تاريخ الإضافة : 27.08.2011 16:53

المتسولون يحتلون العاصمة نواكشوط !

يبدو للمتجول في نواكشوط ان المتسولين قد أصبحوا يحتلون عاصمتنا ب"الكامل" خصوصا عند مفترقات الطرق الرئيسية ،حيث نجد كتيبة منهم ترابط عند كل منعطف هام ،وثانية تتواجد أمام كل اشارة ضوئية ،و أخرى تنتظر لدى كل مرفق عمومي أوخاص ،فيما تنتشر مجموعات أخرى عند محطات البنزين وأسواق التموين .

جيش المتسولين بنواكشوط باتت أعداده في تزايد مستمر ، ليضم كل الفئات تقريبا :أطفال ـ مراهقين ـ فتيات ـ نساء ـ شيوخ ، وقد تطور الأمر ليلتحق بالمهنة (التي تؤمن ابسط وسيلة للرزق بطلب احسان الآخرين ) أعداد معتبرة من الشبان و النساء من غير ذوي العاهات الذين درج المجتمع في السابق على إعتبارهم المؤهلين أكثر من غيرهم لطلب الإحسان .

ولعل اللافت في الأمر هو النسبة المرتفعة لأعداد النساء بين المتسولين في العاصمة،وجرأتهن على الإستجداء والتفنن في طلب المارة راكبين أو راجلين ، وذلك بالمقارنة مع الصورة المحتشمة والقانعة للمرأة في تراثنا الشعبي .

وربما يكشف تحليل ظاهرة التسول التي تعم وسط العاصمة عن أزمة تخص إنهيار الأطر التقليدية من مسلكيات وأواصر داعمة للتكافل الاجتماعي ،و التي تحكمت في الماضي في الابقاء على الظاهرة في حدودها الدنيا ، خصوصا في الفترة التي تلت إنتقال معظم الساكنة من البادية الى المدينة ،وهنا لا ينبغي ان يغيب عن بالنا ملاحظة أنه على عكس العاصمة التي تكتسها ظاهرة التسول ، فأن الأطر التقليدية هي المسؤولة حتى الآن عن ضعف الظاهرة او انعدامها في مدن الداخل .

ولعل ارتفاع تكاليف الحياة في المدن (وفي الأرياف أيضا) يبقى مسؤولا هو الآخر عن حمل الكثيرين في المدن ـ في ظل ارتفاع مستوى الاستهلاك ،و التراجع عن صرف مخصصات اضافية لمساعدة الضعفاء من الأقارب وغيرهم ـ كان له نصيبه هو الآخر في زيادة الظاهرة .

أما الدولة فقد فشلت كل المقاربات التي اعتمدتها حتى الآن عن إحتواء ظاهرة التسول أو معالجتها ، بل إن هناك مفارقة تتجلى في أن الحلول التي تبنتها الدولة للظاهرة إعتبرت للمعنيين (من متسولين) غير "كافية" ،ما دامت الرواتب التي تقوم بصرفها لهم تظل أقل مردودية من عائدات مهنة التسول "المجزية" ، لذا لا غرابة في أن يكون الفشل نصيب كل المبادرات الحكومية في مجال مكافحة التسول، وأن يزداد تفاقم الظاهرة واستشرائها بعد كل مبادرة للتصدي لها بدل تراجعها وانحسارها .

ويمكن القول أن المقاربة الأنسب للتصدي لظاهرة التوسل تتمثل بدرجة أساسية في ضرورة السعي إلى إستبدال الوسائل التقليدية التي كانت تحد من الظاهرة بوسائل جديدة تؤمن محاصرتها ومعالجتها ، خصوصا في ظل ملاحظة أن محاولات تحفيز قيم الاعتماد على النفس والقناعة ـ التي ماتت او تكاد بفعل تبدل ظروف وشروط الحياة وقساوتها ـ لم تعد مجدية ،الأمر الذي بات يفرض البحث عن مقاربات جديدة فعالة ،تؤمن مستوى من معالجة الظاهرة كما كان قبل الانتقال الى المدينة وإن بوسائل وسياسات تختلف عن تلك التي كان يصدرعنها المجتمع التقليدي في معالجة التسول.

و في هذا الإطار نرى بأن أي معالجة شاملة للظاهرة لا بد وأن ترتبط بشكل وثيق بتنشيط الإقتصاد لامتصاص البطالة ،حيث أن خروج "النساء" و"الشيوخ" للاستجداء هو تعبير عن عجز معيلهم عن ذلك (لنلاحظ ان الفتى او البنت لن يسمحا بتسول الاب والام في حالة ما اذا كانا يستطيعان الانفاق عليهما).

و المهم هو إدراك المسؤولين أن أسباب التسول ـ كما قد يبدو للوهلة الأولى ـ لا تعود لسبب واحد هو الفاقة، بقدر ما تعود للاسباب المختلفة التي تنتج الفقر وتغذيه من :بطالة للشباب و البالغين ،وتفكك أسري ،و انعدام فرص عمل تمتص بطالة النساء والشيوخ كذلك .

ونستطيع القول أن تحفيز وتأطير المجتمع المدني للمساهمة في معالجة الظاهرة ،مع خلق فرص العمل للعاطلين والنظر في سبل دمج ذوي العاهات في مراكز الشغل هو ما سيضمن في النهاية عودة هؤلاء الى محيطهم وهم "مرفوعي الرؤوس" ، وذلك بعيدا عما تقوم به الحكومة حاليا من سياسة تقوم على معاملة المتسولين كمرتزقة تقدم لهم ـ في أحسن الحالات ـ رواتب مقابل التخلي عن التسول، لتعود وتقطعها عنهم ،الأمر الذي كان زراء تظاهرهم قبل أسابيع امام القصر الرئاسي للمطالبة بصرف "رواتبهم" .

وعلى كل حال فقد يعكس عدم قدرة مجتمعنا على حل مشاكل من قبيل النظافة والتسول في عاصمتنا الفتية عن ضعف وهشاشة البنى والمرافق في دولتنا الحديثة ، وعدم قدرتها على التصدى لظواهر قد تكون أكثر تعقيدا ،وهو مؤشر يفيد تراجعا كبيرا وخطيرا في مستوى أداء مجمل خدمات المرافق والسياسات المتبعة لتكييف المجتمع مع التحضر بدل تحسنها وتطويرها.

محمـد بابا ولد مـوهــدا

الجاليات

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026