تاريخ الإضافة : 01.09.2011 14:11

التغيير في موريتانيا ...بعد هيجل أين أنت يا ماركس؟!

سيد الامين ولد باب

سيد الامين ولد باب

قد يبدوا الموضوع إلي حد ما غارقا في الرمزية ، بعيدا عن الانسجام قريبا إلي الغموض ، كأنه موجه إلي النخبة المثقفة في البلاد ، والواقع أنه أبعد ما يكون عن ذلك ، حيث لن نأخذ من الشطر الأخير إلا قدر ما يخدم الأول : فالجدل هو تغير وحركة ..والتغيير هو كذلك حركة وتغير .

كلاهما أفقي لكن ماركس يعطي للجدل شكل الكائن العاقل القادر علي الحركة والمشي منتصبا علي قدميه وهكذا فعل ـ حسب رأيه ـ بعد أن كان مع هيجل يمشي علي رأسه. ونأخذ من الشطر الأولوهو الأساس ،ما قد ينفع في تأمل الثاني!!.

إن اهتمام هيجل بالبنية الفوقية واعتباره أن الفكر هو سيد الموقف ، هو ما يرمز له ماركس بالمشي علي الرأس عندما قال بأن الجدل عند هيجل كان يمشي علي رأسه ،كما رمز بالمشي علي القدمين ، لما يراه أنجع في سلسلة التغيرات التي تحدث للمجتمعات ، أو ما يراه سببا في ذلك ، وهو البنية التحتية من طبقات ولوازم اجتماعية ، وقد اقتبسنا من هذه الرمزية ، ما ينفع في توضيح واقع ومسيرة التغيير الهادف والبناء الذي أقدمت عليه بلادنا منذ فجر السادس من أغسطس سنة ألفين

وثمانية ،والذي يشكك البعض في مصداقيته ، فرمزنا بالرأس لرأس النظام وبالقدمين للمجتمع .
لقد لفت انتباهي أن العامل الزمني الذي أغفله ماركس بينه وبين هيجل كان مفيدا لحسم النزاع بينهما ،بصدق ما ذهب إليه كل منهما .الأمر الذي يفي بربط الفكر الجدلي بينهما بتجاوز الأول احتواء ،بدل تجاوزه إبطالا, فلقد أوحي إلي بفكرة الزمن هذه ، تأملي في واقع التغيير في بلادنا (موريتانيا)ما تحقق منه ومالم يتحقق .
إن التغيير في بلادنا أسس له فكريا وحضر له، قبل أن يصبح واقعا ملموسا ،وبغض النظر عن ما إذا كان ذلك الفكر ولد مكتملا أم أنه مفتوح علي الوقائع والمستجدات حسب الزمن أو الأولويات ،فإن السيد محمد ولد عبد عزيز قد جاء إلي السلطة برؤية واضحة ودقيقة حول إصلاح المجتمع وبناء الدولة من جديد علي أسس سليمة وقوية (التغيير الهادف والبناء) ولا أدل علي ذلك من إعلانه تجديد الطبقة السياسية والانحياز إلي الفقراء والمساكين ، والوقوف مع المظلوم فردا كان

أو فيئة من المجتمع حتي يأخذ حقه .
إن المنهج الجدلي الذي يعتمده الرئيس لتحقيق ذلك التغيير الهادف ، هو منهج يحقق فيما رأيت الانسجام والتوافق بين هيجل وماركس ، فلا يلغي أيا منهما لحساب الآخر ، مستفيدا من فكرة الزمن لتحقيق ذلك ، فلا يكون ما ذهب إليه ماركس فارغا من مضمونه وغير قابل للتحقق لغياب القصد والتحضير ، الأمر الذي يوجب

خطوة قبله يفي بها مضمون ما ذهب إليه هيجل ،ولا يبقي هذا الأخير بغير معني إذا لم يلمس الواقع وفقا لما ذهب إليه ماركس!.
بعد مرور عامين فقط من حكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز، يحلوا للبعض أن يكونوا غير راضين ، معتبرين أن كل ما كان يقال من إصلاح المجتمع هو مجرد جلبة لا طائل منها ، وكأنهم يقولون حسب منطقنا المتقدم الذكر: التغيير في موريتانيا... بعد هيجل أين أنت يا ماركس؟! كأنهم يقولون أين هي الطبقة السياسية

الجديدة ؟ وأين هو الوقوف مع الفقراء والمساكين في ظل ارتفاع الأسعار؟ ، وأين هو إنصاف المظلوم ؟
لا أجد غضاضة في الإجابة علي تساؤلات كهذه لم تعد مطروحة ، لكن إثارتها أمامي أحيانا وطلب تعليقي عليها ، يجعلني أجيب دون تردد ، فلا أريد بها إرضاء لأن من ترضيه الإجابة يعلم أنها تحصيل حاصل لا يضيف شيئا ، ولا أريد بها إقناعا لأن من أنكر الفعل القائم لا ينفع فيه ذكره ،بل أريدها لمن يطرح ولو في نفسه مثل هذه الأسئلة ...ولنفسي التي تريد أن تعيش ما ينبغي ان يكون عليه المجتمع ، مختزلة المسافة بينه وما هو كائن في زمن بدأ العد في السادس من أغسطس 2008 وسيصل طال أو قصر، تسابقه لتكون أول من عاشه!.

إن تجديد الطبقة السياسية الذي يشكك فيه البعض، وغيره من الإصلاحات ، هي خاضعة لمنهج جدلي متبع دقيق وسليم سيتم بموجبه احتواء كل المظاهر السيئة موضع النقد والتغيير في مظاهر جديدة مناقضة مطلوبة للإصلاح والبناء . إنه منهج سيتم بموجبه انسلاخ كل مطلوب من قائمه ، كما ينسلخ الفجر الصادق من ظلمة الليل، فالقطيعة التي نريد مع الماضي هي آتية فلا نستعجلها ، فكل ما يتعلق بالمجتمعات هو عصي علي التغيير دفعة واحدة .

أما تجديد الطبقة السياسية فلا أري أنه يطابق المعني المتداول عند الكثيرين تماما والذي علي أساسه لا يرون خطوة تقدمت بشأنه وهو ما يحمل معني تعاقب الأجيال ، فذلك المعني يضر أكثر مما ينفع لما يولد من صراع الأجيال ، بل إن ما أريد بتجديد الطبقة السياسية هو أعم من ذلك لا يفرق الأجيال ويميز بينهم من حيث الفاعلية والقدرة علي مواكبة الإصلاح، بل إن أخلاق الطبقة أسلوبها وممارساتها هو المعني بالتجديد ، ولقائل ما ان يقول :لماذا الطبقة السياسية بالذات ؟أليست جزاء من المجتمع وأخلاقها هي أخلاق المجتمع ؟ .

هذا صحيح لكن المراد بتجديد الطبقة السياسية بالذات هو أنها الأقرب إلي الاثنين :مركز السلطة وعامة الناس ، تأثرا وتأثيرا وبالتالي فلابد من أن تكون ضمن الأولويات التي إذا تحققت سهل تحقيق ما بعدها خصوصا إذا كان ما يعرفه المجتمع من فساد أخلاقي واختلال في القيم إنما يعود في بعض من جوانبه إلي تبرير الأطماع السياسية لهؤلاء السياسيين وممارساتهم ، أما ما يتعلق بتعاقب الأجيال فهو أمر لابد منه أصلا ‘لأن جيلا يموت ويندثر ويحل محله جيل جديد ،ومادام ذلك مسلم به فلامعني أن يكون هو مرتكز العبارة (تجديد الطبقة السياسية) وبالتالي فإنه بهذا المنهج الجدلي والأخلاقي ستتكون في الحال طبقة سياسية مختلفة في أخلاقها وتصرفاتها ،وهو ما يضمن وجود طبقة سياسية بمعني الجيل مختلفة هي الأخرى ولكنها ستنسلخ من الأولي كما ينسلخ الفجر من ظلمت الليل.

إنما يدعيه البعض من أن ارتفاع الأسعار يبطل ادعاء رئيس الجمهورية الوقوف إلي جانب الفقراء والمساكين ، هو ادعاء باطل لا يستقيم ، فأسعار المواد الغذائية هي آخر ما يتضرر منه الفقراء والمساكين ،مع استبعاد خطر المجاعة بسبب تعدد المصادر وتجددها وذلك في مقابل الجهل والاتكالية وسوء التدبير والمرض ومسبباته التي لا يعد سوء التغذية إلا واحدا منها فقط ، فالبلاد مليئة بالأراضي الصالحة للزراعة لكن الاستثمار في الزراعة كان سيبقي غائبا لولا الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي ضرب عصفورين بحجر واحد لما قدم قروضا ميسرة للتخفيف من بطالة حملة الشهادات وتوجيهها للاستثمار في قطاع الزراعة وهو المهمل منذ أمد بعيد ، رغم أهميته لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية ، والذي إذا تحقق لم يكن لغلاء الأسعار أي تأثير يذكر مادامت البدائل موجودة . وإن نشر ثقافة الزراعة ،من خلال تشجيعها والاستثمار فيها ـ كما ذكرنا آنفا ـ سيأتي أكله في السنوات القادمة بإذن الله. ولو أن المواطنين الآن استجابوا لنداء الدولة وتوجهوا إلي القطاع الزراعي خصوصا الزراعة الموسمية التي يمكن لكل مواطن في موطنه أن يحصد منها ما يكفيه لمدة سنة كاملة لكان خطر ارتفاع الأسعار غير قائم الآن . فجهد المواطن العادي نفسه في هذا المجال هو ما ينقص ، أما الدولة فعليها التوجيه والتشجيع ، وهذا هوما حصل بالفعل .

ثم إن ما نشاهده الآن من انتشار واضح لحوانيت التضامن ، وما نلاحظه من إقبال عليها من طرف الفئات الأكثر فقرا في المجتمع، هو أكثر ما يمكن أن تقوم به الدولة لمعالجة مشكلة الغلاء العالمية المنتشرة في جميع أنحاء العالم. فالرئيس فعلا منحاز إلي الفقراء والمساكين بعقده العزم علي إصلاح التعليم والقضاء علي الجهل والفقر والمرض بكل السبل المتاحة وليست البلاد عموما التي أصبحت ورشة واحدة متعددة الأجنحة ـ كما تظهر ذلك زيارات الوزراء طيلة هذا الشهر لمصالحهم التابعة لهم والتي قلما لم تكن لتدشين أو افتتاح مركز أو منشأة ـ إلا دليلا علي صدق النية وقوة العزم علي المضي قدما في سبيل النهوض بالبنية التحتية المعدومة أصلا والتي هي مرتكز أي إصلاح مرتقب في أي من بلدان العالم الثالث.

أما العدالة فلاشك أنها هي الشرط الأول للإصلاح ، ولاشك أنها ضمن أولوية الأولويات في برنامج الرئيس سواء علي المستوي الجماعي حيث تدل تسوية الإرث الإنساني وتحقيق المصالحة بين أطياف المجتمع ـ التي حققها الرئيس ـ علي ذلك ، وليس استصدار قوانين تضمن المزيد من حقوق الإنسان إلا تصب في ذلك المنحى ، أما بخصوص العدالة بين الافراد فليس استصدار قانون النقل الجديد إلا تأكيدا علي المضي في تحقيقها ،وكذلك التوجيهات الصارمة التي تلقتها وزارة العدل ...

للحرص علي تحقيق العدالة بين الأفراد بعيدا عن المؤثرات المادية (الرشوة) وغيرها من المؤثرات القبلية والجهوية واستغلال النفوذ ، وتأكيد رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة علي أن أبواب الشكوات للدفاع عن الحق لم يعد يعقها عائق ـ مما ذكرنا آنفا ـ وأنه ليس هناك ـ والخطاب موجه إلي المواطن البسيط ـ أي شيء يمنعك من طلب حقك حتي وإن تعلق بشخص الوزير أو الوالي أو الحاكم ، فأنت من تخون نفسك أيها المواطن إن لم تدافع عن حقك ، فكل سبله يسرناها لك ، وكل عوائقه ذللناها أمامك ، فما بالك لا تحرك ساكنا للدفاع عن حقك وتدعي أنك مظلوم .

صحيح أن الشخص أحيانا يكون مظلوما ، لكنه يفضل الصبر علي إثارة مشكلته ، لما سيلقاه من إهانة التقاضي ،وهي مسألة تعودوا عليها في الماضي لأن العدالة كانت لا تأخذ مجراها الطبيعي ،والمظلوم متأكد أنه بإثارة مشكلته لن يجني إلا مزيدا من الظلم والتحقير ، أما الآن فلا مبرر للسكوت لتلك الأسباب عن حقك أيها المواطن ـ وإن كان الكاتب يطاله أبشع أ نواع الظلم ،لكنه يسكت...لأسباب أخري مبررة ، ويصبر لأنه يعلم أن سيجعل الله من بعد كل عسر يسرا ـ ومن يسكت عن حقه وهو قادر علي الدفاع عنه في جو من الحرية والعدالة مهما كان سكوته مبررا أو غير مبرر، فليس له أن يحمل النظام مسؤولية ظلمه ويدعي أنه لا يوفر الحرية والعدالة لأفراد المجتمع ،ويتخذها وسيلة لتضليل الرأي العام والتحريض علي النظام ،فذلك هو بالذات ما ينقص الإصلاح عن التحقق الكامل ،فقد وقف الإصلاح من رأسه ،ويكابد للوقوف من وسطه ولم يقف بعد علي قدميه ، لكن سريانه العمودي من الرأس إلي أخمص القدمين هو أمر لابد منه ، إن لم يكن بقوة الجاذبية فبقوة الدفع الأولي.

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026