تاريخ الإضافة : 13.06.2011 11:46

ديمي العظيمة.. ديمي الأخلاق.. ديمي الوطنية

ذ/ جمال ولد عباد

ذ/ جمال ولد عباد

من المفارقات الرهيبة في هذا المنكب البرزخي، أن العظماء عندنا من النساء والرجال، لا يكرمون ولا يحترمون إلا بعد موتهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن بيت القصيد هنا هي تلك القصيدة الخالدة والسمفونية الرائعة المرحومة ديمي بنت آبه التي وإن غادرتنا جسدا وروحا هي باقية مهما استطال الزمن في أعماقنا وفي حياتنا بشدوها الفتان وبوطنيتها الحقة وبأخلاقها النبيلة.
تعلقت بالفنانة العظيمة ديمي كغيري من الشباب بصوتها العذب وألحانها الشجية، ولكنني انجذبت إليها أكثر وزاد حبي وتقديري لها، عندما شاهدتها في فيلم قديم لحفل زفاف أخيها وحبيبها الأستاذ أحمد ولد آبه، حيث تظهرها لقطات الفيلم متعبة ومبحوحة لتفانيها في هذه المناسبة وهي طبعا مناسبة تستحق ذلك.
وبينما المرحومة ديمي على هذا الحال وهي منهمكة في شؤون ومشاغل تنظيم الحفل، إذ تناولت إحدى الفنانات الحاضرات الميكرفون ودخلت حلبة الحفل بسابق نية وإصرار تكيل المديح تلو المديح لقبيلة معينة من القبائل الموريتانية، ولأن الموريتانيون كرماء بطبعهم أتحفتها الحاضرات من النساء بكل ما كان بحوزتهم من الأشياء الثمينة.. ساعتها وفجأة أسرعت الفنانة المرحومة ديمي وهي لا تلوي على شيء، وتبدو عليها أمارات الانزعاج مقتحمة حلبة الحفل وجذبت الميكرفون من الفنانة المذكورة على الرغم من أنها صديقة حميمة لها وأخت لها، وقالت كلمات خالدة ما زالت الأصداء ترددها.. جمهورنا الكريم نعتذر لكم.. إن هذا الحفل زفاف لأحمد ولد آبه، وإن أهل آبه فنانون لكل الموريتانيين، وعلى ذلك فإنه لا يجوز مدح أو إطراء قبيلة معينة في هذا الحفل، لأنه حفل يخص جميع الموريتانيين.
وكهذا انتهت لقطات هذا الفيلم الواقع، وبدأت أحداث تلك اللقطة النادرة ترسخ في أعماقي أن جميع فنانينا كنز وذخر لنا، وأن ديمي حقا متميزة بوعيها الكبير وثقافتنا الواسعة ووطنيتها النادرة وأخلاقها النبيلة.
فهذا الموقف يقصر أي مثقف في واقعنا الموريتاني مهما كان مستواه التعليمي وكفاءاته المهنية أن يحذو حذوه.
وهكذا كانت الفنانة العظيمة ديمي ليست مجرد كوكب لغربنا بل هي كوكب للوطنية وكوكب في الأخلاق وكوكب في الوعي الثقافي.
وقد شاءت لي الأقدار أن ألتقي بها وجها لوجه مرة واحدة، وكان ذلك في مدينة مقطع لحجار سنة 2003 أثناء زيارة الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع لمدينة مقطع لحجار، وكنت ساعتها في الحفل أبحث عنها هي بالذات لأن الحفل كان مقررا سلفا بأنها هي التي ستقوم بإحيائه، فعلى النقيض من زملائي الذين ينتهزون هذا النوع من الفرص النادرة للقاء الوزراء وغيرهم من أعضاء الحكومة والمتنفذين، قررت أنا البحث عن لقاء آخر ولو كان قصيرا بالفنانة العظيمة ديمي بنت آبه، وفعلا تحقق الرجاء ونلت المبتغى.. فبينما أنا أجد في البحث في ساحة الحفل الكبير وقبل انطلاق حفل العشاء، إذا بالفنانة العظيمة ديمي بأريحيتها المشهودة وبشاشتها المعروفة، فحييتها وقلت لها أهلا وسهلا بالفنانة العظيمة، إن كل ساكنة مقطع لحجار يحيوك ويرحبوا بك، وبدأت أسابق الزمن بسرد ملاحظاتي لها في الفيلم السابق وإصرارها فيه على أن لا يخص أي كان بالمدح لأن أهل آبه هم فنانون لكل الموريتانيين، وكانت معالم الارتياح بادية على محياه الكريم، وابتسمت واندهشت وقالت لي بصوت من أعماق أعماقها أنا سعيدة جدا بأن هناك من شبابنا من يقدرون هذا ومن يلاحظون ويفهمون هذا.. وبينما نحن نتبادل أطراف هذا الحديث، الذي تعجب فيه بمدى تركيز هذه الفنانة الكبيرة ودماثة أخلاقها، حتى وكأنك تتصور أنها ليست هي التي ستحيي هذا الحفل البهيج المقام على شرف الرئيس وكل ما يعنيه ذلك من شؤون وشجون قلما يثبت فيها إلا الحكماء والعقلاء والنبلاء.
وفي تلك الأثناء جاء أقارب لها ومبعوثون من المنظمين وخطفوها مني، لأن الحفل أوشك أن يبدأ، وهكذا كنت دائما مقدرا ومدافعا عن جميع فنانين الكبار وبخاصة الفنانة المرحومة ديمي بنت آبه ومن الأمثلة على ذلك انتقادي الشديد للبرنامج التلفزيوني "كبظت الشركة".
وفي الأخير، وبعد ترحمي على روح الفنانة العظيمة ديمي بنت آبه وعزائي لكل الموريتانيين وكل سكان هذه المعمورة، فإنني وبعيدا عن المجاملات لست راضيا عن المعاملة الحكومية للمرحومة ديمي قبل مرضها وأثناءه وبعد وفاتها، وأرجو أن لا يتكرر هذا السلوك غير القويم المنافي لعاداتنا وأعرافنا وقيمنا وشرائعنا ومنطق عصرنا، لأن البلدان تزداد عظمة باهتمامها بعظمائها في حياتهم وبعد مماتهم.

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026