تاريخ الإضافة : 29.07.2011 20:18

المسجد ، وما لم أفعله في حياتي !

الصحفي العراقي بقناة الجزيرة عامر الكبيسي

الصحفي العراقي بقناة الجزيرة عامر الكبيسي

كل شرقي سيدخل مسجدا بموريتانيا سيلاحظ وباستغراب اندماج الناس مع المسجد، إن قلت إنه مسجد صدقت ، أو قلت إنه سكن صدقت ، أو قلت إنه مدرسة صدقت . هو كلها وأزيد

نصف الموجودين قبل الصلاة مستلق على ظهره ينتظر إقامة الصلاة ،أرجو من الشرقيين الذين يطالعون هذه الكلمات أن يتريثوا ولا يضحكوا ، فالعبرة بالقادم ، هل هذه هي اللوحةالقرانية التي نكررها باستمرار (( .. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم…الآية )) هل يجسدها هولاء ، إنهم يجسدونها نعم ، بل ويجسدون أمورا أخرى سىنأتي عليها بعد قليل .
وإذ أن نصفهم مستلق على الأرض ، فليس بمستغرب أبدا أن تتجه رجل المستلقي الى الأعلى ناحية وجه الجالس الهابط للتو لركوعه يسبح ربه العظيم، فالأمر دارج .
وأريد أن تقترب معي أكثر لتفهم، إنما وصفي هذا المشهد لأقول إن الأمر أصل في علاقة
الإنسان بداره ، وبدار أخرى مماثلة تتشكل في المجتمع على أنها المرجع لاستيعاب تدرجات
حياة الإنسان حيث كان وكيف كان .

يعطيني هذا الأمر انطباعا عاما حول حالة التعايش والتكاتف الداخلية للمجتمع الموريتاني وهو بالضبط ما تثبته النصوص الأولى من علاقة المسلمين بالمسجد ، وتسطر الصفحات الوليدة من حاضرنا ، أن هذا الجيل في الشرق يرتكب بدعة" القداسة " المفرطة مع المساجد، فيضيع على المسجد دوره الأبوي والقيادي والعبادي بحجة ... صلوا .. ثم بعد انقضاءالصلاة أنتشر في الأرض على مبدأ ما لله لله وما لقيصر لقيصر ...

وهكذا استفادت من هذه البدعة الدخيلة على الإسلام ومساجده الأجهزة الأمنية
والمخابراتية في حربها على المدرسة الإسلامية في كثير من الدول. فمن غيرها يتمنى أن
تغلق الأبواب بعد ربع ساعة وينتهي المحفل .
أظن أنهم نجوا من التقديس الكاذب ، في موريتانيا كأن المسجد يرجع إلى أول أيام الرسالة..فالناس تتداخل معه وتنتمي إليه ، وتستلقي فيه ، وتتجمع فيه ،وتقضي أمورها وتتحاكم في مظالمها اليه .

بل حتى إنها ومن فرط قربها إليه تؤذيه ببعض جهل الجاهلين، وأهل موريتانيا يعرفون ما
اقصد ، لكن الجهل بنظافته وأجوائه من قبل البعض إنما هو منعكس من الفهم الطبيعي لدورالمسجد باعتباره مرجعا مجتمعيا للعبادة والحياة ولو فطن الناس للأمر لوجدوا بدعة التقديس أكثر ضررا من غيرها.

آثرت أن تكون لي تجربة على أرض الواقع مع المسجد وأسراره لدى الشناقطة , فاخترت يوم الجمعة ليكون بداية المشوار ," دخلت المسجد ظهيرة يوم الجمعة والإما يخطب ، استلقيت على الأرض مثلهم متخذا من الدراعة التي ألبسها وسادة وغطاء.

وأزيد اعترافا على اعترافي الأول ، أنني وضعت رجلا على رجل نائما مثلما يفعلون ، ولو فعلتها في مسجد من مساجد الشرق لقيل إنه انتهاك لقداسة المسجد ، بل ولطردت من المسجد ،لكنني الآن أمارس ما لم افعله في حياتي ، وربما ما لن افعله ، ولكنني أعيش الأجواء لأفهم ، وهيهات أن أتجني على ركن الأمة الركين وهو المسجد
وثاني اعتراف أني صليت الفجر في المسجد الكبير ، وتذكرت أو خلت التاريخ ينطوي كله
أمامي مع الأضواء الخافتة جدا ، وأقول في نفسي وأنا أمشي في المسجد وكأن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه – الصحابي العظيم سيكون إمام الصلاة ،ولو أردت الحداثة قليلا أو البغددة ، لكنت ملتفتا عَلِي أرى حاكما من بني العباس إماما، وها قد فعلت فعلتي التي فعلت ونمت مضطجعا فجرا بين الأذان والإقامة كما يفعلون ،وإنها للذة حرم منها الشرق كله .


ذهبت مرة أخرى لأشاهد أكبر مسجد في موريتانيا ، يسمونه "الجامع السعودي "
لم اصل المغرب بعد ،بيد أنهم أقاموا الصلاة ، لقد جاء الإمام ، لكنه لم يأت كما اعتدت على ذلك منذ زمن طول، من خلف الصفوف يقطعها ثم يكون على رأسها في المنتصف.

إنما جاء الإمام الموريتاني في الجامع الكبير بنواكشوط من جانب اليمين ، إنه قادم، يذرع الأرض من أمام المصلين جيئة وذهابا، ينظر إلى الصفوف بندية ويقترب لها .. كأنما الصنعة له وحده ، لقد صارت النظرات خطوطا تحت عينيه العتيقتين ، إنها تدل على مزيد من الدقة .

وقد استوت الصفوف أو كادت بعد مشيته ، ،بينما يهيم الصوت الجهوري الأجش منطلقا ومسموعا فوق مدائات المسجد مع مشية الإمام .. أن .. يا أيها المصلون ، استووا ، اعتدلوا في صفوفكم... اللــــه أكبر .. ما عاد في الصف من عوج .

إنها حركة كانت دارجة عند السلف ، وأشد الناس فيها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،وفيها درس عظيم أبعد من لحظته التي نحن فيها الان "لحظة الصلاة .
هذا درس التنظيم في الحياة كلها من مدرسة "استووا" ، فمن شاء فليفهم أنه للصلاة ومابعد الصلاة حين يذهب للمجتمع فينتظم المجتمع كما انتظم الصف ، ومن شاء فليترك ، على أنه قد يفهم يوما من كثرة الترداد ، وكلما يصلي أكثر كلما سيؤذن بمزيد من فهم سر التنظيم في الصلاة إذ ينسحب إلى الحياة .

هل عرفنا الآن أننا وكمسلمين في طول بلاد الله وعرضها نظلم أنفسنا ببدعة الخيوط ، تلك
الخيوط أو الألوان التي نضعها أمامنا لتسوي الصف لنا ،وتقطع عنا التواصل البشري مع بعضنا البعض لنستوي وقوفا ضمن إطار منهج التنظيم العملي إننا ومع الأسف، وبجهل منا بما تحمله حركة الإمام من دلالات وتبعات اجتماعية ، رحنا نضع خطوطا يراها الناس ويقفون فيها بانتظام ، جاهلين أو متجاهلين أنه كان من الممكن وضع هذه الخطوط في عهد الرسالة الأولى ، لكن الأمر وعلاقته بتنظيم الإنسان في كل حياته انطلاقا من هذا الصف ومتابعة إمام الصلاة له إنما هو المقصود .. هو المقصود يا ايتها الأمة ، فتبا لتلك الخطوط الخارجة عن سياق معناها ، وإنني لأتمنى أن تزال بدعة الخيوط
والألوان التي ترتب صفوف الناس ،إلى أن يرتب الناس أنفسهم بواسطة حركة الإمام .
الى أين ذهبت ، إنني في موريتانيا لم أزل ، فعلام هذا الاستطراد الطويل ، لا ضير ، لنعد
إلى موريتانيا ونحكي بعضا من حكاياتها فارتقب

الجاليات

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026