تاريخ الإضافة : 20.09.2011 09:09

إلى أمي.. غداة الحوار

بقلم/ أحمد ولد إسلم  Ahmed3112@hotmail.com

بقلم/ أحمد ولد إسلم Ahmed3112@hotmail.com


لا أعرف لماذا خطر لي أن أكتب إليك الآن في هذا الظرف بالذات؟!
وأنا الذي لم أمتشق يوما قلما لأسطر في دفتري شيئا عنك، ليس لأنك لا تستحقين، بل لأنه منذ تهجيت الحروف الأولى من الأبجدية على يدك، كنت أدرك أنك تعلمينني الحياة، وتحاولين إفهامي أن ما تجيش به الصدور لا يستحق دائما أن يكتب..
وفرت لي الرعاية، أقنعتني أن من حقي أن أحلم، وكنت سندي في الطريق إلى ذلك الحلم، وتدريجيا تفرعت عن الحلم أحلام كثيرة، اقتنعت ببعضها، وأسهمت في تحقيق بعضها الآخر من دون أن تقتعني به، ثم أدركتنا أمواج الإعلام الجديد، فاكتفيت أنت بالاتكاء إلى لوحك الخشبي وتركت لنا خوض الغمار..
لم ندرك أن تلك الأمواج ستأخذنا بعيدا عن شواطئ أحلامنا المشتركة، اخترت أنت ترتيل سورة الملك قبل النوم، وانتظار بزوغ فجر جديد لا يختلف عن الفجر السابق ولا تأملين أن يختلف ما بعده عنه.
واليوم نحن هنا تتقاذفنا أمواج سياسة لم نشرك في صياغتها، نتصارع وآخرين على وهم دولة استحوذ عليها من لم يأخذ برأيك ولا آرائنا.
أعرف أنك لا تهتمين كثيرا بإحياء ذكرى الحادي عن من سبتمبر ولا الطاولات المستديرة في قصر المؤتمرات، ولا يعنيك إن كان ثوار ليبيا سيسيطرون اليوم على بني وليد، وهل سيشارك الإسلاميون في الحوار مع حكومة بشار الأسد، ولا إن كان مجلس الأمن سيعترف بالدولة الفلسطينية على حدود سبع وستين، مع أني أسمعك دائما تلهجين بالدعاء سحرا أن ينصر الله المسلمين.
أنت لا تعرفين أين أنا الآن، لكنك قطعا تفضلين أن أكون معك هناك، أشاركك تقسيم " التحلاب" وأشاطرك نصف الخبزة قبل شاي الصباح..
كنت أيضا أتمنى ذلك.. لكني لست وحدي هنا، معي عشرات من أمثالي تركوا أمهاتهم يدفعن ضرائب مجزية للدولة التي حرمتهن الاستمتاع برؤية امتدادهن النفسي يتشكل أمامهن.
لا يعرف المجتمعون في قصر المؤتمرات أنهم يناقشون مستقبلك ومستقبلي ويقررون فيه ما يشاؤون .. وأنك لا تدرين ذلك، بل لا تهتمين به، كلما يهمك أن أعود.. ولو في إجازة قصيرة الأمد.. تتأكدين من خلالها أن مشروع الصلع في رأسي توقف عند بدايته كإيصال مياه بحيرة الظهر إلى النعمة، وانا الزحف الأبيض ينقصه المدد.
سأعود قريبا يا أمي.. سأعود ولكنها عودة طيور غرينلاند إلى حوض آرغين ... استراحة قصيرة ثم تستأنف الرحلة.
لماذا لا تجد لك عملا هنا بحيث أكحل عيني برؤيتك صباحا ومساء؟
إنه سؤالك الذي لا أجد له جوابا مقنعا منذ ثماني سنين، ربما لو لم يستحوذ الجيش على السلطة، ولم تعقد اتفاقية صيد مع الاوروبيين ثم تسلم الثروة البحرية لتجار اسلحة صينيين، .. ربما لو لم تستعن حكومة في الثمانينيات بالبنك الدولي، أو لو عرف المتعاقبون على القصر الرمادي أن في شرق البلاد ما يستحق الالتفات، ربما لو كانت هناك جامعة درست بها فلم أخرج لأتعرف إلى العالم وأعود مقارنا حال بلدي بحاله، ... ربما لو كان أي من ذلك كنت هناك الآن.
لكن يا أمي العزيزة.. هناك عشرات من أصدقائي يتقاضون مائتي دولار بالشهر، ولديهم شهادات أعلى من شهاداتي، وخبرات أعمق مني، ويؤجرون بيوتا في حي شعبي بماتين وخمسين دولار، وجميعهم يحلمون أن يكونوا معي هنا.. لديهم أيضا أمهات يرغبن في ما ترغبين.
أعرف أنه لو قيل لك تمني، ما تمنيت سوى عودتي.. أنا مثلك أيضا لا أتمنى سوى العودة.. لا أتمنى سوى أن أجد هناك ما يعصمني من سرقة المال العام أو الموت جوعا..
لكن لا تقلقي يا أمي.. غدا سينفض جمع المتسامرين في قصر المؤتمرات .. سيعدون بلم شملنا.. وسننتظر.. ربما أكثر مما ترغبين.. لكننا سنعود.. وستكون عودتنا مدعاة لرحيلهم.. من يدري قد تعجبهم تجربة الغربة القسرية.
في انتظار ذلك أسندي رأسك إلى لوحك، وراقبي أمواج السياسة المتلاطمة .. وتذكري المسلمين بالدعاء سحرا.

الجاليات

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026