تاريخ الإضافة : 20.06.2008 11:11
تولستوي …) : رجاء ، انظروا إلي كما لو كنت مسلما صالحا ...)
محمد ولد أباه شيخنا ولد أوفى
مهند س مد ني هانوفر –المانيا
تولستوي …) : رجاء ، انظروا إلي كما لو كنت مسلما صالحا ...)
من بلاد المليون كاتب استوقفني أحد العمالقة و أساطين الأدب الروسي اشتهر برواياته في التاريخ المعاصر و حارب الكنيسة و زعمها لكثير من الأطروحات و التعاليم اعتبرها بعيدة عن تعاليم المسيح عليه السلام و سببا في انهيار القيم و المثل. ألا و هو المفكر و المصلح الاجتماعي داعية السلام الكبير الكاتب ليف نيكو لايفتش تولستوي Leo Tolstoi ( 1828 – 1910.(
لقد عرفناه كاتبا متميزا بمقدماته الرائعة الخيال في براعة الاستهلال ، لكن رؤاه الفلسفية و أعماله التي تعكس أفكاره عن الإله، الروح، الحب، معنى الحياة... إلخ لحد الآن لا نعلم عنها الكثير.
ولد في أسرة من كبار النبلاء الإقطاعيين الروس و تربى يتيما حيث رحلت والدته و هو لا يزال في الثانية من عمره ثم تبعها والده بعد عدة أعوام فتكفل به أقاربه و في السادسة عشر من عمره التحق بجامعة قازان (عاصمة جمهورية تاتارستان الإسلامية الروسية حاليا) في قسم الفلسفة و اللغات الشرقية (العربية و التركية) و أنتقل بعد ذلك إلى قسم الحقوق و لكن طريقة التدريس لم تعجبه فهجرها إلى الأعمال الحرة و بدأ بتثقيف نفسه، و خلال سنوات قليلة أتقن عدة لغات و أستوعب العلوم الطبيعية و الاجتماعية و الرياضيات و الموسيقى و الفن التشكيلي والطب و الزراعة، و شرع في الكتابة فبدأ حياته الأدبية بثلاثة كتب متتابعة: الطفولة، الصبا، و الشباب. و اتبع قواعد صارمة في إصلاح عيوبه و عيوب الآخرين، وبعد ذلك التحق بالجيش و شارك في بعض المعارك و بعد تقاعده من الجيش سافر إلى أوروبا الغربية و تحديدا ألمانيا، إيطاليا، سويسرا، بلجيكا و فرنسا. و أعجب بطريقة التدريس هناك. ولما عاد بدأ في تطبيق النظريات التربوية الأوروبية و ذلك بأن فتح مدرسة خاصة بأبناء المزارعين و أنشأ مجلة تربوية تدعى ياسنايا بوليانا (مسقط رأسه)، شرح فيها أفكاره التربوية و نشرها بين الناس.
البحث المستمر عن معنى الحياة، الأخلاق المثالية، الأنظمة العامة الخفية عن الوجود بالإضافة إلى نقده الروحي و الاجتماعي يمكن ملاحظته في كل أعماله الخلاقة و التي من أشهرها على الإطلاق : الحرب و السلام وآنا كارينينا (Anna Korinina) و هما في قمة الأدب الواقعي، فقد تناول في الأول مراحل الحياة المختلفة في أوروبا في الفترة ما بين 1805 م و 1820 م وغزو نابليون لروسيا و عالج في الثاني قضايا اجتماعية و أخلاقية و فلسفية في شكل مأساة غرامية كانت بطلتها آنًا كارينينا(Anna Korinina) . فجاء أسلوبه أكثر رقة و أقرب شقة و أنعم دقة من قيصر شعراء روسيا بلا نزاع و كاتبها المتفنن بلا خداع، واحد عصره بلا دفاع آليكسندر سيرغيفتش بوشكينAleksander Pushkin (1799م - 1837م) برأي عدد من نقاد الأدب الروسي.
وقد شذ معاصره الكاتب المشهور فيودور ميخايلوفيتش دستيوفسكي Fiodor Dostoïevski(1821 م 1881 م) (صاحب الجريمة و العقاب) الذي اعتبر تولستوي و خصوصا في آنًا كارينينا و التي لا مثيل لها في الأدب الأوروبي حسب تعبيره ينحو منحى بوشكين في نثرياته و أضاف قائلا : إننا من خلالها نستطيع أن نعرف أوروبا على بوشكين و عبقريته. و لا يخفى ما في كلامه هذا من نظر.
مهما يكن من أمر فإن دستيوفسكي يرى أن تولستوي من الشخصيات الموهوبة المؤثرة التي قدمت الكثير للأدب و التاريخ الروسي في عصره الذهبى، و في أواخر عمره أبدى رغبة شديدة في لقائه، و نوى السفر إلى ياسنايا بوليانا و لكن لقاء القمة مع ذلك لم يتسنى، لأن جماعة من الكتاب يرأسهم إيفان تورقينوفIvan Turgenov (صاحب الآباء و البنون) أثنوا عزمه عن ذلك محتجين بتهم و أقاويل كلها ساقطة مفادها أن تولستوي لم يعد يتمتع بكامل قواه العقلية. و من يقرأ آخر رسالة له قبل رحيله بأسبوع يتبين له بطلان ذلك، و عموما فإن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به عند عامة علماء الجرح و التعديل كما نص على ذلك الحافظ الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال في نقد الرجال.
أما كاتبنا بدوره فكان يتتبع أخبار معاصره من بعيد، و عندما وصله نبأ رحيله كتب إلى أحد الأصدقاء يقول: " أنا لم أرى هذا الشخص و لم تكن لي به أية صلة، و فجأة عندما رحل شعرت أنه كان لي بمثابة صديق غال و حميم."
لقد تأثر تولستوي بآخر رواية لدستيوفسكي الإخوة كارمازوفـ المعروفة ـ عند جماهير المسرح العربي بالإخوة الأعداء تأثرا بالغا ـ وهي من روائعه و عندما سئل هل قرأها أجاب " لم استطع قراءتها إلي النهاية" و ذلك لأنها جد مؤثرة .
منذ عام 1870م أعطى اهتماما كبيرا لمواضيع الموت الخطيئة، الكفارة، مكارم الأخلاق، فكانت طريقة تفكيره الاستثنائية في معظم الحالات مبهمة لدى المجتمع الروسي آنذاك.
لقد وقعت في يده نسخة من كتاب المحامي الهندي عبد الله السهروردي عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بالانكليزية فأعجب بها و ترجمها إلى الروسية و ألف كتابا أسماه من حكم النبي محمد صلى الله عليه و سلم، و قد أورد فيه أربعا و ستين حديثا منها ما أخرجه البخاري و مسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، و من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير قال تطعم الطعام و تقرأ السلام على من عرفت و من لم تعرف. و من حديث أبي هريرة رضي الله عنه "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد". و من حديثه أيضا " حفت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات" و اللفظ لمسلم. ومنها ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال رجل يا رسول الله أنصره إ ذا كان مظلوما أرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال تحجزه أو تمنعه فان ذلك نصره." و منها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد لله بن عمرو رضي الله عنهما" الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة"، ومنها ما أخرجه النسائي و أبو داود و غيرهم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه " أيما امرأة أستعطرت ثم خرجت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانيةٌٌ" و صححه بن خزيمة وبن حيان و الحاكم.
و منها ما أخرجه بن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه و الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه " اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا و أحشرني في زمرة المساكين" و قال الترمذي حديث غريب و قد صححه عدد من العلماء منهم البوصيري رحمه الله. و المسكنة- على فرض صحة الحديث ـ هي التواضع.
و يقول تولستوي في الكتاب نفسه : " إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يقل عن نفسه إنه نبي الله الوحيد بل أعترف بنبوة عيسى و موسى عليهما السلام" و قال إن اليهود و النصارى لايكرهون على ترك دينهم و يستطرد قائلا: " إن المسلمين اشتهروا في صدر الإسلام بطهارة السيرة، و الاستقامة، والنزاهة والزهد في الديانة الباطلة حتى أدهشوا المحيطين بهم بما هم عليه من كرم الأخلاق. ومن فضائل الدين الإسلامي أنه أوصى خيرا بالمسيحيين و اليهود لا سيما القساوسة فقد أمر بحسن معاملتهم ومؤازرتهم و قد أباح هذا الدين لأتباعه التزوج من المسيحيات و اليهوديات مع الترخيص لهن بالبقاء على دينهن. و لا يخفى على أصحاب البصائر النيرة ما في ذلك من التساهل. و مما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه و سلم من عظماء المصلحين الذين خدموا الهيئة الاجتماعية و جعلها تجنح للسكينة و السلام و تفضل عيشة الزهد و منعها من سفك الدماء و منح لها طرق الرقي و المدنية و هو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة ، و رجل مثل هذا جدير بالاحترام و الإكرام. و من أراد أن يتحقق مما عليه الدين الإسلامي فما عليه إلا أن يقرأ القرآن بتدبر. وقد جاءت فيه آيات كريمة تدل على روح الدين الإسلامي السامية فمنها قوله تعالى في سورة آل عمران.
"واعتصموا بحبل جميعا و لا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون" .
من أشهر أقوال تولستوي :
• أكثر الناس كلاما من ليس لديه ما يقول.
• الحكمة معرفة الهدف من الحياة و طريقة الوصول إليه.
• كن صدوقا حتى مع الأطفال و إلا فستعلمهم الكذب.
• السعيد هو من سعد في بيته .
• الأقوياء دائما بسطاء.
• لا تصدق كلامك و لا كلام غيرك، ولكن صدق أفعالك و أفعال غيرك.
• لا تخف الموت و لا تتمناه.
• الأفضل لك أن لا تعمل شيئا من أن تعمل لاشيء.
• عند ما تعاشر الناس لا تنسى ما تعلمته في عزلتك و في عزلتك فكر جيدا فيما تعلمته من معاشرة الناس.
• إننا نتعلم كيف نتكلم و نجهل كيف ومتى نسكت.
• كل الأسر السعيدة متشابهة أما الأسر التعيسة فلكل منها تعاستها الخاصة.
لقد تعمق تولستوي كثيرا في القراءات الدينية، وقاوم الكنيسة الاورتودوكسية في روسيا و قال إنها عين الخداع الذي يخول للناس استعباد بعضهم البعض و دعا إلى السلام وعدم الاستغلال، وعارض القوة و العنف، فلم تقبل الكنيسة أفكاره فكفرته و أبعدته عنها و اعتبرته شخصا بغيضا و ملعونا. و عندما بلغ السبعين من عمره سئم من حياة الثراء والرفاهية، فتنازل عن أملاكه الشخصية للفلاحين. و ارتدى ثياب الفقراء وعاش في الحقول المحيطة ببلدته يكسب قوته من عمل يده. و كان يصنع أحذيته و يكنس غرفته ويأكل في طبق من الخشب فأثار ذلك غضب زوجته و بدأت تشكو منه و من تلامذته و حاولت بكل ما في وسعها أن تستعيد ممتلكات زوجها.
و خلال المعركة الطاحنة التي دارت بينها و بين تلامذته قرر تولستوي الرحيل خفية و قد تجاوز الثمانين، فاستقل قطارا يركب في عربة الدرجة الثالثة المزدحمة و في طريقه أصيب بالتهاب رئوي حاد فاضطر للخروج من القطار و في مكان متواضع بمحطة استابوفو بدأ أديب روسيا الأول يلفظ آخر أنفاسه و أكتظ المكان بالإعلاميين و المصورين و رجال السينما، و طوق الأمن المحطة بكاملها و دخل جمع من القساوسة عليه في آخر محاولة لهم لرده عن مواقفه تجاه الكنيسة، لكنه أبى و تأبى و توفي و هو يكرر إني أحب الحقيقة، أحبها كثيرا، و أكره الشهرة، بل و أمقتها هذا كل ما في الأمر.
ولما انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء وقع نبأ وفاته وقعا مؤلما في الشرق و الغرب فرثاه أمير الشعراء، احمد شوقي، بقصيدة طويلة نقتطف منها هذه الأبيات:
طــولـــــستوي تجــــري آية العلم دمعها علــــــــيك و يبــــــكي بائــــــس وفقـــير
و شعـــــب ضعيف الركن زال نصيره و ما كــــــل يــــــوم للضــــعيف نصــــير
وينـــــدب فلاحـــــون أنـت منـــــــارهم و انــــت ســــــراج غيــــــــــبوه منــــير
يعــــــانون في الاكــــواخ ظلما و ظلـمة و لا يمـلكــون البث و هـو يســــــــــــير
تطوف كعيسى بالحنان و بالرضــــــــى عـليـــهم و تغــــــشى دورهــــم و تـــزور
ويأســـــــى علــــــــيك الدين إذ أنت لبه و للخــــــــادمـــــــــين النــــاقمين قشــور
إلى أن يقول:
إليك اعـــترافي لا لقـــــس و كاهــــــــن و نجـــــــواي بعــــــد الله و هـــو غفــــور
فزهدك لم يــــنكره في الأرض عـــــارف ولا متـــــعال في الســـــــــماء كبـــــــــــير
بيان يـــــــــــــشم الوحي من نفـــــــــحاته و علــــــــم كعـــــــــلم الأنبياء غــــــــــــزير
ورثاه حافظ إبراهيم بقصيدة لا تقل شانا عن صاحبتها بقوله:
رثـــاك أميـــــــر الشـــعر و انــــــــــــــــــبرى لمـــــدحك مـــــــــن كـــــتاب مصــــر كبـــير
و لســـت أبــــــــــــالي حين أرثيـــــــك بعـــــده إذا قيـــــل عني قــــــد رثـــــــاه صـــــــــــغير
فقــــــــد كنت عونا للــــــــضعيف و إنــــــــني ضعيـــــف ومـــــالي في الحـــــــــــياة نصـير
و لســــــــت أبالي حـــــــــين أبكــــــــيك للوري حـــــــوتك جـــــنان أو حــــــــــواك سعــــــير
فـــــــــــــإني أحــب النابغــــــــين لعـــــــلمــــهم و اعشـــق روض الفــــــــــكر و هـــو نضير
دعــــــــوت إلى عيـــــــسى فضجت كنــــــــائس و هـــــــــــز لـــها عـــــرش و ماد ســـــــرير
وقـــال أنــــــــــاس إنــــه قـــــــــول ملــــــــــحد و قـــــــــال أنــــــــاس إ نــــــه لبــــــشيـــــــر
إلى أن يقول:
و أيقنــــت أن الــــــــدين للــــــــــــــه وحـــــــده و أن قــــبور الزاهـــــديـــــــــــــــن قصـــــور
قضــــيت حيــــــــــــاة ملؤها البــــــــــر و التقى فأنـــــت بأجـــــــر المتـــــــــــــقين جـــــــــدير
و ســــــــــــــــــموك فيـــــلسوفا وأمــــــســـــكوا و ما أنـــــت إلا محــــسن و مجـــــــــــــــــــير
و مــــــــــــــــــا أنــت إلا زاهــــــد صاح صـيحة يـــــــــرن صداها ســــاعة و يطـــــــــــــير
هكذا طارت شهرة المفكر الروسي الذي آثر حياة الزهد و التقشف و عمد إلى العزلة هاربا من بيته و لكن السؤال يبقى مطروحا لماذا كانت حياته محزنة؟ و إلى أين كان متجها يا ترى بعد مغادرته بيته؟ ربما يساعدنا في الإجابة على هذا السؤال البعض من رسائله لاسيما حين يتحدث عن الكنيسة قائلا:
إن العالم قام بكل ما يحلوا له معتبرا أن الكنيسة باستطاعتها أن تجاريه في كل أطروحاتها عن معنى الحياة و التي جاءت منافية لتعاليم السيد المسيح عليه السلام. و الكنيسة اختلقت قصصا وأحاديث زاعمة بذلك أن العالم الذي يخترق هذه التعاليم إنما يعيش طبقا لها و انتهى الأمر أن العالم صار يعيش حياة أسوأ من حياة الوثنيين و قامت الكنيسة بتأييد ذلك مدعية أن مثل هذه الحياة منسجمة تماما مع تعاليم السيد المسيح (عليه السلام) (ياسنايا بوليانا 1909).
ويذهب الكاتب تولستوي أبعد من ذلك في اتجاه الدين الإسلامي و القرب من تعاليمه السمحة حين يجيب المرأة الروسية فيكولوفا ، التي تزوجت من رجل مسلم، فكتبت إليه قائلة :
إن ولديها يودان اعتناق الدين الإسلامي و طلبت نصيحته فأجابها:
فيما يتعلق بالمفاضلة بين الإسلام و الاورتودوكسية فـأنا متعاطف جدا مع هذا التحول. ربما يكون هذا القول غريبا على شخص مثلي. و الذي يقيم المثالية المسيحية و تعاليم السيد المسيح في مغزاها الصافي أكثر من أي شيء آخر، أنا لا أشك بان الإسلام في شكله الخارجي يقف في مكان أعلى من الكنيسة الاورتودوكسية، و لهذا إذا أعطي لشخص ما خياران فقط بموالاة الكنيسة الاورتودوكسية أو الإسلام فإن أي شخص مدرك سوف لا يتردد في هذا الاختيار و سيفضل الإسلام لقبوله عقيدة واحدة، إلها واحدا و رسوله عوضا عن الأشياء المعقدة و المبهمة في اللاهوت مثل الثالوث المقدس ، القديسون و أيقوناتهم و خدماتهم المعقدة. ياسنيا بوليانا، مارس 1909).
و يمكن إن نورد رسالة أخرى من رسائله و التي تشرح نظرته إلي العالم التي تشكلت كنتيجة لبحثه الطويل المؤلم عن الحقيقة:
"سأكون سعيدا جدا لو كنتم على نفس القدر من الإيمان مثلي. حاولوا فقط أن تفهموا ما حياتي. أنا لا أملك أي نجاح في الحياة مثل الثروة، الشرف، الشهرة. أصدقائي بل وحتى عائلتي تخلوا عني. بعض الليبراليين و محبي الجمال يعتبرونني مجنونا أو أحمق أو شبيها بأمثال غوغول Gogol(صاحب النفوس الميتة)، آخرون كالثوريين و المتطرفين يعتبرونني صوفيا، ثرثارا، الموظفون الرسميون يعتبرونني ثوريا حاقدا، الاورتودوكسيون يعتبرونني شيطانا ماردا. أنا أعترف بان هذا كله صعب علي... و لهذا رجاء انظروا إلي كما لو كنت مسلما صالحا ، فحينئذ سيكون كل شيء على أحسن ما يرام." (ياسنيا بوليانا،يناير 1884).
ما من شك في أن القارئ لمثل هذه الرسائل يضع هذا الكاتب –لامحالةـ في خانة أهل الإيثار و الزهد الذين سعوا لمعرفة الحقيقة و الوصول إليها بكل ما أوتوا من غنى في التجربة وعطاء معرفي و ذكاء خارق و ذهن ثاقب.
ان كتاباته تنم عن فلسفة خاصة و متميزة في الحياة كادت تقوده إلى الدين الإسلامي إن لم تكن فعلا قادته... فمتى ستجد كتاباته المتميزة القدر الكافي من عناية و اهتمام الباحثين و المفكرين؟ و أي صدى سيكون لها في حوار الأديان والثقافات؟
مهند س مد ني هانوفر –المانيا
تولستوي …) : رجاء ، انظروا إلي كما لو كنت مسلما صالحا ...)
من بلاد المليون كاتب استوقفني أحد العمالقة و أساطين الأدب الروسي اشتهر برواياته في التاريخ المعاصر و حارب الكنيسة و زعمها لكثير من الأطروحات و التعاليم اعتبرها بعيدة عن تعاليم المسيح عليه السلام و سببا في انهيار القيم و المثل. ألا و هو المفكر و المصلح الاجتماعي داعية السلام الكبير الكاتب ليف نيكو لايفتش تولستوي Leo Tolstoi ( 1828 – 1910.(
لقد عرفناه كاتبا متميزا بمقدماته الرائعة الخيال في براعة الاستهلال ، لكن رؤاه الفلسفية و أعماله التي تعكس أفكاره عن الإله، الروح، الحب، معنى الحياة... إلخ لحد الآن لا نعلم عنها الكثير.
ولد في أسرة من كبار النبلاء الإقطاعيين الروس و تربى يتيما حيث رحلت والدته و هو لا يزال في الثانية من عمره ثم تبعها والده بعد عدة أعوام فتكفل به أقاربه و في السادسة عشر من عمره التحق بجامعة قازان (عاصمة جمهورية تاتارستان الإسلامية الروسية حاليا) في قسم الفلسفة و اللغات الشرقية (العربية و التركية) و أنتقل بعد ذلك إلى قسم الحقوق و لكن طريقة التدريس لم تعجبه فهجرها إلى الأعمال الحرة و بدأ بتثقيف نفسه، و خلال سنوات قليلة أتقن عدة لغات و أستوعب العلوم الطبيعية و الاجتماعية و الرياضيات و الموسيقى و الفن التشكيلي والطب و الزراعة، و شرع في الكتابة فبدأ حياته الأدبية بثلاثة كتب متتابعة: الطفولة، الصبا، و الشباب. و اتبع قواعد صارمة في إصلاح عيوبه و عيوب الآخرين، وبعد ذلك التحق بالجيش و شارك في بعض المعارك و بعد تقاعده من الجيش سافر إلى أوروبا الغربية و تحديدا ألمانيا، إيطاليا، سويسرا، بلجيكا و فرنسا. و أعجب بطريقة التدريس هناك. ولما عاد بدأ في تطبيق النظريات التربوية الأوروبية و ذلك بأن فتح مدرسة خاصة بأبناء المزارعين و أنشأ مجلة تربوية تدعى ياسنايا بوليانا (مسقط رأسه)، شرح فيها أفكاره التربوية و نشرها بين الناس.
البحث المستمر عن معنى الحياة، الأخلاق المثالية، الأنظمة العامة الخفية عن الوجود بالإضافة إلى نقده الروحي و الاجتماعي يمكن ملاحظته في كل أعماله الخلاقة و التي من أشهرها على الإطلاق : الحرب و السلام وآنا كارينينا (Anna Korinina) و هما في قمة الأدب الواقعي، فقد تناول في الأول مراحل الحياة المختلفة في أوروبا في الفترة ما بين 1805 م و 1820 م وغزو نابليون لروسيا و عالج في الثاني قضايا اجتماعية و أخلاقية و فلسفية في شكل مأساة غرامية كانت بطلتها آنًا كارينينا(Anna Korinina) . فجاء أسلوبه أكثر رقة و أقرب شقة و أنعم دقة من قيصر شعراء روسيا بلا نزاع و كاتبها المتفنن بلا خداع، واحد عصره بلا دفاع آليكسندر سيرغيفتش بوشكينAleksander Pushkin (1799م - 1837م) برأي عدد من نقاد الأدب الروسي.
وقد شذ معاصره الكاتب المشهور فيودور ميخايلوفيتش دستيوفسكي Fiodor Dostoïevski(1821 م 1881 م) (صاحب الجريمة و العقاب) الذي اعتبر تولستوي و خصوصا في آنًا كارينينا و التي لا مثيل لها في الأدب الأوروبي حسب تعبيره ينحو منحى بوشكين في نثرياته و أضاف قائلا : إننا من خلالها نستطيع أن نعرف أوروبا على بوشكين و عبقريته. و لا يخفى ما في كلامه هذا من نظر.
مهما يكن من أمر فإن دستيوفسكي يرى أن تولستوي من الشخصيات الموهوبة المؤثرة التي قدمت الكثير للأدب و التاريخ الروسي في عصره الذهبى، و في أواخر عمره أبدى رغبة شديدة في لقائه، و نوى السفر إلى ياسنايا بوليانا و لكن لقاء القمة مع ذلك لم يتسنى، لأن جماعة من الكتاب يرأسهم إيفان تورقينوفIvan Turgenov (صاحب الآباء و البنون) أثنوا عزمه عن ذلك محتجين بتهم و أقاويل كلها ساقطة مفادها أن تولستوي لم يعد يتمتع بكامل قواه العقلية. و من يقرأ آخر رسالة له قبل رحيله بأسبوع يتبين له بطلان ذلك، و عموما فإن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به عند عامة علماء الجرح و التعديل كما نص على ذلك الحافظ الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال في نقد الرجال.
أما كاتبنا بدوره فكان يتتبع أخبار معاصره من بعيد، و عندما وصله نبأ رحيله كتب إلى أحد الأصدقاء يقول: " أنا لم أرى هذا الشخص و لم تكن لي به أية صلة، و فجأة عندما رحل شعرت أنه كان لي بمثابة صديق غال و حميم."
لقد تأثر تولستوي بآخر رواية لدستيوفسكي الإخوة كارمازوفـ المعروفة ـ عند جماهير المسرح العربي بالإخوة الأعداء تأثرا بالغا ـ وهي من روائعه و عندما سئل هل قرأها أجاب " لم استطع قراءتها إلي النهاية" و ذلك لأنها جد مؤثرة .
منذ عام 1870م أعطى اهتماما كبيرا لمواضيع الموت الخطيئة، الكفارة، مكارم الأخلاق، فكانت طريقة تفكيره الاستثنائية في معظم الحالات مبهمة لدى المجتمع الروسي آنذاك.
لقد وقعت في يده نسخة من كتاب المحامي الهندي عبد الله السهروردي عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بالانكليزية فأعجب بها و ترجمها إلى الروسية و ألف كتابا أسماه من حكم النبي محمد صلى الله عليه و سلم، و قد أورد فيه أربعا و ستين حديثا منها ما أخرجه البخاري و مسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، و من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير قال تطعم الطعام و تقرأ السلام على من عرفت و من لم تعرف. و من حديث أبي هريرة رضي الله عنه "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد". و من حديثه أيضا " حفت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات" و اللفظ لمسلم. ومنها ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال رجل يا رسول الله أنصره إ ذا كان مظلوما أرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال تحجزه أو تمنعه فان ذلك نصره." و منها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد لله بن عمرو رضي الله عنهما" الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة"، ومنها ما أخرجه النسائي و أبو داود و غيرهم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه " أيما امرأة أستعطرت ثم خرجت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانيةٌٌ" و صححه بن خزيمة وبن حيان و الحاكم.
و منها ما أخرجه بن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه و الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه " اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا و أحشرني في زمرة المساكين" و قال الترمذي حديث غريب و قد صححه عدد من العلماء منهم البوصيري رحمه الله. و المسكنة- على فرض صحة الحديث ـ هي التواضع.
و يقول تولستوي في الكتاب نفسه : " إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يقل عن نفسه إنه نبي الله الوحيد بل أعترف بنبوة عيسى و موسى عليهما السلام" و قال إن اليهود و النصارى لايكرهون على ترك دينهم و يستطرد قائلا: " إن المسلمين اشتهروا في صدر الإسلام بطهارة السيرة، و الاستقامة، والنزاهة والزهد في الديانة الباطلة حتى أدهشوا المحيطين بهم بما هم عليه من كرم الأخلاق. ومن فضائل الدين الإسلامي أنه أوصى خيرا بالمسيحيين و اليهود لا سيما القساوسة فقد أمر بحسن معاملتهم ومؤازرتهم و قد أباح هذا الدين لأتباعه التزوج من المسيحيات و اليهوديات مع الترخيص لهن بالبقاء على دينهن. و لا يخفى على أصحاب البصائر النيرة ما في ذلك من التساهل. و مما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه و سلم من عظماء المصلحين الذين خدموا الهيئة الاجتماعية و جعلها تجنح للسكينة و السلام و تفضل عيشة الزهد و منعها من سفك الدماء و منح لها طرق الرقي و المدنية و هو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة ، و رجل مثل هذا جدير بالاحترام و الإكرام. و من أراد أن يتحقق مما عليه الدين الإسلامي فما عليه إلا أن يقرأ القرآن بتدبر. وقد جاءت فيه آيات كريمة تدل على روح الدين الإسلامي السامية فمنها قوله تعالى في سورة آل عمران.
"واعتصموا بحبل جميعا و لا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون" .
من أشهر أقوال تولستوي :
• أكثر الناس كلاما من ليس لديه ما يقول.
• الحكمة معرفة الهدف من الحياة و طريقة الوصول إليه.
• كن صدوقا حتى مع الأطفال و إلا فستعلمهم الكذب.
• السعيد هو من سعد في بيته .
• الأقوياء دائما بسطاء.
• لا تصدق كلامك و لا كلام غيرك، ولكن صدق أفعالك و أفعال غيرك.
• لا تخف الموت و لا تتمناه.
• الأفضل لك أن لا تعمل شيئا من أن تعمل لاشيء.
• عند ما تعاشر الناس لا تنسى ما تعلمته في عزلتك و في عزلتك فكر جيدا فيما تعلمته من معاشرة الناس.
• إننا نتعلم كيف نتكلم و نجهل كيف ومتى نسكت.
• كل الأسر السعيدة متشابهة أما الأسر التعيسة فلكل منها تعاستها الخاصة.
لقد تعمق تولستوي كثيرا في القراءات الدينية، وقاوم الكنيسة الاورتودوكسية في روسيا و قال إنها عين الخداع الذي يخول للناس استعباد بعضهم البعض و دعا إلى السلام وعدم الاستغلال، وعارض القوة و العنف، فلم تقبل الكنيسة أفكاره فكفرته و أبعدته عنها و اعتبرته شخصا بغيضا و ملعونا. و عندما بلغ السبعين من عمره سئم من حياة الثراء والرفاهية، فتنازل عن أملاكه الشخصية للفلاحين. و ارتدى ثياب الفقراء وعاش في الحقول المحيطة ببلدته يكسب قوته من عمل يده. و كان يصنع أحذيته و يكنس غرفته ويأكل في طبق من الخشب فأثار ذلك غضب زوجته و بدأت تشكو منه و من تلامذته و حاولت بكل ما في وسعها أن تستعيد ممتلكات زوجها.
و خلال المعركة الطاحنة التي دارت بينها و بين تلامذته قرر تولستوي الرحيل خفية و قد تجاوز الثمانين، فاستقل قطارا يركب في عربة الدرجة الثالثة المزدحمة و في طريقه أصيب بالتهاب رئوي حاد فاضطر للخروج من القطار و في مكان متواضع بمحطة استابوفو بدأ أديب روسيا الأول يلفظ آخر أنفاسه و أكتظ المكان بالإعلاميين و المصورين و رجال السينما، و طوق الأمن المحطة بكاملها و دخل جمع من القساوسة عليه في آخر محاولة لهم لرده عن مواقفه تجاه الكنيسة، لكنه أبى و تأبى و توفي و هو يكرر إني أحب الحقيقة، أحبها كثيرا، و أكره الشهرة، بل و أمقتها هذا كل ما في الأمر.
ولما انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء وقع نبأ وفاته وقعا مؤلما في الشرق و الغرب فرثاه أمير الشعراء، احمد شوقي، بقصيدة طويلة نقتطف منها هذه الأبيات:
طــولـــــستوي تجــــري آية العلم دمعها علــــــــيك و يبــــــكي بائــــــس وفقـــير
و شعـــــب ضعيف الركن زال نصيره و ما كــــــل يــــــوم للضــــعيف نصــــير
وينـــــدب فلاحـــــون أنـت منـــــــارهم و انــــت ســــــراج غيــــــــــبوه منــــير
يعــــــانون في الاكــــواخ ظلما و ظلـمة و لا يمـلكــون البث و هـو يســــــــــــير
تطوف كعيسى بالحنان و بالرضــــــــى عـليـــهم و تغــــــشى دورهــــم و تـــزور
ويأســـــــى علــــــــيك الدين إذ أنت لبه و للخــــــــادمـــــــــين النــــاقمين قشــور
إلى أن يقول:
إليك اعـــترافي لا لقـــــس و كاهــــــــن و نجـــــــواي بعــــــد الله و هـــو غفــــور
فزهدك لم يــــنكره في الأرض عـــــارف ولا متـــــعال في الســـــــــماء كبـــــــــــير
بيان يـــــــــــــشم الوحي من نفـــــــــحاته و علــــــــم كعـــــــــلم الأنبياء غــــــــــــزير
ورثاه حافظ إبراهيم بقصيدة لا تقل شانا عن صاحبتها بقوله:
رثـــاك أميـــــــر الشـــعر و انــــــــــــــــــبرى لمـــــدحك مـــــــــن كـــــتاب مصــــر كبـــير
و لســـت أبــــــــــــالي حين أرثيـــــــك بعـــــده إذا قيـــــل عني قــــــد رثـــــــاه صـــــــــــغير
فقــــــــد كنت عونا للــــــــضعيف و إنــــــــني ضعيـــــف ومـــــالي في الحـــــــــــياة نصـير
و لســــــــت أبالي حـــــــــين أبكــــــــيك للوري حـــــــوتك جـــــنان أو حــــــــــواك سعــــــير
فـــــــــــــإني أحــب النابغــــــــين لعـــــــلمــــهم و اعشـــق روض الفــــــــــكر و هـــو نضير
دعــــــــوت إلى عيـــــــسى فضجت كنــــــــائس و هـــــــــــز لـــها عـــــرش و ماد ســـــــرير
وقـــال أنــــــــــاس إنــــه قـــــــــول ملــــــــــحد و قـــــــــال أنــــــــاس إ نــــــه لبــــــشيـــــــر
إلى أن يقول:
و أيقنــــت أن الــــــــدين للــــــــــــــه وحـــــــده و أن قــــبور الزاهـــــديـــــــــــــــن قصـــــور
قضــــيت حيــــــــــــاة ملؤها البــــــــــر و التقى فأنـــــت بأجـــــــر المتـــــــــــــقين جـــــــــدير
و ســــــــــــــــــموك فيـــــلسوفا وأمــــــســـــكوا و ما أنـــــت إلا محــــسن و مجـــــــــــــــــــير
و مــــــــــــــــــا أنــت إلا زاهــــــد صاح صـيحة يـــــــــرن صداها ســــاعة و يطـــــــــــــير
هكذا طارت شهرة المفكر الروسي الذي آثر حياة الزهد و التقشف و عمد إلى العزلة هاربا من بيته و لكن السؤال يبقى مطروحا لماذا كانت حياته محزنة؟ و إلى أين كان متجها يا ترى بعد مغادرته بيته؟ ربما يساعدنا في الإجابة على هذا السؤال البعض من رسائله لاسيما حين يتحدث عن الكنيسة قائلا:
إن العالم قام بكل ما يحلوا له معتبرا أن الكنيسة باستطاعتها أن تجاريه في كل أطروحاتها عن معنى الحياة و التي جاءت منافية لتعاليم السيد المسيح عليه السلام. و الكنيسة اختلقت قصصا وأحاديث زاعمة بذلك أن العالم الذي يخترق هذه التعاليم إنما يعيش طبقا لها و انتهى الأمر أن العالم صار يعيش حياة أسوأ من حياة الوثنيين و قامت الكنيسة بتأييد ذلك مدعية أن مثل هذه الحياة منسجمة تماما مع تعاليم السيد المسيح (عليه السلام) (ياسنايا بوليانا 1909).
ويذهب الكاتب تولستوي أبعد من ذلك في اتجاه الدين الإسلامي و القرب من تعاليمه السمحة حين يجيب المرأة الروسية فيكولوفا ، التي تزوجت من رجل مسلم، فكتبت إليه قائلة :
إن ولديها يودان اعتناق الدين الإسلامي و طلبت نصيحته فأجابها:
فيما يتعلق بالمفاضلة بين الإسلام و الاورتودوكسية فـأنا متعاطف جدا مع هذا التحول. ربما يكون هذا القول غريبا على شخص مثلي. و الذي يقيم المثالية المسيحية و تعاليم السيد المسيح في مغزاها الصافي أكثر من أي شيء آخر، أنا لا أشك بان الإسلام في شكله الخارجي يقف في مكان أعلى من الكنيسة الاورتودوكسية، و لهذا إذا أعطي لشخص ما خياران فقط بموالاة الكنيسة الاورتودوكسية أو الإسلام فإن أي شخص مدرك سوف لا يتردد في هذا الاختيار و سيفضل الإسلام لقبوله عقيدة واحدة، إلها واحدا و رسوله عوضا عن الأشياء المعقدة و المبهمة في اللاهوت مثل الثالوث المقدس ، القديسون و أيقوناتهم و خدماتهم المعقدة. ياسنيا بوليانا، مارس 1909).
و يمكن إن نورد رسالة أخرى من رسائله و التي تشرح نظرته إلي العالم التي تشكلت كنتيجة لبحثه الطويل المؤلم عن الحقيقة:
"سأكون سعيدا جدا لو كنتم على نفس القدر من الإيمان مثلي. حاولوا فقط أن تفهموا ما حياتي. أنا لا أملك أي نجاح في الحياة مثل الثروة، الشرف، الشهرة. أصدقائي بل وحتى عائلتي تخلوا عني. بعض الليبراليين و محبي الجمال يعتبرونني مجنونا أو أحمق أو شبيها بأمثال غوغول Gogol(صاحب النفوس الميتة)، آخرون كالثوريين و المتطرفين يعتبرونني صوفيا، ثرثارا، الموظفون الرسميون يعتبرونني ثوريا حاقدا، الاورتودوكسيون يعتبرونني شيطانا ماردا. أنا أعترف بان هذا كله صعب علي... و لهذا رجاء انظروا إلي كما لو كنت مسلما صالحا ، فحينئذ سيكون كل شيء على أحسن ما يرام." (ياسنيا بوليانا،يناير 1884).
ما من شك في أن القارئ لمثل هذه الرسائل يضع هذا الكاتب –لامحالةـ في خانة أهل الإيثار و الزهد الذين سعوا لمعرفة الحقيقة و الوصول إليها بكل ما أوتوا من غنى في التجربة وعطاء معرفي و ذكاء خارق و ذهن ثاقب.
ان كتاباته تنم عن فلسفة خاصة و متميزة في الحياة كادت تقوده إلى الدين الإسلامي إن لم تكن فعلا قادته... فمتى ستجد كتاباته المتميزة القدر الكافي من عناية و اهتمام الباحثين و المفكرين؟ و أي صدى سيكون لها في حوار الأديان والثقافات؟







