعب التونسي المسلم ومن الدلالات العميقة كذلك لانتصار الحركة الإسلامية في تونس أنه يساهم ولو بصورة جزئية في تغيير الصورة النمطية عن تونس التي كانت توصف بأنها أرض ميوعة وانحلال وتفسق وهو ما كذبته الأيام وكذبه الشعب التونسي بتبنيه للخيار والطرح الإسلامي بهذا الشكل الكاسح.

وأخيرا وفي ظل هذا الانتصار الكبير فإن التحدي الأكبر أمام الحركة الإسلامية هناك يبقى معقودا على كاهل قيادات الحركة من أجل قيادة سفينة تونس إلى بر الأمان وتطوير البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا مع عدم إقصاء للخصم السياسي، وليتذكروا أن المحافظة على الانتصار أصعب من الانتصار نفسه.

الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026