تاريخ الإضافة : 13.09.2011 17:42

ملاحظات أربعينية

إن صحافتنا و مجتمعنا بحاجة إلى من يضع النقاط على الحروف و يسم الأشياء باسمها تماشيا مع حديث رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم :من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فعضوه بهن أبيه ولا تكنوه.

و أي عزاء الجاهلية غير الدعوة للقبلية التي تهمش الأفراد و القبائل و تمسح كل صلة لأمة واحدة يربطها رباط الوطن والدين و التاريخ المشترك
و أي جاهلية أعظم من أن تفتح البنوك على مصراعيها لأفراد من قبيلة معينة على حساب أفراد قبائل أخرى .

و أي جاهلية أعظم من أن تمول المشاريع و تسخر مالية الدولة التي هي القبيلة الكبرى لمناطق وتهمل أخرى مع أنها تتمتع بكثافة سكانية عالية .
و أي جاهلية أعظم من أن يكون البحث و التنقيب موجها إلى مناطق معينة على حساب مناطق أخرى.

و أي جاهلية أعظم من أن ترى بعض أفراد قبائل معينة يتخوضون في أموال الدولة رغم سياسة الترشيد بينما يقبع آخرون في الذل و المسكنة و الجوع والعري .

وليس ما أقوله من باب الديماغوجية فلقد سافرت من أنواكشوط إلى نهاية الحوض الشرقي و كنت أزور و أعيش في هذه الأربعينية مع جيوب كثيرة من الفقر في مدينة أنواكشوط ، في الوقت الذي أسمع فيه عن بعض المنازل والصالونات التي يتمتع أهلها بأموال لم يكتسبوها من كدح أيديهم و لم يرثوها عن أبائهم أو أمهاتهم .

لهذا فإني في نهاية هذه الأربعينية الأولى من عودتي إلى وطني العزيز لابد أن أقف وقفة سريعة مع القارئ لأقدم أربعة عشر ملاحظة و أقر بأن ما أجهله عن وطني أكثر مما أعرفه.

الملاحظة الأولى:تعبر عن تحول القيم وهي أن العلاقات الأسرية القبلية أصبح يتحكم فيها الجانب المادي فالقيادة الأسرية و القبلية أصبحت من نصيب الأفراد المحظوظين في هذه التكوينات الاجتماعية .
الملاحظة الثانية: و تتعلق بقمة القرار إذ ليس من رئيس في الديمقراطيات الغربية أو غيرها إلا و فيه من يؤثر عليه لأن القائم بذاته هو الله جل و علا الذي لم يشارك أحدا و لن يشاركه أحد في ملكه و لا يتصور هذا لغيره تعالى.
و عليه فإن رئيس موريتانيا الحالي الموقر لم تتكون بعد حوله جماعة من قبيلته أو من بعض أفراد القبائل الأخرى تكون مصدرا للتعيينات كما هو الحال في عهد ولد الطائع حيث كان أحمد (لبيظ ) أخو ولد الطائع و أعل ولد محمد فال و لوليد ولد وداد من مصادر التعيين في حكمه.
و هنا لابد أن أقدم توضيحا مع كلمة اعتذار للرئيس السابق أعل ولد محمد فال عند ما كان مديرا للأمن حيث دعاني ابن خالي سيدي أمحمد ولد أعل الذي هو عديله لتناول العشاء مع السيد أعل ولد محمد فال و بقيت أنا وهو في الصالون أنظر إلى التلفاز ولم أتبادل معه سوى عبارات المجاملة البسيطة وليس ذلك استهزاءا به بل كلي احترام له و تقدير و بالمناسبة فإن نفس الاحترام كان كذلك للسيد لوليد ولد وداد عند ما قال لي في باريس الإدارات مفتوحة أمامك فأجبته أعطوها للشباب . و كان هذا أبان الزيارة الأولى(لولد الطائع ) لباريس بعد انقلاب 84 .
بخلاف هذين الموفقين اللذين أحترم أهلهما فقد كان لي موقف آخر لا أحترم صاحبه هو ولد الطائع نفسه عند ما زار قريتنا و كنت أتحاشى أن أجلس معه فلاحظ ذلك فقال بغضب ألست المسؤول عن هذا المكان فقلت له لا يا رئيس وقدمت له أحد المواطنين البسطاء بدراعته التي ليست جميلة و أنزويت مع مستشاره الاقتصادي المصطفى ولد الشيخ محمدو.
الحقيقة أننا لم نعيش في باريس الذل و الهوان و الجوع و لم نعارض ولد هيدال من أجل إقامة نظام قبلي ولا من أجل خلق دولة في قمتها أفراد من اسماسيد بل كانت حساسيتي من نظامه القبلي تطبع كثيرا من أقوالي وتصرفاتي في تلك الحقبة .
بعد هذه الشطحة التاريخية يبدو لي و هذا من ملاحظات الأربعينية الأولى فعلى القارئ أن يأخذها بقدر من النسبية أن الرئيس الحالي يقال أنه لا تأثر فيه إلا السيدة الأولى في التعيينات وهذا ليس شيئا سيئا في تاريخ القادة فكم نساء عربيات فرضن على أزواجهن صلحا بين قبائل أو أعمال خير كثيرة.
وفي التاريخ المعاصر فإن ماتلدا خدمت دولة إسرائيل من خلال علاقتها بلندن جونصن رئيس أمريكا بعد كندي .
أنا هنا لا أريد أن عطي حكما و إنما أصور ما أراه من وجهة نظري.
في هذه الأربعينية الأولى ومن ناحية أخرى فإن بعض أفراد قبيلة الرئيس لهم دور في قولبة فكر الشارع الموريتاني الأمر الذي يتجلى في المساهمة الكبيرة في الشائعات التي تطلقها بعض المواقع.
وهذا ليس أمرا سيئا إذا كان في إطار سياسة أمنية تهدف لتحقيق المصالح العليا للأمة و ليس لغرض تفكيك الروابط الاجتماعية لها وليس كذالك لمجرد الإساءة على أفراد معينين كما كان في عهد ولد الطائع .
الملاحظة الثالثة: يبدو أن الرئيس متحكم جدا في إدارة بلده بل خلق مركزية إدارية لا توجد في كثير من بلدان العالم مع أننا قد نلتمس له العذر في ذلك نتيجة سوء التسيير و الفوضوية التي كانت سائدة في الإدارة. وليته استعمل أساليب الإدارة الحديثة في الرقابة و تشجيع المسؤولية من أجل خلق إدارة تنموية .
الملاحظة الرابعة: بلدنا يعيش حالة انكماش اقتصادي مع حالة تضخم خانق و إذا لم يتم علاجها فستدفع بالبلد إلى أزمة اقتصادية و اجتماعية مدمرة.
الملاحظة الخامسة: تنقسم المعارضة إلى شقين الشق الأول الانتهازيون الذين ناوروا في عهد ولد الطائع من أجل أن ينالوا حظهم من الثروة الموريتانية باسم العمل السياسي و ما زالوا يناورون حتى الآن الشق الثاني سعى و يسعى دائما من أجل خلق الأزمات المستحكمة للقضاء على النظام بغض النظر عن ما تقتضيه ظروف الصالح العام للأمة
الملاحظة السادسة: و صلت القبلية والجهوية إلى أوجهما في الوطن الموريتاني وليس شيئا يعاب على هذا النظام في ذالك فلقد دعمها ولد الطائع لمدة عشرين سنة لكن الذي يؤخذ على هذا الحكم هو أنه يدير سياسته في اتخاذ قراراته انطلاقا من واقع القبيلة .
إلا أن الرئيس بصفته شابا يتمتع بخاصية حب التغيير عليه أن يعلم أن القبلية و الجهوية خطران يهددان كيان الدولة الموريتانية وعليه أكثر من ذالك أن ينقذ الشبيبة من أن تلقي بنفسها في أتون الجهوية و القبلية
الملاحظة السابعة: أن دور المخابرات في اتخاذ قرارات الرئيس ينبغي أن يكون دورا أساسيا و ليس دورا هامشيا لكن قوة شخصية الرئيس و زمالة الجنرالين يبدو أنها أقنعته بأن دور المخابرات محدود فكريا و من هنا كان قصورها في التعيينات و في قرارات رئيس الجمهورية
الملاحظة الثامنة: يبدو لي أن دور الأحزاب والمنظمات المدنية جد محدود في تداول السلطة في السنوات القادمة وسيبقى ذالك في يد الجيش لفترة أخرى ليست بالقصيرة إلا أن مشاركة المدنيين في اتخاذ القرارات ومساهمة التكنوقراطيين في صياغة القرار السياسي أمر لا مفر منه .
هذا كله في حالة ما لم يتطور لا قدر الله تنظيم القاعدة والتحالفات الوطنية و الدولية التي في صالحه وفي حالة ما إذا لم تصل عدوى ما يسمى بالربيع العربي إلى موريتانيا .
الملاحظة التاسعة: بما أن دور البنوك في جميع البلاد هو جمع المدخرات و توظيفها لمصالح متطلبات الاقتصاد الوطني داخليا فقد يندهش المراقب الاقتصادي عندما يرى خمسة عشر مصرفا تتحرك في بلد صغير كبلدنا ولن يجد المراقب الاقتصادي لذالك من مسوغ اللهم إلا إذا كانت فلوس ما فيا المخدرات وسخاء البنك المركزي في أرصدته من العملات الخارجية وضعف القيود على إنشاء المصارف في وطننا العزيز.
الملاحظة العاشرة : رفض المعارضة المؤثرة دعم القرارات الإصلاحية لرئيس الجمهورية والعزلة التي أرادت المعارضة أن تجعل فيها النظام جعله نوعا ما لين العريكة مما أدى لبعض أفراد نظام ولد الطايع بعقيدتهم التمصلحية والعنصرية يتسللون وحدانا وزرافات إلى هذا النظام.
كما أن بعض أفراد قبيلة ولد الطايع الذين لا يزالون يسيطرون على الصعيد الاقتصادي يدعمون ذالك التسلل.
الملاحظة الحادية عشر: إن حالة الركود التي يعيشها بلدنا اليوم منعت بعض القبائل التي كانت على وشك الانطلاق اقتصاديا من استمرر نموها أذكر على سبيل المثال لا الحصر قبيلة أولاد باسبع التي كانت في عهد ولد الطايع في المركز الثاني بعد أسماسيد وقبيلة اديبوسات التي كانت في المركز الثالث وغيرهما.أما قبيلة السماسيد فلم يعد تطورها الاقتصادي مرتبطا بموريتانيا بقدر ما هو مرتبط بالاقتصاد الدولي.
الملاحظة الثانية عشر: إن ثقة الكثير من رجال الأعمال في الدولة بدأت تضعف نتيجة لحالة الركود هذه والتي يسميها النظام سياسة الترشيد وإن كنت لا أشك في النوايا الحسنة لذويها إلا أن سياسات الدول لا تبنى على النوايا الحسنة إذ لا بد أن تصاحب هذه السياسة استثمارات رأسية وأفقية وإلا أصبحت انعكاساتها مدمرة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
الملاحظة الثالثة عشر: إن المراقب لواقع بلدنا لا بد أن يلاحظ أن القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تنبعث من مركز واحد يجعل المرء يتذكر قول الويس الرابع عشر : C’est moi l’Etat بمعنى أنا الدولة.
الملاحظة الرابعة عشر: تغيرت أخلاقيات أهل بلدي في العقدين والنصف التي قضيتها خارجه فأصبحت كما يقول أبوا ذئيب الهذلي عن دار الكاهلية أنه لم يعد يتبين معالمها فقال :
فأصبحت أمشي في ديار كأنها
أنادي إذا أوفي من الأرض مربأ
كأني خلاف الصارخ الألف واحد
خلاف ديار الكاهلية عور
لأني سميع لو أجاب بصير
بأجرع لم يغضب إليه نصير

وأخيرا كنت أخذت عهدا على نفسي في الشام قبل وصولي إلى وطني أن أتواصل مع مواطني بلدي بكل الوسائل المتاحة لدي وها أنا ذا من خلال هذه السطور أقدم للقارئ ملاحظاتي حول بلدي بعد الأربعينية الأولى فإن وفقت فمن الله وإن قصرت فمعذرة على أمل أن يقوم مواطن آخر بعمل أفضل وإلى الأربعينية القادمة إن شاء الله تعالى.
والله ولي التوفيق.
محمد محمـــود ولـد بيه
باحث في الاقتصاد وكاتب في الإسلاميات
أستاذ سابق في الجامعة الوطنية في روندا – بوتاري
كلية الاقتصاد

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026