تاريخ الإضافة : 28.09.2011 14:02
الأصول التاريخية للضمان الاجتماعي
لقد مر الضمان الاجتماعي قبل أن يستقر علي صيغته الراهنة بصيغ مختلفة يمكن إجمالها في مايلي :
1- الادخار الفردي
2- المساعدات الاجتماعية
3- المعونة المتبادلة
4- الضمان (التأمين) الخاص
5- المسؤولية المدنية (كوسيلة لتغطية الأضرار الناتجة عن طوارئ العمل
6- التأمينات الاجتماعية
1-الادخار الفردي:
يقصد بالادخار الفردي قيام بتوفير جزء من دخله الحاضر لمواجهة الحاجات الطارئة التي قد يحملها له المستقبل، أو لتكوين رأس مال يستثمره بما يدر عليه أرباحا تزيد في دخله.
وقد عرف الإنسان الادخار، منذ أن دخلت الملكية الفردية في حياته، وشعر بضرورة الاحتياط لمفاجآت الغد , والتبصر بعواقب الأيام، فراح يقتطع من مال يومه ما يواجه به حاجات غده، لاسيما في أوقات عجزه عن الكسب، أو عن القيام بنفقاته الاستثنائية الطارئة وكانت الأموال المدخرة تحفظ في أماكن عادية، مما جعلها عرضة، للسرقة والتلف، كما أنها لم تعد تغل أرباحا ودفعا لهذه الأخطار أنشئت بنوك للودائع تأخذ علي عاتقها حفظ الأموال المدخرة مقابل فائدة أو أجر ما بحسب الاتفاق وكان أول بنك تأسس للودائع، في ألمانيا عام 1765، ثم في سويسرا عام 1778، ثم في فرنسا في السنة الثامنة للثورة الفرنسية , ثم في انكلترا عام 1799، وكانت هذه البنوك تقبل الأموال المودعة مهما كانت قليلة، ثم أنشأت بعض الدول نظام أخر الادخار بواسطة دوائر للبريد التي كانت تقوم مقام صناديق التوفير من حيث استلام الودائع من الأفراد وحفظها لهم مع إضافة بعض الفوائد القانونية عليها بعد مرور زمن معين علي الإيداع علي أن يكون لهم الحق في سحبها متى أرادوا وبسهولة فائقة، وقد لقيت هذه الصناديق إقبالا من الجمهور لأنها تتمتع بضمانة الدولة، الأمر الذي وفر الثقة بها أكثر من البنوك وصناديق التوفير التي يمتلكها الأفراد، وقد ساعد نظام الادخار بواسطة صناديق بريد الدولة علي تكوين رؤوس الأموال الاستثمار ها في مشاريع التنمية غير أن الادخار الفردي، مهما كانت فوائده، يظل عاجزا عن أن يوفر للفرد ضمانا كافيا ضد المخاطر الاجتماعية والزمنية التي قد تصيبه، ثم إن هذا الادخار قد لا يتحقق بالنسبة لقطاع واسع من الناس، وبخاصة العمال وغيرهم من أصحاب الدخل المحدود، وإن هو تحقق فقد يأتي نتيجة التقتير في نفقات الاستهلاك اليومي، لأن الادخار في الأصل يفترض وجود، فائض في الدخل، وهو ما لا يتأتي في الغالب إلا لأصحاب الدخول المرتفعة.
يضاف إلي ذلك أن الفرد قد يحتاج إلي زمن طويل لتكوين احتياطي نقدي يستطيع به مواجهة ما قد يتعرض له من مخاطر، علما أن النقود المدخرة غلبا ما تفقد قيمتها بسبب تضخم نقدي ينتج عنه
انخفاض في قيمتها الشرائية، وارتفاع في أسعار المواد الاستهلاكية.
وعلي هذا النحو يبدو الادخار الفردي وسيلة قاصرة عن الوفاء بالغرض منها، وتأمين الإنسان كليا من المخاطر التي تهدده.
2- المساعدة الاجتماعية:
هي ما يقدم للفقراء والمعوزين من هبات وصدقات وعطايا للتخفيف من عوزهم، أو لمساعدتهم علي إشباع بعض الحاجيات التي لا يستطعن إشباعها بإمكاناتهم الذاتية المحدودة.
والمساعدة بهذا المعني قديمة قدم الإنسانية نفسها , ففي كل زمان ومكان من عصور التاريخ، كان هناك أناس يقبلون علي مساعدة أقاربهم من البؤساء والمعوزين ولكن المبادئ التي تقوم عليها هذه المساعدة كانت تختلف من مجتمع إلي أخر باختلاف الظروف الاجتماعية والفكرية والاقتصادية لتلك المجتمعات.
ففي المجتمعات البدائية التي تسودها الروح الفردية , كانت المساعدات تتم علي يد القادرين من الأفراد الذين كانوا يؤدونها لمن يشاؤون من الفقراء والمحتاجين لغايات إنسانية وهذا النوع من المساعدات الاجتماعية مازالت أثاره موجودة لاسيما في الدول التي يسودها النظام الرأسمالي، "إذ يرغب أنصاره دائما في الظهور بمظهر المتفضل علي الفقراء عند تقديم المساعدات إليهم بصورة مباشرة وفردية ".
وفي المجتمعات التي تسودها الروح القبلية أو العائلية، كانت المساعدة تؤدي من سيد القبيلة وصاحب الأمر والنهي فيها، كما كان أفراد العائلة يتبادلون المساعدات بدوافع الصلات الدموية والحب العائلي، ورغبة في حماية العائلة ورعاية أفرادها وكيانها في المجتمع ولا يزال هذا النوع من المساعدات قائما في المجتمعات الصحراوية، أو الريفية، التي لم تعرف وسائل التحفظ أو التدارك من عواقب الزمن، التي عرفتها المجتمعات الصناعية المتمدنة.
ومع تكاثر حالات الفقر والعوز نتيجة الاستغلال والأثرة، ظهرت الجمعيات العونية والتعاونية كانت تقوم بمساعدة المحتاجين من لأعضاء لمنتمين إليها , كما ظهرت الجمعيات الخيرية التي نتشرت يما بعد وراحت تمد د العون للناس ي حالات الفقر والمرض و لترمل لا شك أن هذه لجمعيات كانت أقدر من الأفراد والعائلات لي المساعدة , بسبب كثرة أموالها لمكونة من اشتراكات الأعضاء عطاءات المحسنين.
إلا أنها مع ذلك لم تستطع توفير لحماية الفعالة لبؤساء والمحتاجين بصورة شاملة وكافية، ضعفها ولعدم كفاية مواردها، وعدم ثبات واستمرار أعمالها، أنها منظمات اختيارية تتوقف عمالها لي لأشخاص الذين يقومون بإدارتها، رغبتهم في استمرار عمالها، سيما وأن نظام لمساعدة الاجتماعية علي النحو الذي تقدم وصفه إلى خفيف حدة الفقر وليس إلي استئصال جذوره.
3-المعونة المتبادلة :
يقصد بالمعونة المتبادلة المعونة التي يتبادلها أشخاص معرضون لمخاطر متشابهة في إطار جمعيات ينشئون لهذا الغرض، وتعرف بجمعيات المعونة المتبادلة.
وتتمثل المعونة التي يتبادلها الأعضاء، في التعويض الذي تقدمه الجمعية للعضو الذي يتعرض للخطر، ويصرف هذا التعويض من مجموع اشتراكات الأعضاء وقد ظهرت هذه الجمعيات منذ زمن بعيد ولكنها لم تكتسب أهميتها الخاصة إلا بعد قيام المجتمع الصناعي، وانتشار الروح الفردية التي حطمت مرتكزات التضامن الاجتماعي، التي كانت توفر للفرد الشعور بالأمان، وتركت إنسان الثورة الصناعية وحيدا يواجه مصيره بنفسه، فقد وجد هذا الإنسان في جمعيات المعونة المتبادلة الصيغة التي تعوضه عن التضامن الاجتماعي المفقود، وتساعده علي تخطي المصاعب الناجمة عن اعتماد الادخار وحده كوسيلة لمواجهة المخاطر الاجتماعية فكان الأشخاص المعرضون لمخاطر متشابهة , يجتمعون فيما بينهم، فيؤسسون جمعية التبادل المعونة كلما تعرض أحدهم للخطر، وكانت هذه الجمعية تمول من الاشتراكات الدورية التي يدفعها الأعضاء.
وقد كان من أهم هذه الجمعيات منذ القرن التاسع عشر , جمعيات الصداقة في إنكلترا وجمعيات المعونة المتبادلة في فرنسا وجمعيات الأخوة في الولايات المتحدة الأمريكية وقد ظهرت جمعيات المعونة المتبادلة في لبنان سنة 1977 وتمثلت في بصناديق التعاضد المنشأة بالمرسوم رقم 35 الصادر بتاريخ 19 أيار 1977 وتتميز جمعيات المعونة المتبادلة بأنها وسيلة جماعية لمواجهة المخاطر الفردية، فالفرد الذي يتعرض لخطر من الأخطار التي تغطيها الجمعية، لا يتحمل نتائج هذا الخطر وحده، بل يشاركه في تحمل هذه النتائج جميع أعضاء الجمعية بواسطة الاشتراكات التي يدفعونها والتي من مجموعها يدفع له التعويض عن الضرر الذي أصابه.
غير أن هذه الجمعيات، علي الرغم من نجاحها في التخفيف من بؤس العمال الذين انضموا إليها لم تستطع تحريرهم من مخاطر العوز والفاقة بسبب إمكاناتها المحدودة، وافتقارها إلي أسباب الاستقرار والاستمرار، لأنها تكتلات اختيارية , لا تملك علي المشتغلين بالحقل أن ينضموا إليها أو أن يستمروا داخل حظيرتها.
وقد ظهر عجز هذه التعاونيات علي وجه الخصوص في حالات الأمراض المزمنة، والشيخوخة، والأعباء العائلية، ووفاة المعيل (بالنسبة الأفراد العائلة).
وهذا ما دفعها إلي طلب المعونة من الدولة ,سواء في شكل مباشر (إعانات عائلية أو عينية) أو بشكل غير مباشر (إعفاءات من الرسوم والضرائب).
4-الضمان (التأمين) الخاص
التأمين أو الضمان الخاص هو ذلك النوع من التأمين الذي ينشده الإنسان لدى شركات التأمين أو الضمان التجارية، ويجري هذا النوع التأمين بصورة تعاقدية بين الشركات وبين طالب التأمين، وبمقتضي العقد الذي يتم بينهما تلتزم الشركة المؤمنة أو الضامنة، بأن تدفع للمؤمن عليه أو المضمون، عند تحقق الخطر المؤمن منه مبلغا معينا يسمى مبلغ التأمين، مقابل تعهد هذا الأخير بدفع مبالغ معينة تسمى أقساط التأمين، ويراعى في تحديد قيمة القسط قيمة الخطر المؤمن منه، من حيث خطورته ودرجة احتماله، بالإضافة إلي عوامل أخرى كمبلغ التأمين ومدة التأمين، وسعر الفائدة التي قد تحصل عليها الشركة المؤمنة من توظيف المبالغ المجمعة لديها من أقساط التأمين، والأرباح التي تهدف الشركة إلي تحقيقها، وغير ذلك من النفقات الإدارية المختلفة.
ويتميز هذا النوع من التأمين بطابعه الفردي والاختياري وبكلفته المرتفعة، فلا يقبل عليه إلا من قادرا علي دفع أقساطه وقد انتشر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، رغم أنه قد عرف وطبق قبل هذا التاريخ في انكلترا وفي الولايات المتحدة الأميركية، وهو يكثر في الأوساط الثقافية المتعلمة التي تتبصر عواقب الأمور، وتدرك أهمية الاحتياط للمستقبل.
وقد قام في الأساس لحماية التجارة وأهدافها، فظهر في القرن الرابع عشر في صورة التأمين البحري، بسبب انتشار البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط وازدهارها فكان المؤمن يتحمل جميع الأخطار البحرية التي قد تتعرض لها السفينة أو حمولتها مقابل مبلغ معين.
وبعد أن شب الحريق الكبير في لندن عام 1666 وأتى علي ألاف المباني فيها، اتجهت شركات التأمين البحري إلي التأمين من الحريق، وأنشئت شركات جديدة الإنشاء هذا النوع من التأمين أما التأمين علي الأشخاص، فلم يظهر إلي الوجود إلا في أواخر القرن الثاني عشر، وفي صورة التأمين علي الحياة أما قبل هذا التاريخ فقد كان التأمين علي الحياة معروفا كتابع للتأمين البحري، كتأمين علي حياة الملاحين من حوادث البحر والقرصنة وعند ما ظهرا لتأمين علي الحياة، كان يعتبر نوعا من المقامرة علي حياة الإنسان، وهذا ما حدا بالمشرع في كثير من البلاد إلي تحريمه بدعوى أن حياة الإنسان لا يجوز أن تكون موضوعا للمقامرة وبعد علي الحياة ظهر التأمين من الحوادث التي تصيب الإنسان في جسمه أي من الحوادث التي تمس سلامة جسم الإنسان نتيجة لفعل خارجي قد يؤدي إلي الموت أو العاهة أو العجز الدائم الكلي أو الجزئي أو العجز المؤقت ويلحق بتأمين الأشخاص من الحوادث، تأمينهم من المرض بالقدر الذي يغطي به تأمين العجز الناتج عن المرض وما زال التأمين الخاص في تطور وامتداد إلي كل مجال من مجالات النشاط الإنساني، ليؤمن الأفراد من كل خطر يتعرضون له في أموالهم وفي أشخاصهم ولكن التأمين الخاص، يبقي علي الرغم من كل ذلك، قاصرا عن توفير الحماية الاجتماعية، لكل من هم بحاجة إليها بسبب كلفته المرتفعة، وبطابعه الاختياري يضاف إلي ذلك أن الحماية التي يوفرها هذا النظام للمشتركين فيه ترتبط بمقدار القسط الذي يدفعه إلي شريكة التأمين، وليس بحجم الضرر الناتج عن تحقق الخطر المؤمن منه، مما يجعل منها حماية تجارية تتحكم فيها اعتبارات الربح والخسارة، وليس حماية اجتماعية تخضع لاعتبارات الصالح العام.
5- المسؤولية المدنية ( كوسيلة لتغطية الأضرار الناتجة عن طوارئ العمل)، يتعرض العامل أثناء قيامه بعمله أو بسبب قيامه به، لكثير من الإصابات التي تنال من سلامة جسمه، والتي قد تؤدي الي الموت، أو العاهة، أو العجز الدائم الكلي أو الجزئي الموقت، وقد ازداد تعرض العامل لهذه الإصابات بعد الثورة الصناعية، وانتشار استعمال الآلات الحديثة علي نطاق واسع، وكانت الأفكار السائدة آنذاك تعتبر أن هذا الوضع يمثل خطرا من أخطار المهنة التي يتعين علي العامل أن يواجهها، وأنه – أي العامل – يجد تعويضا عنها في جزء من الأجر الذي يحصل عليه وعلي هذا لم يكن للعامل المصاب أن يطالب رب العمل بالتعويض عن إصابات العمل، إلا إذا أثبت الخطأ والإهمال في جانبه، أي أن مسؤولية رب العمل عن الإصابات، كانت مسؤولية تقصيرية مبنية علي أساس الخطأ الواجب الإثبات، ولم يكن ذلك ميسورا دائما، إن لم يكن مستحيلا، لاسيما عند ما يكون الحادث ناتجا عن استخدام الآلة، نظرا لتعقد الآلات الميكانيكية، يضاف إلي ذلك أن الحادث قد ينتج في كثير من الأحيان عن قوة قاهرة أو عن سبب أجنبي لا يد لرب العمل فيه، كما يمكن أن ينتج عن إهمال العامل، أو عن الإعياء الذي يصيبه بعد ساعات العمل الطويلة، خاصة وأن التحقيقات التي قام بها عدد من رجال الاختصاص لتحديد أسباب إصابات العمل، قد أثبتت أن أغلب هذه الإصابات تقع قبيل نهاية العمل، نتيجة التعب والملل اللذين يلمان بالعامل، ففي جميع هذه الحالات كان العامل لا يحصل علي التعويض لعدم ثبوت الخطأ في جانب رب العمل، وهكذا فشلت نظرية المسؤولية التقصيرية القائمة علي الخطأ الواجب الإثبات، في إيصال العامل إلي حقه في التعويض عن إصابات العمل فكان هذا سببا لظهور نظرية جديدة قامت علي التوسع في تفسير نصوص القانون المدني المتعلقة بالمسؤولية، هي نظرية المسؤولية العقدية ووفقا لهذه النظرية اعتبر أن عقد العمل يرتب علي رب العمل التزاما ضمنيا بضمان سلامة العامل، ومن مقتضي هذا الالتزام أنه عند انتهاء العمل، وفي كل مرحلة من مراحله، يتعين أن يكون العامل سليما من أي ضرر , فكما أن من يستأجر شيئا يلتزم برده بالحالة التي كان عليها عند استلامه، كذلك العامل، يجب أن يخرج من لدن صاحب العمل، سالما كما حضر إليه، وبناء عليه، إذا أصيب العامل، يكون رب العمل قد أخل بالتزامه في حماية، فيلتزم بالتعويض له عن هذه الإصابة , مالم يثبت – أي رب العمل – أن الإصابة كانت نتيجة قوة قاهرة أو سبب أجنبي لا يد له فيه.
وواضح أن هذه النظرية تختلف عن نظرية المسؤولية التقصيرية القائمة علي الخطأ الواجب الإثبات، أنها قلبت عبء الإثبات بين طرفي الخصومة.
فبعد أن كانت مسؤولية رب العمل لا تنعقد إلا إذا أثبت العامل الخطأ في جانبه، أصبحت تنعقد بمجرد وقوع الإصابة وأصبح من واجب رب العمل أن يثبت السبب الأجنبي لكي يدفع المسؤولية عن نفسه.
ولكن هذه النظرية علي الرغم مما فيها من تحليل مقنع , لم تستطع أن تستحوذ علي موافقة القضاء، فقد رفضتها محكمة التمييز الفرنسية، مصرة علي تطبيق قواعد المسؤولية التقصيرية، علي الرغم من وجود عقد عمل بين العامل المصاب وبين رب العمل المدعي عليه.
وعلي أي حال فإن هذه النظرية لم تكن كافية لضمان حق العامل بالتعويض عن إصابات العمل، إذ كان يكفي أن تكون الإصابة ناتجة عن إهمال العامل، لكي ترتفع مسؤولية رب العمل، وقد رأينا أن العامل قد يقع في لإهمال نتيجة السأم ولملل الذي يصاب به بعد ساعات العمل الطويلة.
وهذا ما حدا بالبعض إلي العودة بالموضوع إلي حظيرة المسؤولية التقصيرية فاتجه فكر بعض رجال القانون إلي مسؤولية مالك البناء عن الأضرار التي تنشأ عن تهدمه متى كان هذا التهدم راجعا إلي نقص في صيانته، أو عيب في بنيانه، ولكن هذه المحاولة لم تكن مجدية لأنها تحتم علي العامل المصاب أن يقيم الدليل علي وجود العيب في الآلة، لكي تنعقد مسؤولية مالكها، ولم يكن ذلك بالأمر الهين، والنتيجة الحتمية لذلك كانت حرمان العامل من حقه في التعويض.
ولذلك أتجه الرأي أخيرا إلي إقامة مسؤولية العمل "علي أساس حراسته للآلات الموجودة في المصنع" وتستند هذه النظرية إلي خطأ مفترض في جانب حارسها , ويقوم هذا الافتراض علي اعتبار أن القانون يفرض علي صاحب الآلة الالتزام بحراستها، ومنع ضررها عن الغير فإذا ما أصابت الآلة العامل بأي ضرر، كان هذا خرقا لالتزامه المشار إليه، فيتحقق الخطأ في جانبه، وتنعقد مسؤولية وهذا الخطأ يثبت بمجرد حصول الإصابة، ولا يستطيع صاحب الآلة أن يتخلص من مسؤوليته إلا إذا أثبت السبب الأجنبي، أي القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ أو خطأ العامل نفسه.
غير أن هذه النظرية – كسابقتها – لم تفلح في ضمان حق العامل في التعويض في جميع الحالات، لأنها تسلم بإعفاء حارس الآلة من المسؤولية كلما كان سبب الإصابة راجعا إلي القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ أو خطأ العامل نفسه.
وهكذا لم تفلح قواعد المسؤولية المدنية في ضمان حق العامل في التعويض عن إصابات العمل، علي النحو المنشود، مما استدعي معالجة الموضوع عن طريق التشريع.
وقد صدرت بالفعل عدة تشريعات تقر للعامل الحق دون التقيد بقواعد المسؤولية المدنية، وتسند هذه التشريعات إلى "نظرية تحمل مخاطر الحرفة "التي تكتفي بحصول الضرر لانعقاد مسؤولية رب العمل، بحيث ترى هذه النظرية أن الحوادث التي تصيب العامل أثناء العمل تعتبر من مخاطر المشروع الذي يملكه رب العمل، ويحصل علي منافعه فيكون من العدل أن يتحمل رب العمل تلك التكاليف وليس في ذلك إرهاقا له لأن باستطاعته أن يؤمن لدى شركات التأمين.
1- الادخار الفردي
2- المساعدات الاجتماعية
3- المعونة المتبادلة
4- الضمان (التأمين) الخاص
5- المسؤولية المدنية (كوسيلة لتغطية الأضرار الناتجة عن طوارئ العمل
6- التأمينات الاجتماعية
1-الادخار الفردي:
يقصد بالادخار الفردي قيام بتوفير جزء من دخله الحاضر لمواجهة الحاجات الطارئة التي قد يحملها له المستقبل، أو لتكوين رأس مال يستثمره بما يدر عليه أرباحا تزيد في دخله.
وقد عرف الإنسان الادخار، منذ أن دخلت الملكية الفردية في حياته، وشعر بضرورة الاحتياط لمفاجآت الغد , والتبصر بعواقب الأيام، فراح يقتطع من مال يومه ما يواجه به حاجات غده، لاسيما في أوقات عجزه عن الكسب، أو عن القيام بنفقاته الاستثنائية الطارئة وكانت الأموال المدخرة تحفظ في أماكن عادية، مما جعلها عرضة، للسرقة والتلف، كما أنها لم تعد تغل أرباحا ودفعا لهذه الأخطار أنشئت بنوك للودائع تأخذ علي عاتقها حفظ الأموال المدخرة مقابل فائدة أو أجر ما بحسب الاتفاق وكان أول بنك تأسس للودائع، في ألمانيا عام 1765، ثم في سويسرا عام 1778، ثم في فرنسا في السنة الثامنة للثورة الفرنسية , ثم في انكلترا عام 1799، وكانت هذه البنوك تقبل الأموال المودعة مهما كانت قليلة، ثم أنشأت بعض الدول نظام أخر الادخار بواسطة دوائر للبريد التي كانت تقوم مقام صناديق التوفير من حيث استلام الودائع من الأفراد وحفظها لهم مع إضافة بعض الفوائد القانونية عليها بعد مرور زمن معين علي الإيداع علي أن يكون لهم الحق في سحبها متى أرادوا وبسهولة فائقة، وقد لقيت هذه الصناديق إقبالا من الجمهور لأنها تتمتع بضمانة الدولة، الأمر الذي وفر الثقة بها أكثر من البنوك وصناديق التوفير التي يمتلكها الأفراد، وقد ساعد نظام الادخار بواسطة صناديق بريد الدولة علي تكوين رؤوس الأموال الاستثمار ها في مشاريع التنمية غير أن الادخار الفردي، مهما كانت فوائده، يظل عاجزا عن أن يوفر للفرد ضمانا كافيا ضد المخاطر الاجتماعية والزمنية التي قد تصيبه، ثم إن هذا الادخار قد لا يتحقق بالنسبة لقطاع واسع من الناس، وبخاصة العمال وغيرهم من أصحاب الدخل المحدود، وإن هو تحقق فقد يأتي نتيجة التقتير في نفقات الاستهلاك اليومي، لأن الادخار في الأصل يفترض وجود، فائض في الدخل، وهو ما لا يتأتي في الغالب إلا لأصحاب الدخول المرتفعة.
يضاف إلي ذلك أن الفرد قد يحتاج إلي زمن طويل لتكوين احتياطي نقدي يستطيع به مواجهة ما قد يتعرض له من مخاطر، علما أن النقود المدخرة غلبا ما تفقد قيمتها بسبب تضخم نقدي ينتج عنه
انخفاض في قيمتها الشرائية، وارتفاع في أسعار المواد الاستهلاكية.
وعلي هذا النحو يبدو الادخار الفردي وسيلة قاصرة عن الوفاء بالغرض منها، وتأمين الإنسان كليا من المخاطر التي تهدده.
2- المساعدة الاجتماعية:
هي ما يقدم للفقراء والمعوزين من هبات وصدقات وعطايا للتخفيف من عوزهم، أو لمساعدتهم علي إشباع بعض الحاجيات التي لا يستطعن إشباعها بإمكاناتهم الذاتية المحدودة.
والمساعدة بهذا المعني قديمة قدم الإنسانية نفسها , ففي كل زمان ومكان من عصور التاريخ، كان هناك أناس يقبلون علي مساعدة أقاربهم من البؤساء والمعوزين ولكن المبادئ التي تقوم عليها هذه المساعدة كانت تختلف من مجتمع إلي أخر باختلاف الظروف الاجتماعية والفكرية والاقتصادية لتلك المجتمعات.
ففي المجتمعات البدائية التي تسودها الروح الفردية , كانت المساعدات تتم علي يد القادرين من الأفراد الذين كانوا يؤدونها لمن يشاؤون من الفقراء والمحتاجين لغايات إنسانية وهذا النوع من المساعدات الاجتماعية مازالت أثاره موجودة لاسيما في الدول التي يسودها النظام الرأسمالي، "إذ يرغب أنصاره دائما في الظهور بمظهر المتفضل علي الفقراء عند تقديم المساعدات إليهم بصورة مباشرة وفردية ".
وفي المجتمعات التي تسودها الروح القبلية أو العائلية، كانت المساعدة تؤدي من سيد القبيلة وصاحب الأمر والنهي فيها، كما كان أفراد العائلة يتبادلون المساعدات بدوافع الصلات الدموية والحب العائلي، ورغبة في حماية العائلة ورعاية أفرادها وكيانها في المجتمع ولا يزال هذا النوع من المساعدات قائما في المجتمعات الصحراوية، أو الريفية، التي لم تعرف وسائل التحفظ أو التدارك من عواقب الزمن، التي عرفتها المجتمعات الصناعية المتمدنة.
ومع تكاثر حالات الفقر والعوز نتيجة الاستغلال والأثرة، ظهرت الجمعيات العونية والتعاونية كانت تقوم بمساعدة المحتاجين من لأعضاء لمنتمين إليها , كما ظهرت الجمعيات الخيرية التي نتشرت يما بعد وراحت تمد د العون للناس ي حالات الفقر والمرض و لترمل لا شك أن هذه لجمعيات كانت أقدر من الأفراد والعائلات لي المساعدة , بسبب كثرة أموالها لمكونة من اشتراكات الأعضاء عطاءات المحسنين.
إلا أنها مع ذلك لم تستطع توفير لحماية الفعالة لبؤساء والمحتاجين بصورة شاملة وكافية، ضعفها ولعدم كفاية مواردها، وعدم ثبات واستمرار أعمالها، أنها منظمات اختيارية تتوقف عمالها لي لأشخاص الذين يقومون بإدارتها، رغبتهم في استمرار عمالها، سيما وأن نظام لمساعدة الاجتماعية علي النحو الذي تقدم وصفه إلى خفيف حدة الفقر وليس إلي استئصال جذوره.
3-المعونة المتبادلة :
يقصد بالمعونة المتبادلة المعونة التي يتبادلها أشخاص معرضون لمخاطر متشابهة في إطار جمعيات ينشئون لهذا الغرض، وتعرف بجمعيات المعونة المتبادلة.
وتتمثل المعونة التي يتبادلها الأعضاء، في التعويض الذي تقدمه الجمعية للعضو الذي يتعرض للخطر، ويصرف هذا التعويض من مجموع اشتراكات الأعضاء وقد ظهرت هذه الجمعيات منذ زمن بعيد ولكنها لم تكتسب أهميتها الخاصة إلا بعد قيام المجتمع الصناعي، وانتشار الروح الفردية التي حطمت مرتكزات التضامن الاجتماعي، التي كانت توفر للفرد الشعور بالأمان، وتركت إنسان الثورة الصناعية وحيدا يواجه مصيره بنفسه، فقد وجد هذا الإنسان في جمعيات المعونة المتبادلة الصيغة التي تعوضه عن التضامن الاجتماعي المفقود، وتساعده علي تخطي المصاعب الناجمة عن اعتماد الادخار وحده كوسيلة لمواجهة المخاطر الاجتماعية فكان الأشخاص المعرضون لمخاطر متشابهة , يجتمعون فيما بينهم، فيؤسسون جمعية التبادل المعونة كلما تعرض أحدهم للخطر، وكانت هذه الجمعية تمول من الاشتراكات الدورية التي يدفعها الأعضاء.
وقد كان من أهم هذه الجمعيات منذ القرن التاسع عشر , جمعيات الصداقة في إنكلترا وجمعيات المعونة المتبادلة في فرنسا وجمعيات الأخوة في الولايات المتحدة الأمريكية وقد ظهرت جمعيات المعونة المتبادلة في لبنان سنة 1977 وتمثلت في بصناديق التعاضد المنشأة بالمرسوم رقم 35 الصادر بتاريخ 19 أيار 1977 وتتميز جمعيات المعونة المتبادلة بأنها وسيلة جماعية لمواجهة المخاطر الفردية، فالفرد الذي يتعرض لخطر من الأخطار التي تغطيها الجمعية، لا يتحمل نتائج هذا الخطر وحده، بل يشاركه في تحمل هذه النتائج جميع أعضاء الجمعية بواسطة الاشتراكات التي يدفعونها والتي من مجموعها يدفع له التعويض عن الضرر الذي أصابه.
غير أن هذه الجمعيات، علي الرغم من نجاحها في التخفيف من بؤس العمال الذين انضموا إليها لم تستطع تحريرهم من مخاطر العوز والفاقة بسبب إمكاناتها المحدودة، وافتقارها إلي أسباب الاستقرار والاستمرار، لأنها تكتلات اختيارية , لا تملك علي المشتغلين بالحقل أن ينضموا إليها أو أن يستمروا داخل حظيرتها.
وقد ظهر عجز هذه التعاونيات علي وجه الخصوص في حالات الأمراض المزمنة، والشيخوخة، والأعباء العائلية، ووفاة المعيل (بالنسبة الأفراد العائلة).
وهذا ما دفعها إلي طلب المعونة من الدولة ,سواء في شكل مباشر (إعانات عائلية أو عينية) أو بشكل غير مباشر (إعفاءات من الرسوم والضرائب).
4-الضمان (التأمين) الخاص
التأمين أو الضمان الخاص هو ذلك النوع من التأمين الذي ينشده الإنسان لدى شركات التأمين أو الضمان التجارية، ويجري هذا النوع التأمين بصورة تعاقدية بين الشركات وبين طالب التأمين، وبمقتضي العقد الذي يتم بينهما تلتزم الشركة المؤمنة أو الضامنة، بأن تدفع للمؤمن عليه أو المضمون، عند تحقق الخطر المؤمن منه مبلغا معينا يسمى مبلغ التأمين، مقابل تعهد هذا الأخير بدفع مبالغ معينة تسمى أقساط التأمين، ويراعى في تحديد قيمة القسط قيمة الخطر المؤمن منه، من حيث خطورته ودرجة احتماله، بالإضافة إلي عوامل أخرى كمبلغ التأمين ومدة التأمين، وسعر الفائدة التي قد تحصل عليها الشركة المؤمنة من توظيف المبالغ المجمعة لديها من أقساط التأمين، والأرباح التي تهدف الشركة إلي تحقيقها، وغير ذلك من النفقات الإدارية المختلفة.
ويتميز هذا النوع من التأمين بطابعه الفردي والاختياري وبكلفته المرتفعة، فلا يقبل عليه إلا من قادرا علي دفع أقساطه وقد انتشر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، رغم أنه قد عرف وطبق قبل هذا التاريخ في انكلترا وفي الولايات المتحدة الأميركية، وهو يكثر في الأوساط الثقافية المتعلمة التي تتبصر عواقب الأمور، وتدرك أهمية الاحتياط للمستقبل.
وقد قام في الأساس لحماية التجارة وأهدافها، فظهر في القرن الرابع عشر في صورة التأمين البحري، بسبب انتشار البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط وازدهارها فكان المؤمن يتحمل جميع الأخطار البحرية التي قد تتعرض لها السفينة أو حمولتها مقابل مبلغ معين.
وبعد أن شب الحريق الكبير في لندن عام 1666 وأتى علي ألاف المباني فيها، اتجهت شركات التأمين البحري إلي التأمين من الحريق، وأنشئت شركات جديدة الإنشاء هذا النوع من التأمين أما التأمين علي الأشخاص، فلم يظهر إلي الوجود إلا في أواخر القرن الثاني عشر، وفي صورة التأمين علي الحياة أما قبل هذا التاريخ فقد كان التأمين علي الحياة معروفا كتابع للتأمين البحري، كتأمين علي حياة الملاحين من حوادث البحر والقرصنة وعند ما ظهرا لتأمين علي الحياة، كان يعتبر نوعا من المقامرة علي حياة الإنسان، وهذا ما حدا بالمشرع في كثير من البلاد إلي تحريمه بدعوى أن حياة الإنسان لا يجوز أن تكون موضوعا للمقامرة وبعد علي الحياة ظهر التأمين من الحوادث التي تصيب الإنسان في جسمه أي من الحوادث التي تمس سلامة جسم الإنسان نتيجة لفعل خارجي قد يؤدي إلي الموت أو العاهة أو العجز الدائم الكلي أو الجزئي أو العجز المؤقت ويلحق بتأمين الأشخاص من الحوادث، تأمينهم من المرض بالقدر الذي يغطي به تأمين العجز الناتج عن المرض وما زال التأمين الخاص في تطور وامتداد إلي كل مجال من مجالات النشاط الإنساني، ليؤمن الأفراد من كل خطر يتعرضون له في أموالهم وفي أشخاصهم ولكن التأمين الخاص، يبقي علي الرغم من كل ذلك، قاصرا عن توفير الحماية الاجتماعية، لكل من هم بحاجة إليها بسبب كلفته المرتفعة، وبطابعه الاختياري يضاف إلي ذلك أن الحماية التي يوفرها هذا النظام للمشتركين فيه ترتبط بمقدار القسط الذي يدفعه إلي شريكة التأمين، وليس بحجم الضرر الناتج عن تحقق الخطر المؤمن منه، مما يجعل منها حماية تجارية تتحكم فيها اعتبارات الربح والخسارة، وليس حماية اجتماعية تخضع لاعتبارات الصالح العام.
5- المسؤولية المدنية ( كوسيلة لتغطية الأضرار الناتجة عن طوارئ العمل)، يتعرض العامل أثناء قيامه بعمله أو بسبب قيامه به، لكثير من الإصابات التي تنال من سلامة جسمه، والتي قد تؤدي الي الموت، أو العاهة، أو العجز الدائم الكلي أو الجزئي الموقت، وقد ازداد تعرض العامل لهذه الإصابات بعد الثورة الصناعية، وانتشار استعمال الآلات الحديثة علي نطاق واسع، وكانت الأفكار السائدة آنذاك تعتبر أن هذا الوضع يمثل خطرا من أخطار المهنة التي يتعين علي العامل أن يواجهها، وأنه – أي العامل – يجد تعويضا عنها في جزء من الأجر الذي يحصل عليه وعلي هذا لم يكن للعامل المصاب أن يطالب رب العمل بالتعويض عن إصابات العمل، إلا إذا أثبت الخطأ والإهمال في جانبه، أي أن مسؤولية رب العمل عن الإصابات، كانت مسؤولية تقصيرية مبنية علي أساس الخطأ الواجب الإثبات، ولم يكن ذلك ميسورا دائما، إن لم يكن مستحيلا، لاسيما عند ما يكون الحادث ناتجا عن استخدام الآلة، نظرا لتعقد الآلات الميكانيكية، يضاف إلي ذلك أن الحادث قد ينتج في كثير من الأحيان عن قوة قاهرة أو عن سبب أجنبي لا يد لرب العمل فيه، كما يمكن أن ينتج عن إهمال العامل، أو عن الإعياء الذي يصيبه بعد ساعات العمل الطويلة، خاصة وأن التحقيقات التي قام بها عدد من رجال الاختصاص لتحديد أسباب إصابات العمل، قد أثبتت أن أغلب هذه الإصابات تقع قبيل نهاية العمل، نتيجة التعب والملل اللذين يلمان بالعامل، ففي جميع هذه الحالات كان العامل لا يحصل علي التعويض لعدم ثبوت الخطأ في جانب رب العمل، وهكذا فشلت نظرية المسؤولية التقصيرية القائمة علي الخطأ الواجب الإثبات، في إيصال العامل إلي حقه في التعويض عن إصابات العمل فكان هذا سببا لظهور نظرية جديدة قامت علي التوسع في تفسير نصوص القانون المدني المتعلقة بالمسؤولية، هي نظرية المسؤولية العقدية ووفقا لهذه النظرية اعتبر أن عقد العمل يرتب علي رب العمل التزاما ضمنيا بضمان سلامة العامل، ومن مقتضي هذا الالتزام أنه عند انتهاء العمل، وفي كل مرحلة من مراحله، يتعين أن يكون العامل سليما من أي ضرر , فكما أن من يستأجر شيئا يلتزم برده بالحالة التي كان عليها عند استلامه، كذلك العامل، يجب أن يخرج من لدن صاحب العمل، سالما كما حضر إليه، وبناء عليه، إذا أصيب العامل، يكون رب العمل قد أخل بالتزامه في حماية، فيلتزم بالتعويض له عن هذه الإصابة , مالم يثبت – أي رب العمل – أن الإصابة كانت نتيجة قوة قاهرة أو سبب أجنبي لا يد له فيه.
وواضح أن هذه النظرية تختلف عن نظرية المسؤولية التقصيرية القائمة علي الخطأ الواجب الإثبات، أنها قلبت عبء الإثبات بين طرفي الخصومة.
فبعد أن كانت مسؤولية رب العمل لا تنعقد إلا إذا أثبت العامل الخطأ في جانبه، أصبحت تنعقد بمجرد وقوع الإصابة وأصبح من واجب رب العمل أن يثبت السبب الأجنبي لكي يدفع المسؤولية عن نفسه.
ولكن هذه النظرية علي الرغم مما فيها من تحليل مقنع , لم تستطع أن تستحوذ علي موافقة القضاء، فقد رفضتها محكمة التمييز الفرنسية، مصرة علي تطبيق قواعد المسؤولية التقصيرية، علي الرغم من وجود عقد عمل بين العامل المصاب وبين رب العمل المدعي عليه.
وعلي أي حال فإن هذه النظرية لم تكن كافية لضمان حق العامل بالتعويض عن إصابات العمل، إذ كان يكفي أن تكون الإصابة ناتجة عن إهمال العامل، لكي ترتفع مسؤولية رب العمل، وقد رأينا أن العامل قد يقع في لإهمال نتيجة السأم ولملل الذي يصاب به بعد ساعات العمل الطويلة.
وهذا ما حدا بالبعض إلي العودة بالموضوع إلي حظيرة المسؤولية التقصيرية فاتجه فكر بعض رجال القانون إلي مسؤولية مالك البناء عن الأضرار التي تنشأ عن تهدمه متى كان هذا التهدم راجعا إلي نقص في صيانته، أو عيب في بنيانه، ولكن هذه المحاولة لم تكن مجدية لأنها تحتم علي العامل المصاب أن يقيم الدليل علي وجود العيب في الآلة، لكي تنعقد مسؤولية مالكها، ولم يكن ذلك بالأمر الهين، والنتيجة الحتمية لذلك كانت حرمان العامل من حقه في التعويض.
ولذلك أتجه الرأي أخيرا إلي إقامة مسؤولية العمل "علي أساس حراسته للآلات الموجودة في المصنع" وتستند هذه النظرية إلي خطأ مفترض في جانب حارسها , ويقوم هذا الافتراض علي اعتبار أن القانون يفرض علي صاحب الآلة الالتزام بحراستها، ومنع ضررها عن الغير فإذا ما أصابت الآلة العامل بأي ضرر، كان هذا خرقا لالتزامه المشار إليه، فيتحقق الخطأ في جانبه، وتنعقد مسؤولية وهذا الخطأ يثبت بمجرد حصول الإصابة، ولا يستطيع صاحب الآلة أن يتخلص من مسؤوليته إلا إذا أثبت السبب الأجنبي، أي القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ أو خطأ العامل نفسه.
غير أن هذه النظرية – كسابقتها – لم تفلح في ضمان حق العامل في التعويض في جميع الحالات، لأنها تسلم بإعفاء حارس الآلة من المسؤولية كلما كان سبب الإصابة راجعا إلي القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ أو خطأ العامل نفسه.
وهكذا لم تفلح قواعد المسؤولية المدنية في ضمان حق العامل في التعويض عن إصابات العمل، علي النحو المنشود، مما استدعي معالجة الموضوع عن طريق التشريع.
وقد صدرت بالفعل عدة تشريعات تقر للعامل الحق دون التقيد بقواعد المسؤولية المدنية، وتسند هذه التشريعات إلى "نظرية تحمل مخاطر الحرفة "التي تكتفي بحصول الضرر لانعقاد مسؤولية رب العمل، بحيث ترى هذه النظرية أن الحوادث التي تصيب العامل أثناء العمل تعتبر من مخاطر المشروع الذي يملكه رب العمل، ويحصل علي منافعه فيكون من العدل أن يتحمل رب العمل تلك التكاليف وليس في ذلك إرهاقا له لأن باستطاعته أن يؤمن لدى شركات التأمين.







