تاريخ الإضافة : 25.06.2008 16:31

وزارة التهذيب وسياسات التجويع والترهيب

كان رأيي منذ بداية أزمة الأساتذة مع الوزارة ، أن أظل ملتزما بالصمت ، وصائما عن الخوض في هذا الموضوع ، ناذرا للرحمن صوما ، ألا أكلم فيه إنسيا ، وإن ألح علي بعض أصدقائي من الأساتذة فأقسمت دوما ألا أكلمهم فيه إلا رمزا ، حرصا مني على ألا أتخذ موقفا ربما يكون مجحفا بطرف دون الآخر ، وذلك انطلاقا من رأيي الشخصي ـ والذي ربما يكون خاطئا ـ أن لكلا الطرفين الحق فيما ذهب إليه من قرار، فالوزارة لها الحق الكامل في إصلاح نفسها وتطوير جسمها الذي نخر فيه سوس الفساد وعششت فيه ديدان الخداع والزيف وشراء الذمم والرشوة ، فأصبح ثمن التحويل من الداخل إلى العاصمة معلوما كأسعار النفط والعملات ، وأصبحت الجهة والمحسوبية والقبيلة ، هي الثالوث السحري لفتح باب الوزارة والولوج إلى أعلى المناصب والحصول على أفضل الحوافز والميزات ، وبيعت الباكلوريا بأبخس الأثمان ، وكذلك الأساتذة لهم كامل الحق في النضال من أجل الحصول على حقوقهم كاملة ، ولن يكون ذلك بالطبع إلا بالاستفادة من حق الإضراب الذي يكفله القانون لهم ، فلهم كامل الحق إذا في الإضراب ، خصوصا أن رواتبهم متدنية كثيرا ، بالنسبة لزملائهم في المغرب والسنغال ، وبالنسبة لحجم المهام والمسئوليات الملقات على عواتقهم ، ونظرا لما يقومون به من أعمال ، أقل ما يمكن أن يقال عنها ، أنها في غاية الأهمية والقداسة من جهة ، وفي غاية المشقة والصعوبة من جهة أخرى ، وانطلاقا من ذلك ظللت طوال الأيام التي خلت من الأزمة جالسا على مقعد المتفرج ،على ناصية الطريق الإعلامي الذي ظل مسرحا لعملية الشد والجذب بين الوزارة والأساتذة ، رغم خطورة وأهمية ذلك المكان ، وصعوبة ودقة زمانه ، حيث الامتحانات النهائية ، والباكلوريا التي أصبحت على الأبواب ، رغم ما قد يؤول إليه الأمر من تعنت الوزارة وإصرار الأساتذة ، حيث أنا نتجه ولأول مرة نحو سنة بيضاء ، تنذر بخطر كبير على حياة أبنائنا ومستقبلهم العلمي والمعرفي الذي هو غاية أولوياتنا.
لكن بعد الأنباء التي تحدثت عن إمكانية قطع أو تعليق رواتب الأساتذة الذين تجاوز عددهم 2500 أستاذ ، لم تعد عملية التفرج على ناصية الطريق جائزة ، لا من المنظور الشرعي ولا حتى من المنظور الأخلاقي ، فقطعت الشك باليقين ، وأنهيت صومي وأذنت للساني وأمرت قلمي بمساندة المظلوم والأخذ على يد الظالم ، انطلاقا من أن الساكت عن الحق شيطان أخرص.
ورغم أني حاولت طوال الوقت التماس أحسن المخارج لكلا الطرفين ، إلا أنني لم أستطع هذه المرة أن أجد مخرجا حتى ولو كان في غاية القبح والقماءة ، لما أقدمت عليه الوزارة ، من قطع أو تعليق أكثر من ألفين وخمسمائة أستاذ .
فهل بلغت الوزارة من الجرأة والوقاحة حدا تقدم فيه على قرار بهذه الخطورة ، في عام أعلنت كل المنظمات الدولية فيه عن دق ناقوس الخطر والتحذير من حدوث مجاعة في موريتانيا ؟ ، وفي عام بلغت فيه أسعار المواد الاستهلاكية ذروتها ؟، وهل تعلم الوزارة أن تحت هذا الرقم من الأساتذة ، أضعافه عشرات المرات ، من الأسر التي تنتظر نهاية كل شهر ذلك الراتب الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ؟ ، فكيف بهذه الأسر وهي تستيقظ ، لتجد ذلك الراتب الزهيد قد علق أو قطع أو صلب أو قطعت أيديه وأرجله من خلاف أو نفي من الأرض ؟،
هل تعلم الوزارة المثل القائل : قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق ؟ هل تعاقب الوزارة الأرامل والأطفال والشيوخ الجوعى ، بسبب مطالبة عائليهم برفع رواتبهم لتتلاءم مع سد أدنى حاجياتهم المعيشية الأساسية ؟ أي شريعة هذه وأي ظلم هذا؟ ، اللهم لا تآخذنا بذنوبنا ولا بذنوب غيرنا ولا بما فعلت هذه الوزارة في أساتذتنا.
هل تظن الوزارة أن سياسات التجويع والترهيب ولي الأذرع ، تجدي نفعا في ثني الأساتذة عن مطالبهم ؟
هل هذه هي سياسات حكومتنا الموقرة التي جاءت من أجل تحسين ظروف المواطنين المعيشية ، وزيادة دخلهم ، والرفع من قدرتهم الشرائية ؟ حق لحكومة هذا نهجها أن تحجب عنها الثقة وتطالب بالاستقالة ، ، بخ بخ ، لحكومة هذه سياساتها ، ولوزارة هذا منهجها.
وليكن في علم الوزارة أن هذا الإجراء المتعسف والظالم وألا أخلاقي ، لن يزيد الأمر إلا صعوبة وتصعيدا ، ولن يفيد في حلحلة الخلاف القائم مع الأساتذة ، وستفيض آثاره الجانبية لتمتلئ منها الأنهار وتسيل منها الوديان ، حتى تصعب السيطرة عليها ، فتأتي على الأخضر واليابس ، فتكون الوزارة بذلك قد جنت على نفسها ، وكما يقال: على نفسها جنت براقش.
ألم يكن الأجدر بوزارتنا ومن وراءها ، ألا تخرج الأمر عن حدود السيطرة ، وتبقي الخلاف معلقا حتى تتم تسويته دون اللجوء إلى الأساليب العنترية ، والإبتزازات القبلية ، والضغوط الحزبية والسياسية ، والمضايقات النفسية والمادية ، من أجل حرمان هؤلاء المضربين من حقوقهم الشرعية والقانونية.
أليست ميزانيات التسيير ، وميزانيات الملتقيات والندوات والأيام التحسيسية وبناء البوابات وصبغ الوزارة وشراء السيارات الفارهة وإعداد الدراسات غير الضرورية ، والميزانيات المعنونة ب "أشياء أخرى" ، هي من أنهكت الميزانيات المخصصة للتعليم ؟ ألم يكن من الممكن اقتطاع بعض هذه الميزانيات الباهظة لتوظف في الرفع من مستوى ميزانيات المصادر البشرية ، وتلبى بها مطالب المضربين الذين هم عمود وذروة سنام التعليم ووزارته ؟ لماذا لا تعترض الوزارة على شيء كاعتراضها على مطالب كرفع علاوة التحفيز ، ومراجعة نظام الأسلاك ، واستحداث علاوة مكتبية ، أليس لدى الوزارة من الحنكة والصبر والتبصر ، ما تتوصل به إلى حل توافقي مع الأساتذة ؟ أم أن حداثة سن المسئولين فيها ، وعدم عناية الحكومة بمطالب الأساتذة ، وإعطاء الرئاسة الضوء الأخضر وكافة الصلاحيات للوزارة في التعاطي مع الأزمة التي أصبحت تتدهور يوما بعد يوم ، هي الأسباب الجوهرية والموضوعية التي تقف وراء فشل كل المبادرات الرامية إلى إيجاد حل توافقي بين الوزارة والأساتذة لحد الآن .
ثم أليس بالإمكان ابتداع حل سوى التجويع والتلويح بالتصعيد ؟
لقد حزت في نفسي وآلمتني تلك الرسالة التي بعثت بها وزارة التهذيب إلى المالية لتقطع أو تعلق رواتب هؤلاء الأساتذة المضربين، وكأن الوزارة بهذا الإجراء ، نهجت نهج الذي غضبت عليه زوجته بسبب التقتير عليها في النفقة ، فمنعها الأكل وأمسك ما كان يعطيها من مال زهيد ثم بعد ذلك طلقها ، ولم يبقى للوزارة سوى خطوة الطلاق التي قد تكون ببرقية أخرى ترسل إلى القصر تطالب فيها بفصل هؤلاء المضربين من أعمالهم.
والذي أتمناه وأرجوه أن تكون الرسالة التي وجهت إلى المالية قد ضلت طريقها ، أو تكون المالية على درجة عالية من المسئولية الأخلاقية تجعلها ترفض التوصية القادمة من التعليم ، أو يتدخل القصر الرمادي للاعتراض على هذا الإجراء التعسفي وألا أخلاقي ، والذي يفقد الدولة وهياكلها كل المشروعية الأخلاقية التي كانت عندها ، فلا يعقل أن تسعى دولة في تجويع جزء هام من شعبها لمجرد أنه طالب بحقه الشرعي والقانوني ، وأرجوا وآمل من الوزارة أن تتراجع عن سياسات التجويع والترهيب هذه ، وأن تعي جيدا أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل .
كما أرجو وآمل ألا ترسل الرسالة الثانية إلى الرئاسة ، والتي ربما تطالب فيها الوزارة بالطلاق من الأساتذة ، وأهيب هنا بالوزارة ومسئوليها ألا ينسوا الآية الكريمة : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا" صدق الله العظيم
أوفى ولد عبد الله ولد أوفى
awvaabdl@yahoo.fr


الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026