تاريخ الإضافة : 20.09.2011 22:17

بُغيةُ المُحْتارْ.. من مشاهداتي في دمشق و دَاكارْ

بقلم: د/ أبوبكر بن أحميّد (أبو أسماء) – أستاذ جامعي:Aboum4@gmail.com

بقلم: د/ أبوبكر بن أحميّد (أبو أسماء) – أستاذ جامعي:Aboum4@gmail.com

قد يرى بعض القراء في مثل هذا العنوان نوعاً من المجازفة التاريخية في المقارنة بين مدينتين مختلفتين، تتوزعان بين بلاد العرب في آسيا، وبلاد الأعاجم في أقصى الغرب الإفريقي، وهو ما يجعلني أُقرّ بصعوبة الاستقصاء في مقارنة كهذه في مقال خاطف كهذا.

لكني سأتجاوز البحث التاريخي إلى تقديم بعض الملاحظات السريعة حول إقامتي المتوالية في هاتين المدينتين، اللتين أرى أنهما لا تتفقان في غير أنهما عاصمتين لدولتين من العالم الإسلامي، أما فيما عدا ذلك فيمكنني القول جازماً إنهما لا تتفقان في شيء.

1. دمشق.. قصبة الشام..!

هي عاصمة بلاد الشام، بل هي قصبتها كما يقول ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان"، ولذلك اقترنت في كتب المؤرخين بنسبتها إلى الشام، فسموها "دمشق الشام"، وقلما يذكرها مؤرخو الشام ومؤلفوها خاصة من دون الدعاء لها بالحفظ، كما عند ابن كثير وغيره، فيسمونها: (دمشق الشام- حرسها الله تعالى).

وقد تميزت دمشق عبر تاريخها الطويل الممتد آلاف السنين بما حباها الله به من جودة المناخ، وصفاء الهواء، وعذوبة المياه ونقائها، وصحة مناخها في الأبدان وأثره الحسن في علاج الأمراض. ولا عجب في ذلك إذ هي عاصمة بلاد أنعم الله عليها بأن بارك فيها، فجعلها مهد الديانات السماوية الثلاث، وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بالثناء والدعاء في أحاديث صحيحة كثيرة، منها: (اللهم بارك لنا في شامنا.. إن الله تعهّد لي بالشام.. إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم.. إذا كثرت الفتن فعليكم بالشام...).

وكنت ممن أنعم الله عليه بالإقامة لسنوات عديدة في دمشق، وذلك لإكمال الدراسة العليا في جامعتها، فرأيت بعينيّ ومشاهداتي وملاحظاتي جمال هذه المدينة، وأثرها الحسن في إصلاح الأبدان والقلوب، وعرفت بالتجربة صحة ما أوردته كتب معاجم البلدان عنها من أخبار تفيد صحة مناخها منذ فجر التاريخ.. فهي أرض جبلية يحرسها جبل قاسيون من جهة الشمال، وتعمها الحدائق الجميلة الساحرة، وتتخللها الأنهار العذبة التي تشفي غليل العطش والعلل، حتى إن مياه (الفيجة) التي خص الله بها دمشق يصعب على من تعوّد شربها أن يستبدلها بأجود المياه المعدنية المعلبة. وكنت أحياناً عندما أقوم بزيارات إلى المدن السورية الأخرى أجد صعوبة بالغة في إرواء عطشي من مياهها التي تختلف كليا عن (الفيجة) فأبقى عطشاناً حتى أرجع إلى دمشق فأشرب هانئاً من مياهها العذبة الباردة في جميع فصول العام.

أما الحياة في دمشق فلا تقل هناءة عن مناخها الصحي الذي حباها الله به، فالسكان عرب أقحاح، يغلب عليهم الكرم العربي، والتشبث بالأخلاق العربية القديمة، وهم يتكلمون لهجة عربية حلوة سهلة، تخلو من رطانات الأعاجم ومصطلحات المولدين. ولهم حُبّ راسخ لجميع الوافدين إليهم من أبناء العروبة والإسلام.. أما الشوارع فهي واسعة ونظيفة، وأغلب حافلات النقل العمومي وسيارات التاكسي جديد ومقاعده نظيفة متباعدة، والركاب هناك لا يتكلمون مدة الرحلات، وأغلب السكان يميل إلى النظافة والتأنق في الملبس والمسكن.

أما المساحات الخضراء فتغطي جُلّ الساحات العامة والخاصة، والنوافير تتوسط تقاطعات الطرق، وهي (في البيوت كلام) كما قال شاعرها المفتون بحبها نزار قباني.. وفصول السنة هناك جميلة معتدلة باستثناء الصيف الذي قد يكون حاراً، ويبقى الربيع أجملها على الإطلاق، ولكل فصل فواكهه التي تخصه فترخص فيه ولا توجد في غيره.
أما مساجد دمشق فهي منابر علم وحلقات مفتوحة لتدريس مختلف العلوم والفنون، وكل ما ينقص الزائر لها لكي يصبح عالماً هو علوّ همته ومواظبته على حضور الدروس المنتظمة؛ إذ المدرّسون موجودون بكثرة، ويرغبون في نشر العلم ابتغاء وجه الله تعالى لا سعياً وراء جزاء أو شكر، إذ هم لا يتلقون أي تعويضات معتبرة من الدولة عن ما يقومون به.

وعندما تدخل مساجد دمشق تحسّ بعظمتها وقدسيتها في نفوس القائمين عليها وزوارها، فهي نظيفة معطرة، ومجهزة بأحدث التقنيات العصرية، وأكثر زائريها يجلونها ويعرفون لها قدرها. أما خُطب الأئمة هناك ففيها الكثير المفيد، وهي تجمع بين الإفادة في عدد من صنوف المعرفة والثقافة، وبعض المساجد يقيم دورات فصلية مجانية على مدار العام، وفيها يُدرّس القرآن الكريم حفظاً وتجويداً، فضلاً عن الفقه والسيرة النبوية، وحتى تعليم مختلف المهارات كالخط العربي مثلاً..

وهكذا، فالمقيم في دمشق لا يجد في ما يزعجه إطلاقاً، سواء أكان ماشياً أو راكباً، اللهم إلا إذا كان ممن يكرهون الصوت العذب الجميل الذي قد ينبعث من مسجلات بعض السيارات العامة والخاصة لبعض ممثلي الغناء العربي الأصيل ككوكب الشرق أو فيروز مثلاً، هذا إن لم يكن الصوت المنبعث من هذه السيارات قرآناً مرتلاً بصوت عذب مثل عبد الباسط الصمد أو غيره من مشاهير قراء الشام والمشرق العربي.

فالأمن والأمان ينتشران في دمشق في جميع المناطق والأوقات، ولا فرق بين خروج الناس إلى صلاة الظهر أو صلاة الفجر؛ إذ الشوارع هادئة آمنة، لا وجود فيها للصوص أو ما يعكر صفو أمن الناس أو يحدّ من حركتهم في ليل أو نهار، حتى إن هذا الواقع ظل معيشاً بعد أربعة أشهر ونصف من انطلاق الثورة السورية الحالية، وهو تاريخ مغادرتي دمشق، حرسها الله تعالى، وعجّل بالفرج عن أهلها ما هم فيه.

والحق يُقال: فقد كنت منذ القديم مشتاقاً لزيارة دمشق، مُعجباً بها، ومتمنياً على الدوام للاستمتاع بزيارتها، فلما أقمت بها ازددت حباً لها ولأهلها الطيبين، فلم أر أبلغ فيهما من قول القائل:

كَانتْ مُساءَلَةُ الركبانِ تُخبرُني **** عن أحمدِ بن دؤاد أطيبَ الخبرِ
ثُمّ التقيْنَا فَلا والله ما سمعتْ **** أُذْني بأحسن مما قد رأى بصرِي

2. "داكارْ".. باريسُ الأفارقة..!

هي عاصمة السينغال، تقع على شاطئ المحيط الأطلسي، الذي يحيط بها من جهات ثلاث. وهي مدينة للأعاجم الأفارقة، ولعل أغلب سكانها من الزنوج "الوُولف" أو الناطقين باللغة الوُلفية على الأصح. ولم أجد وأنا أسير في شوارع ضواحيها الضيقة الوسخة بين أسراب الزنوج الأعاجم أبلغ في واقعي من بيت المتنبي في وصف "بوان" ببلاد فارس، مع استحضار فارق التوقيت والاختلاف:

ولَكنّ الفتى العربيّ فيها **** غريبُ الوجه واليَدِ واللسَانِ

أما بيت المتنبي الذي ورد قبل بيته السابق فلا ينطبق على "داكار" إطلاقاً؛ إذ هي -في رأيي- لا تمثل فصل الربيع من الزمان لأنه أجمل فصول العام كما هو معروف، بل لعلها تمثل فصل الصيف بحرارته المحرقة، وأمطاره المرعبة، وصواعقه القاتلة.

شوارع ضواحي داكار ضيقة مزدحمة، تغص بالسيارات المهترئة التي انتهى عمرها الافتراضي منذ عقود طويلة أيام الحرب العالمية الثانية، وهي تطلق أعمدة من الدخان الكثيف تغطي الأفق وتقضي على الأوكسجين الضروري للتنفس.. أما سيارات النقل العمومي والباصات وسيارات التاكسي فهي -في الغالب- قديمة أيضاً؛ بل يمكن القول إنها بقايا هياكل حديدية قديمة يحسن الاحتفاظ بها في متاحف السيارات القديمة التي اختفت من حياة الناس في كثير من دول العالم منذ عقود عديدة.

أما سكان داكار فهم أعاجم سود، لا يفقهون من كلام العرب شيئاً، وهم -غالباً- يدّعون الإسلام، وأكثرهم يدين بالولاء المطلق لإحدى مرجعيات الطرق الصوفية المنتشرة في السينغال، حتى إن الصور الفوتوغرافية والمرسومة لزعماء هذه الطرق ومشايخها تغطي جل واجهات المحلات التجارية والسيارات والعربات، مع أن الكثير من الناس يعلقونها في رقابهم تبركاً بها، وإمعاناً منهم في إجلالها والاعتقاد بنفعها؛ إذ هم ينظرون إليها بكثير من الإجلال والخوف والطمع، حتى ليمكن القول إن الدين الحقيقيّ السائد بين السكان هو الانتماء الصوفي المشوب بقدر كبير من الغلوّ في الاعتقاد في الشعوذة والتبرّك والتقليد، وهي كلها أمور يغيب معها العقل الإنساني، وتنمحي فطرة الخير التي جبل الله الناس عليها.

وتمتاز داكار برداءة مناخها، وتلوّث هوائها، وملوحة مياهها، بما فيها المياه المعدنية التي لا يخلو كثير منها من طعم ينافي العذوبة.. أما شوارع الضواحي فهي ملأى بالمستنقعات الناتجة عن هطول الأمطار، وهي مصدر للكثير من الأمراض والأوبئة الفتاكة، في حين يتبادل الذباب والبعوض الأدوار في تعكير صفو النهار والليل، بل ربما انتشر البعوض نهاراً داخل بعض الغرف فجمع بين إزعاج الناس ليلاً ونهاراً، مع أن شدة قرصه تفوق بكثير ما عرفته لسنوات عديدة في مدينة روصو الموريتانية أيام دراستي لمرحلتي الإعدادية والثانوية قبل العقد والنصف من الأعوام.

أما نظرة السكان إلى العربي والموريتانيّ فتغلب عليها الريبة والتّوجس اللذان لا يخفيان الاحتقار والازدراء، خاصة عندما يتأكّدون أن الإنسان الأبيض ليس مواطناً أمريكياً أو أوروبياً. ولعل غياب الأمن أكبر خطر يتهدد العربيّ والأجنبي في داكار، إذ هنالك جموع كبيرة من اللصوص المحترفين المتجوّلين الذين يجوبون الشوارع ويمتهنون النشل والسطو حتى في وضح النهار، ناهيك عن أنّ بعض الشوارع معروفة بأن غالبية من يسير فيها لصوص معروفون، كما أنّ هنالك مناطق لا يسكنها غير عصابات السطو والتّلصّص وقطع الطرق.

وإلى جانب الفزع والخوف الناتجين عن الحذر من الوقوع في شباك السطو، هنالك مجموعات مرتزقة محترفة يُعرفون بـ"البايْفالاتْ"، يجوبون الشوارع، ويغنون بأصوات مزعجة بعض أشعار التوسل لشيخهم أحمدو بمب البكي (ت1346هـ)، ولا يندر أن يصيح أحدهم في وجوه المارّة محركاً جعبة فيها بعض قطع النقود، طالباً التصدّق لبركة شيخه، معتمداً طريقة مرعبة في إجبار الناس على التصدّق نتيجة الخوف لا بطيب النفس.

• خلاصة
لا شك أن زائر داكار بعد دمشق سيشعر لا محالة بخيبة أمل حقيقية، فهو لن يجد ما عهده في قصبة الشام من أمن وأمان وجمال ورخص وهناء، لأن سكان دمشق لا يشعر الغريب بينهم أنه غريب بل هو بين أهله وإخوانه في اللسان والدّين، وهم إخوته الذين لم تلدهم أمه، أما زائر داكار فهو غريب الوجه واليد واللسان، تطارده الغربة والعجمة في كل مكان حتى في بيوت الله التي يفترض زائرها أن يسمع قرآناً عربياً بصوت عذب لكن العجمة ستمنعه من ذلك.

ولعل عجز العرب منذ القديم عن إدماج الشعوب الإسلامية من غير العرب في الثقافة العربية وتعريب لسانهم يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن سيطرة اللغة الفرنسية على شعوب إفريقيا المسلمة وعيشها لقرون تحت رحمة اللسان العجمي وجهلها المطلق باللسان العربي المبين.. كما أن عوامل التاريخ والجعرافيا أسهمتا في خلق حالة قطيعة بين شعوب العرب وإخوانهم من شعوب العالم الإسلامي الأخرى، خاصة السينغال، على الرغم من كثرة المواطنين الموريتانيين واللبنانيين المقيمين فيها منذ القديم، فضلاً عن قربها الجعرافي من موريتانيا وباقي دول المغرب العربي...!!


الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026