تاريخ الإضافة : 29.10.2011 12:28

عندما يستعصي ربيع الثورات العربية على التصنيف السياسي والإيديولوجي

ابراهيم سيدي بابا
كانت البدايةُ الفعلية لما اصطلح على تسميته بربيع الثورات العربية من تونس الخضراء، منذ ما يربو على عشرةِ أشهُر. تعاقبت بعد ذلك الثورات والحركات الشعبية في البلدان العربية ضد أنظمتها العتيدةِ العتيقة. فكانت محطتها الثانية في مصرَ أرضِ الكنانة، واتجهت الثورات بعد ذلك متزاحمةً متوازية في ثلاث بلدانٍ عربية؛ ليبيا وسوريةَ واليمن. وكان حظ ليبيا أن تكون باعثةَ الأمل الثوري العربي، وإن بعد مخاضٍ عسير ومؤلم.

ما أريد التنبيه إليه هنا هو كون هذه الثورات العربية تبقى عصيةُ لحد الآن على جميع التصنيفات السياسيةِ والإيديولوجية. للتدليل على هذا الرأي نأخذ مواقف بعض الدول ذات المرجعيات الإيديولوجية والسياسية في المنطقة وخارجها كأمثلةٍ على هذا الرأي. لو أخَذنا الموقف الإيراني من الثورة في مصر على سبيل المثال، لاتضح جليا سعي الجمهورية الإسلامية آنذاك إلى تصنيف الربيع الثوري العربي على أنه امتداد طبيعي لما بدأته الثورة الخمينية في سبعينيات القرن الماضي. لم يخفَ على المتتبعين حينها محاولة إيران الخميني الاستفادةَ من هذا الربيع الثوري المباغت، بمحاولة تصويره كثورةٍ ضد ما عُرف بمحور الاعتدال، سابقاً، في المنطقة.

بعدَ انقضاءِ لحظةِ النشوةِ تلْك، وبعد أن تكَشَف أن قطار الثورة لن يتوقف عند محطة مصر، بدأت الحكومات ومراكزها الاستراتيجية رحلة المعاناة في محاولة تصنيف هذه الثوراتِ المتلاحقة، بل أحياناً المتزاحمة زمانا ومكانا. تغيرت المواقف السابقة إذن بمجرد أن بدأت إرهاصات الثورة في إحدى البلدان من المحور "غير المعتدل" في المنطقة. "الثورةُ في سوريا ليسَ لها مبرر أو مسوغ" كما كان لسان حال الجمهورية الإسلامية الثورية يقول، بل أحياناً لسان مقالِها. بل وصَل الأمر حتى ببعض المثقفين والمنظرين العرب إلى وصف ما يجري في سوريا بكونه مجردَ مؤامرةٍ خارجية ينفذها الشعب السوري ضد نظام الأسد.

الموقف الإيراني أعلاه من الثورات العربية المختلفة يصلح كمثالٍ حي لمواقف العديد من الدول الأخرى في محاولاتها اليائسة لفهم ما جرى ويجري في المنطقة. لو عدنا قليلاً إلى الرابع عشر من يناير، يوم هرب ابنُ علي، بدت عواصم العالم حينها من خلال بياناتها الأولية مشدوهةً وغير مستوعبة لما يجري. أتذكرُ حينها عبارةً الخارجية الفرنسية في الساعات الأولى من نجاح الشعب التونسي في إسقاط دكتاتوره، حيث قال البيان "فرنسا أخذت علماً بما جرى في تونس." عبارة تدلل بوضوح على مدى هول المفاجأة والصدمة مما حدث للحليف السابق لفرنسا. لم تقل فرنسا حينها إنها تنحاز، "كعادتها،" لخيارات الشعوب لا الأنظمة.

خلاصة القولِ إذن هي بأن على صناع القرار والمحللين السياسيين في المنطقة والعالم أن لا يتعبوا أنفسهم بمحاولة فهم ما تمور به المنطقة العربية بنفس الأساليب النمطية القديمة. عليهم بدلاُ من ذلك أن يبدَءوا بتأسيس فهم جديد لعقلية الشعوب العربية المنهكة من عقود من الاستبداد والقمع. ليس من حق أيٍ كانَ مثلاً أن يصادر حق الشعب السوري بأكمله عندما يخرج عاريَ الصدر ثائراُ في موجهة مفتوحة مع كتائب نظام الأسد المستريحة منذ عقود في ثكناتها لمجردِ أنه يعتبر سوريا القلعة الأخيرةَ لمشروع المقاومة في المنطقة. إن لم يجد الشعب السوريُ خيراً في نظامه فلن تجده منه المقاومة في فلسطين ولا في غيرها.

يحضرني هنا الموقف الحكيم، من وجهة النظر السياسيةِ على الأقل، لكل من حكومتي قطر وتركيا اللتانِ، رغم تحالفهما المعروف سابقاً مع النظام السوري، لم يقبلا إلا أن ينحازا لمصالح شعبيهما التي هي بالأساس مع الشعب السوري لا مع نظام سيزول عاجلاً أم آجلا. وما مصير القذافي ضحْوةَ العشرين من أكتوبر منا ببعيد.
دعوا الشعوبَ إذن تقرر مصيرَها بأيديها.

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026