تاريخ الإضافة : 10.06.2008 18:56

أليس فيكم رجل رشيد

*محمد ولد محمد نافع
عار وأي عار وهوان وبئس الهوان أن تظل وزيرة التهذيب الوطني مسخرة وسائل الدولة في هدم البنية التربوية المتهالكة ثم لا تجد من يصدها أو يؤطرها.. أين الحكومة ورئيسها؟ وأين البرلمانيون وألسنتهم الذلقة وأين روابط آباء التلاميذ؟.. بل أين التلاميذ أنفسهم ـ وقود الثورات في العالم ـ أليس من بين الجميع رجل رشيد؟
أي مهزلة هذه التي تريد الوزارة أن تقوض بها آخر مسكة من تعليمنا الثانوي؟
ألا تستحي من نفسها إن كانت لا ترعى الذمة ولا المسؤولية؟
أقول كل ذلك وأنا أرى فلذات أكبادنا يحطم مستقبلهم الدراسي بجرة قلم من إنسان هائج لا يحسب عواقب قرار جنوني اتخذه على حين غفلة وخيانة وغش من مستشاريه..
إن ما حدث في الثامن يونيو يمثل انقلابا تربويا ـ هذه المرة ـ أقل الخروقات القانونية والأخلاقية التي شابته ما يلي:
1 ـ طرح مواضيع من خارج المقرر التربوي الوطني
2 ـ رقابة أشخاص مجهولي الهوية لا علاقة لهم بالتعليم من قريب ولا بعيد
3 ـ وضع التلاميذ في ظروف متشنجة وإعلان حالة الطوارئ في كافة المؤسسات التربوية
4 ـ أمر التلاميذ بالرجوع إلى الدفاتر في حالة تعذر الإجابة ومراقبة بعضهم على بعض
5 ـ تسريب شائعات تفيد أن المواضيع طرحها الأساتذة قبل الاضراب لخداع أولياء أمور التلاميذ ولكي يتم إخراج المسرحية الهزيلة هذه.
ما كان على الوزارة أن تزج بمؤسساتنا الاعلامية الرسمية في أتون هذه الحماقات المكشوفة، وهو خطأ قانوني فادح يتولى كبره القائمون على هذه المؤسسات "العمومية"، لكن ضوء الشمس لا تحجبه الغرابيل حيث أطلت قناة الجزيرة القطرية وغيرها من القنوات العالمية على المشاهدين معلنة الحقيقة الصارخة بالصوت والصورة فأنشدنا للتلفزيون الوطنية:
سيغني الله عن بقرات زيد
ويأتي الله باللبن الحليب
لست أدري ماهي وزارة التهذيب هذه؟ أهي دولة داخل دولة؟ أم هي ثكنة عسكرية؟ أم أنها "خلق جديد" لا يمت لعوالمنا بشيء؟
ولست أدري أيضا لماذا سكتت حكومتنا الموقرة على هذه التجاوزات؟ هل هي سياسة النعامة؟ أم أنه صدق عليها المثل الحساني "أرض العمي يشيخ فيها العور".
قدران محتومان لابد منهما
هذا أمر وذاك طعم العلقم
هل تعتقد الحكومة أن المشكلة ستزول مع السنة الحالية أم أنها تراهن على قصر نفس الأساتذة.. إنه الرهان الخاسر والحساب الخاطئ، لكن لماذا لا يتدخل رئيس الجمهورية شخصيا لحل الموضوع؟ ألا نتذكر جميعا أنه وعد الشعب الموريتاني بإعطاء الأولوية للتعليم خلال حملته الانتخابية.. وأي مفارقة تلك اللحظة التي يشرف فيها رئيس الدولة على تنصيب المنتديات العامة للتعليم في الوقت الذي يوجد أكثر من 80% من الأساتذة خارج الفصول..
..وكأن شيئا لم يكن
وبراءة الأطفال في عينيه
..
أجهالا تقول بني أمي
لعمر أبيك أم متجاهلينا
وأخيرا ماذا ستعمل الوزارة لكي تتم شهادة الباكلوريا ذات الصبغة السيادية، في ظل غياب نسبة 80% من خيرة الأساتذة؟ هل ستلجأ لعمال الدعم أم إلى البوابين وعمال النظافة؟ أم ماذا؟ وما هي مصداقية هذه الشهادة عندما يذهب طلابنا للتسجيل في الخارج، وكيف يرفع الطالب رأسه بشهادة حصل عليها في هذه الظروف؟ يقول المثل الحساني "ال اعشاك واعشاه في اقدح إلى اتل ايكب لا تخليه" تذكرت هذا المثل وقد رأيت الصمت المطبق واللامبالاة السافرة التي تعاملت بها الحكومة والأحزاب وهيئات المجتمع المدني مع المهزلة المسماة زورا امتحانا نهاية السنة.. أي امتحان لم يضعه الأساتذة ولم يراقبوه ولم يصححوه!!
أرى انه لا مصلحة لأي كان في انفراط عقد البقية الباقية من التعليم، وأن مصلحة موريتانيا في وجود تعليم ذي مصداقية يتفيؤ الجميع ظلاله عن اليمين وعن الشمائل...
وأن مواجهة الواقعة خير من الهروب إلى الوراء ومحاولة الالتفاف عليه ونبذ الحوار دليل على قصر النظر وضيق الأفق.. وأن زمن التخوين والتخويف قد ولى بسنيه العجاف رغم أن ظلاله لا تزال على ما يبدو تعشعش في أذهان بعض المسؤولين وعليه يجب أن نتحاكم إلى العقل ونصغي لنداء الوطن فنجلس للحوار ونحل المشكلة قبل أن يفور التنور، ويتسع الخرق على الراتق..
أقول ذلك غيرة على الوطن وحرصا على التعليم وضمانا للمكتسبات الديمقراطية وحذار أن يصدق فينا قول الشاعر:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
عندئذ تندم حين لا ينفع الندم.. وقد أعذر من أنذر والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
---------------
*أستاذ

المناخ

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026