تاريخ الإضافة : 14.06.2008 11:15
الطلاب الموريتانيون في تركيا.. طموح الرجال.. ومعاني الوطنية
بقلم/ محمد الكوري ولد العربي*
حضرت منتصف الشهر الماضي التظاهرة الاقتصادية التي تنظمها سنويا كونفدرالية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك (تسكون) في اسطنبول لصالح الفاعلين الاقتصاديين والمقاولين والتجار الأفارقة.
كنت الموريتاني الوحيد القادم في ذلك اليوم على متن الخطوط الجوية الفرنسية إلى مطار اسطنبول، كانت الساعة تشير إلى الرابعة بالتوقيت المحلي، وعندما ولجت قاعات المطار فوجئت أن العاملين بالمطار لا يتكلمون إلا لغتهم التركية، وأحيانا لغة انجليزية مكسرة، بحسب ما قال لي أحد المسافرين الناطقين بالإنكليزية؛ اللافت أن الأتراك يواجهون الغريب فيهم بعناد لا لين فيه بخصوص اللغة.. فالتركية هي ما تسمعه في المطار، في سيارة الأجرة، وفي المطاعم والفنادق.. والشارع، وهم لا يبدون أي تأسف لعدم فهمك، كما لو أنهم يجبرونك بطريقتهم على ضرورة تعلم لغتهم، رغم ظرافة الإنسان هناك وطيبة الأخلاق العامة.
كنت أتوقع أني في المطار سألاقي أحدا يحمل على جنبيه قطعة خشب أو ورق تحمل اسمي، كما تجرى العادة، لترشدني إلى مضيفي، لكن هذا لم يحصل، فكنت ألتفت ذات اليمين وذات الشمال لأجد من يتحدث العربية أو الفرنسية لأسأله عن (تسكون)، وكان رجال الأعمال في الدول الإفريقية الأخرى -الذين قدموا قبل يوم إلى اسطنبول- قد جاءوا إلى المطار لاستقبال صحافة بلدانهم وما تبقى من عناصر هذه الوفود.
وبينما أنا على هذه الحال، وإذا بشابين أسمرين أنيقين يقتربان مني فجأة ويسألاني هل أنا موريتاني؟ قلت نعم فقال أحدهم، هل أنت المدعو فلان بن فلان، فأجبت إيه، فقال إني أعرفك من خلال كتاباتك، ورأيت اسمك في لائحة المدعوين الموريتانيين فقلت إني مدعو إلى مؤتمر تسكون، ولم أجد من يرشدني، فقالوا نحن جئنا لهذا الغرض، في تلك اللحظة انضم إلى الشابين شاب آخر عرفت لاحقا أنه طالب مغربي.
ذهب معي هذان الشابان إلى صالة الأمتعة، وساعداني في استعادة شنطتي وأرسلا معي الطالب المغربي إلى فندق "وووwow " الذي سأقيم فيه، وبعد ساعات لحق بي أحد ذينك الشابين في الفندق وعرفت أنه طالب موريتاني يدرس الهندسة المعمارية في اسطنبول، وعرفت أن زميله أيضا طالب، وأنهما من (7) طلاب هم عدد الموريتانيين الدارسين في تركيا؛ كان ذلك الشباب الذي يدرس الهندسة المعمارية يدعى الشيخ ولد محمد، وكان طويل القامة، خفيفا، أنيقا في ملبسه وبدنه، دمث الخلق، قويم السلوك، متدينا في اعتدال... كان غنيا بالأفكار رغم حداثة سنه، يتدفق من عينه الطموح والرغبة في العطاء.. ظل هذا الشاب يقدم المساعدة لكل الموريتانيين في الترجمة، وخاصة للمقاولين ورجال الأعمال من ساعات الصباح الباكر وحتى أوقات متأخرة من الليل.
لقد كان يقدم التوجيه والنصائح لهؤلاء في لبوس كثيف من الخلق والحصافة وبأسلوب لا يخلو من الجاذبية والهدوء والسلاسة، حتى لا يشعر أحدهم بالنقص الذي يعاني من جل الموريتانيين في مجال اللباقة والتصرف.
سألت هذا الشاب الرائع عن أسباب وجوده مع زميله في المطار، فقال إن طلابنا – كسائر المقيمين في تركيا- ينتهزون فرصة هذه المناسبات الدولية ليستفيدوا من تقديم خدمة الترجمة بين الوفود الأجنبية والأتراك، فقلت له، أنا لست رجل أعمال لأقدم مساعدة مادية لهؤلاء الشبان الرائعين، فما الذي أستطيع تقديمه؟.. فتبسم بأدب بدا لي أنه تالد وأصيل فيه، وقال إننا في تركيا نعاني من مشكلتين: أولاهما أن منحنا لا تأتي إلا متأخرة بثلاثة أشهر، والحياة في تركيا غالية جدا، وثانيهما أن المنح تأتي عن طريق (Wester Union)، وهي تقتطع (60) دولارا من كل طالب! لذا، فهم يطالبون السلطات العليا في بلدهم بتوخي العناية في تحويل منحهم في الوقت المناسب، وأن تتحمل الدولة هذا الاقتطاع، أي كلفة التحويل عن طريق (Wester Union).
أخبرني الشيخ ولد محمد أن طلابنا – على قلتهم- ينظمون سنويا معرضا عن موريتانيا، يعطون فيه تعريفا عن وطنهم اقتصاديا وثقافيا. لقد كان عملا وطنيا مخلصا طوعيا، تلقائيا لا مراء فيه ولا نفاق، ودون ضغط ولا وصاية ولا توجيه...
واشتكى هذا الطالب الغيور على بلده من أن المهاجرين السريين الأفارقة حين يقعون في المعتقلات في تركيا يدعون أنهم موريتانيون، لأن موريتانيا هي البلد الأسهل على التزوير، لغياب تمثيل دبلوماسي موريتاني بتركيا خلافا للدول الإفريقية الأخرى، وفهمت من طلابنا أن غياب التمثيل الدبلوماسي في تركيا سهل على أسراب الهجرة السرية تشويه صورة بلادهم، دون أن يكون بوسعهم فعل شيء الكثير.
إنه الانتماء المخلص للوطن، الذي تتولد منه المعاني التي تستقيم بها حياة الأمم والدول وتنهض بها الحضارات؛ وهي المعاني التي لا تتطلب موقعا حكوميا ساميا، ولا مستوى ماليا عاليا، ولا درجة وجاهة بذاتها.
إن الشيخ ولد محمد ورفاقه في تركيا، الذين كونوا نقطة ضوء وميض من شنقيط على بعد المسافة، وأدوا دور السفارة بامتياز، وأبانوا أنهم من وصفة جيل المستقبل الذي تحتاج إليه موريتانيا.
إنهم -والحق أقول – شباب جدير بالتنويه والدعم والرعاية.. ويستحقون التكريم..
*كاتب موريتاني







