تاريخ الإضافة : 20.08.2011 18:16

هل تؤسس التلفزة الموريتانية للمصالحة مع المواطن

:برنامج" ويؤثرون على أنفسهم "نموذجا



بقلم عبد المجيد / إبراهيم

بقلم عبد المجيد / إبراهيم

قبل أكثر من سنتين وفي عز الحديث عن الفقراء والمحتاجين الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ،وأصبح مادة دسمة للصحافة الوطنية ،رأت فكرة برنامج (ويؤثرون على أنفسهم ) النور وخرجت من حيز الوجود بالقوة إلى مرحلة الوجود بالفعل ..مترجمة بلغة الأفعال حديث الدوائر الإعلامية والسياسية عن الضعفاء والمحتاجين ،والبائسين والمنسيين ،ونجحت الفكرة في جعل هذا الحديث حديث إيمان وإغاثة ..بعد أن كان حديث استهلاك ودعاية.
وبخروج الفكرة من وجدان صاحبها الأستاذ محمد تقي الله الأدهم – مدير الإنتاج بالتلفزة الموريتانية – إلى لسان مقدمها ،ويد إمامها ،وكاميرا مصورها ،استطاعت أن تحقق – بحق – مفاجأة المسطرة الرمضانية حينها ،فرصدت لنا معاناة المعوزين والعجزة ،وكشفت يوميات مجتمع بائس طالما حجبته مرايا المستبدين ،فاستحوذت الفكرة (البرنامج )على عقول المشاهدين ،وملك قلوبهم وأقنعهم بمتابعة شاشتهم الوطنية التي هجروها منذ عقود خلت مولين وجوههم شطر قنوات أجنبية ،وجدوا فيها ذواتهم أكثر مما وجدوها في قنواتهم الوطنية ،يومها أصبح البرنامج حديث الأماسي الرمضانية ومعجزة التلفزة الوطنية .
اليوم وبعد خروج النسخة الثالثة من البرنامج وتحقيقه نجاحا كبيرا – ربما لم يتخيله صاحب الفكرة ،وجدت نفسي مرغما وبدافع وطني محض على الحديث عن هذا البرنامج الإغاثي ،بعد ما كفر به سدنة الكلمة في بلدي وغمطوه حقه وجحدوا فضله .
أولى بركات البرنامج أنه أحيا في نفوسنا سيرة الصدر الأول في الإيثار والمحبة وأيقظ في قلوبنا ممارسة إنسانية سامية ترتبط بفعل الخير والعمل الصالح ،وجعلنا نعيش حقيقة الجسد الواحد التي وصفنا بها صلى الله عليه وسلم بقوله (مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ).
الحسنة الثانية هي حرص القائمين عليه على سرية الصدقة حتى تسلم من شوائب المن والأذى ،وقد اعتمدوا في سبيل تحقيق تلك السرية لغة رمزية رائعة ،يفهم من خلالها المتبرعون أن تبرعاتهم وصلت دون أن تتسلل إلى قلوبهم المباهاة والفخر وبهذه الحسنة اكتسب البرنامج مصداقية واسعة وحقق نجاحا كبيرا هو جزاء الإخلاص .
كما استطاعت أسرة البرنامج أن تدخل علينا كل مساء – ودون استئذان –واحدة من الأسر الموريتانية التي تقطعت بها السبل في واد غير ذي زرع وفي بيت غير محرم ،جعلتنا نرى الشيخ المشلول لا كن له سوى الهوى ،والطفل الأبكم القعيد ،والشاب الذي وئدت أحلامه في المهد ،والمرأة المغلوبة على أمرها ..رأينا كل أولئك وأكثر دون موكياج أو مونتاج وهم يستجدون الرأفة والرحمة ليشعرونا أنهم بحاجة إلى عطفنا وحناننا تماما كما نحن بحاجة إلى نصرتهم ومواساتهم حتى لاتنزل علينا لعنة الخذلان وبهذا النجاح حقق البرنامج إحدى أكبر مقاصد الشهر الفضيل وهي إحساس كل ذي نعمة بمرارة الحرمان منها .
من مميزات البرنامج أيضا البساطة والقرب فهو ليس برنامجا نخبويا ولا طبقيا بل هو برنامج للجميع ،أرقام معديه مشاعة بين العامة ومتاحة لكل ذي حاجة وهذا ما جعل أعناق آلاف المواطنين البائسين تشرئب إليه لعل الله يجعل لها فيه من ضيقها مخرجا ومن بلائها فرجا .
ولكي تطمئن قلوب المتبرعين تبنى البرنامج سياسة شفافية التسليم ليكرس من خلالها واحدة من أكبر ركائز الحكم الرشيد ألا وهي شفافية التسيير .
أحسن البرنامج استغلال العولمة ممثلة في وسائل الإعلام التي حولها إلى وسيلة إغاثة وخدمة للمجتمع ،وبهذ ا الاستغلال الحسن أخرج البرنامج تلفزتنا الوطنية من مرحلة الوجود إلى مرحلة الحضور ،وفتح آفاقا واسعة أمام الإعلام الرسمي لتجاوز تلك النمطية البائدة ليؤسس لتجربة صادقة يحمل فيها الإعلام هم المواطن ويتبنى قضاياه ويشاركه أفراحه وأتراحه ،كاشفا عن معاناته دون خجل أو حياء وبلا مساحيق تجميلية .
ألقم البرنامج حجرا لكل دعاة التفرقة ورهبان العنصرية ،فبرنامج (ويؤثرون على أنفسهم ) أكد- بلا مزايدة – متانة اللحمة بين شرائح المجتمع ،وبرهن على عميق الترابط والتآلف بين أفراده أبيضهم وأسودهم ،عربهم وعجمهم ،وقد ترجمت هذاالبعد استفادة جميع شرائح المجتمع من البرنامج .
برهن برنامج (ويؤثرون على أنفسهم ) أنه بالإمكان أبدع مما كان ، وأن إعلامنا الرسمي لم يصب بداء العقم بل لازال قادرا على الإنجاب – متى ما أراد- ،وسيكون أبناؤه منتجين ومقنعين ومساهمين في دفع عجلة التنمية إلى الأمام ،وباختصار لن يكونوا( أبناء الأربعاء) .
وفوق كل ما مضى بشرنا برنامج (ويؤثرون على أنفسهم ) أن مجتمعنا لازال مجتمعا خيريا مستعدا للتفاني في التضحية رغم الهزات الاجتماعية التي تعرض لها كيانه بفعل العولمة
وإلى جانب كل ذلك شيد البرنامج منارة إغاثة طوعية لكل البائسين والمعدمين ،وأحسن إدارة المقبلين عليه من كل فج عميق،معتمدا تشخيص الأطباء وقابلية العلاج وسيلة وحيدة للاستفادة من خدمات البرنامج ،وهذا هو مربط فرس البرنامج ،وربع عزته ،وبيت قصيده .
بكل هذه البركات والحسنات وصلت فكرة البرنامج ،وأدت أسرته واجبها تجاه المجتمع ،فما ذا عن حق البرنامج على المجتمع ؟
أول حق للبرنامج علينا هو إكبار قيمته والإقرار بفضله على المجتمع ،فمهما جحدنا فضله فإن التاريخ سيشهد به منصفا الفكرة وأصحابها ،فالتاريخ منصف بطبعه كما يقول – طه حسين – لكنه بحاجة إلى وقت طويل ليقول قوله الفصل وعزاؤنا أن ذلك الوقت لم يمض بعد ..وإذا كان هذا البرنامج لقي التشجيع والاعتراف بالجميل من خارج موريتانيا – حيث سلطت عليه قناة الجزيرة الضوء في إحدى نشراتها المغاربية السنة الماضية – فهل يحق له أن يبقى مطمورا داخل وطنه الأم أم أنه لا كرامة لنبي في وطنه ؟
ثم لما ذا كل هذا التجاهل أما آن الأوان لإعلاميينا أن يرفعوا الحظر عن هذا المشروع الإبداعي الإغاثي ويكشفوا عنه الحجب حتى لايتهموا بغمطه حقه ؟
من حق هذا االبرنامج على رئيس الجمهورية أن يوليه عناية كبيرة باعتباره ترجمة واقعية لبرنامجه الذي نال ثقة الشعب الموريتاني على أساسه وهو "خدمة الفقراء والمحتاجين "،وبهذه العناية نضمن انتقال البرنامج من الموسمية إلى مرحلة الاستمرارية على مدار السنة .
من حق البرنامج على الوزارات وشركات الاتصال ورجال الأعمال أن يدعموه بتبني قضيته وعلاج من كشف الستار عنهم من المرضى والمعدمين ..اللذين تتفطر القلوب لحالهم وتقشعر الأبدان لمعاناتهم .
بتأدية هذه الحقوق سننتقل إلى الإقرار بمساندة الفقراء واقعا ..بدل الإيمان بها حقيقة .
وأخيرا نرجو أن يكون هذا البرنامج بداية لتأسيس التلفزة الموريتانية تجربة صادقة مع المشاهد،تقطع بها جمود علاقة دام عقودا من الزمن .

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026