تاريخ الإضافة : 01.06.2011 20:50

"على نفسها جنت براقش"

بقلم :الأستاذ/ عبد الرحمن ولد الخليفة /  اقتصادي وخبير معتمد لدى المحاكم الموريتانية

بقلم :الأستاذ/ عبد الرحمن ولد الخليفة / اقتصادي وخبير معتمد لدى المحاكم الموريتانية

بطريقتها نظمت شركة MCM يوم السابع عشر مايو 2011 ما أطلقت عليه يوم الأبواب المفتوحة، بشكل لم يكن جيد الإعداد والتنظيم تفاديا لتعبير آخر قد يكون أكثر دقة لا كنه أقل لباقة.

كان الوقت زوالا، والمكان المعد للاستقبال ظل عنبر حديدي قديم، عزز بقطعتين من القماش، أتيح فيه لحوالي نصف الحاضرين الجلوس.

وفي جو صاخب تتصبب فيه أجساد المد عوين عرقا، وتنبعث روائح غير مريحة، قال البعض أنها لمحاليل تستخدم لتثبيت الغبار المعدني، والله أعلم، دارت فعاليات اليوم المذكور، بطريقة مستغربة ربما فاجأت الجميع.

فباستثناء الكلمات الافتتاحية لبعض الرسميين، كان خطاب الشركة: المدير، تقرير الخبرة، عروض وأحاديث أطرها كله كان باللغتين الإنكليزية والفرنسية، وهي مسألة طبيعية أمام جمهور يتقن على الأقل إحدى اللغتين، فالمرء بطبعه ميال للتعاطي باللغة التي يحسن استخدامها، فلم يكن مستغربا أن يلقي مدير الشركة توماس ميرلين خطابه باللغة الإنكليزية ، وأن تقدم الخبيرة تقريرها باللغة التي تجيد ، لكن المستغرب أن يترجم موريتاني يجيد اللغة العربية لجمهور كله موريتانيون سوي أربعة أفراد لغة أجنبية لا يجيدها كل الحاضرين تقريبا إلي لغة أجنبية أخري يجهلها أكثر من 90% منهم، وأن يقدم أطر موريتانيون أغلبهم معرب في الأصل إن لم يكن كلهم عروضهم بلغة أجنبية أمام نفس الجمهور ، والأكثر غرابة أن الجمهور أقر الأمر بصمته.

فما أضاع هوية البلد سوى عقدة المعرب وحرص الجاهل على إخفاء جهله.

من المفروض والأمر مجرد تخمين يعززه المنطق أن شركة MCM نظمت الحدث لتحقق جملة أهداف من أهمها:

1-تقديم نفسها بشكل لائق.

2- أن تحاول بالقرائن والأرقام أن تثبت للحاضرين أن لنشاطها الاستثماري انعكاسات وآثار إيجابية على ولاية إينشيرى وسكانها بشكل خاص وعلى البلد بصيفه أعم.

3-أن تثبت بشكل مؤسس ومقنع أن نشاطها ألاستخراجي يتم بطريقة تراعي سلامة البيئة ، ويوافق النظم المحلية والمعايير الدولية .

لكن ما جرى كان عكس التخمين، ولم يكن بالتأكيد في مصلحة الشركة

ـ فلا العروض كانت مقنعة لأن الصور غير واضحة، وهي إجمالا مكررة، والتعليقات سريعة وموجزة بشكل مخل، ولم تعزز بالأدلة والسندات كوسائل إثبات، وتلك أمور لازمة لأي عمل يراد له أن يكون مقنعا وذا مصداقية.

ـ وبخصوص تقرير الخبرة الذي قدم على أنه صك براءة ودليل على التزام الشركة بالمعايير الدولية في حالات المعالجة والاستخراج واحترام السلامة البيئية ، فهو رغم الاحترام الكامل للخبيرة والمكتب الذي تمثله ، كان سرديا، ونسب التلوث المذكورة فيه والمسجلة عن أشهر 2010 سنة الأساس كانت متدنية بشكل يثير الريبة أكثر ويجعل إجراء خبرة مضادة مسألة ضرورية، إما لتأكيد ما ورد في الخبرة وهو أمر يعزز من مصداقية التقرير، أو الوصول لنتائج مغايرة، وفي كلتا الحالتين سيساعد إجراؤها في إزالة اللبس والإجابة على أسئلة محيرة وملحة، على أن يتم إسناد إعداد تلك الخبرة إلى فريق من الأخصائيين تتميز عناصره بالتجربة والمهنية العالية تحت إشراف هيأة تتصف بالمصداقية والحياد. وللإنصاف كانت ترجمة التقرير موغلة في التواضع وغير مسموعة.

ـ في الوقت المناسب ولحسن حظ الحاضرين، وزعت الشركة مطوي يتحدث عنها في فقرتين كانت الأولى بعنوان: "البيئة أولوية وليست قيدا" وكان العنوان الثاني للفقرة الثانية: "بعض الإنجازات" وبغض النظر عن صحة أو نسبية محتوى كل فقرة، كان العنوان الأول مخالفا لنصوص المنظمة الدولية لحماية البيئة، وكبديل وشرط لسلامة الصيغة كان له أن يكون: (البيئة أولوية وسلامتها شرط لازم للقيام بأي استثمار)، وفي العنوان الثاني "بعض الإنجازات " تحاشت الشركة ذكر البقية ربما لكونها معلومة أم لاستحالة حصرها أو تفاديا للمن ـ كل ما لا يستحيل ممكن ـ و "أهل مكة أدرى بشعابها ".

الشيء الذي لا مراء فيه أن لشركة SOMIMA ماض في الإساءة إلي البلد ونهب ثروته الوطنية، ولم تسلم فترتها من التجاوزات والأخطاء، لكن المستغرب أن الجزء من سكان مدينة أكجوجت الذي عايش الفترة ما بين منتصف القرن الماضي ونهاية السبعينات منه يعتبر أن المدينة عاشت أوج ازدهارها في أيام تلك الشركة، ففي تلك الفترة حسب قولهم هم حولت أكجوجت القرية آنذاك إلى مدينة عصرية، شقت خلالها الطرق، وأقامت البني الصحية والتعليمية والرياضية، بنت النوادي ودور العبادة ووفرت لسكانها مقومات الحياة.

بالغ القوم أم صدقوا ـ أمر ممكن

لكن الأطلال المتناثرة حول الخرائب المهجورة ومساكن حفدة أيوب ، دليل بين أن السالفة كان لاستثماراتها بقايا وآثار ملموسة آلت بالإرث إلي الحالية MCM مرورا بصنوها MORAC لتشكل جزءا مهما من رأسمالها الثابت.

تلك كانت آثار الأولي فأين آثار الحالية؟

رغم بساطة السؤال وقابليته للتجزئة، تتطلب إجابته الإطلاع وامتلاك وسائل الإثبات، لكن المؤكد:

ـ أن البعض يحن إلى الماضي ويجمع الكل على لعن الحاضر، رغم الفارق الزمني، وتباين الفترتين، والتطور الحاصل في الوسائل والإمكانيات، وكون السالفة تستخرج النحاس وحده، والحالية تستخرج النحاس والذهب معا.

ـ وأن الآثار الطبيعية للغبار والسموم ، مزيدا من الركام والأشلاء (الشيء الذي لا نتمناه)، تلك بديهية وجزء من الإجابة على أحد أجزاء السؤال السابق.

تقول إحدى الأساطير المأثورة أو المتداولة عند بعض الشعوب، أن مناجم الذهب وأماكن وجوده، مواطن للجن، وأن آخذه كشرط لسلامته، مطالب بتقديم قربان، فهل الأهل في إينشيري أو أكجوجت مثلا، رغم أنهم غير معنيين بالأسطورة، لأنهم مسلمون لا يخشون إلا الله وحده، ولأنهم لم يلمسوا الذهب حيا أو ميتا، ولم يأخذوا منه مثقالا واحدا، ليقدموا عنه قربانا، مطالبون بالابتعاد عن مكان غسله وغسيله، فهم لم يرو نفعه، فلماذا لا يتقوا ضره. هل ولد ذهب إينشيري بيوم جمعة؟.

مهما كان أمر الذهب أو غيره، فنحن أمة ذات سيادة، لنا الغنم والغلة ورأس المال، نعم تتوفر بأرضنا موارد جمة نرغب في استغلالها بشكل معقلن وسليم، نرحب بالاستثمارات الموجودة، ونريد جلب المزيد من المستثمرين والأموال النظيفة، لكننا لن نقبل إطلاقا أن تستباح مواردنا وأن تتكرر فينا مأساة بوليفيا أو البيرو في القرن الثامن عشر، حين كانت الخزائن الإسبانية مملوءة بالسبائك، وتستقبل في كل يوم المزيد من الذهب الآتي من مستعمراتها بأمريكا اللاتينية، الأمر الذي دفع اقتصادييها آنذاك إلى القول بأن قوة الأمة تقاس بما لديها من ذهب، وسميت الماركانتيلية فيها بالمعدنية.

وفي الوقت الذي يتحول فيه الذهب البوليفي إلى ضياع وقصور إسبانية، كانت المدن المنجمية فيها تتحول إلى خرائب وكهوف، والنازحون من أهلها إلى لاجئين بالمدن الكبيرة، أو متسولين وقطاع طرق.

تلكم أمم أخرى وحقبة ولت، لكن الزمن لم يكن سوى ليال وأيام، والظلم لا مو طن له، والواقع: شكوك وامتعاض وأسئلة مبررة كلها وموضوعية، يمثل استمراره ظلم وتأجيل حله خسارة ومجازفة، ولكون الإرادة متوفرة فالحل ممكن وسهل لأن الأمر إما:

ـ تجاوز يلزم جبره بتفعيل الرقابة وإلزام الشركة باحترام بنود العقد الموقع معها، وبالاعتذار والتعويض عن الأضرار السابقة والمحتملة.

ـ أو اختلال في العقد لصالح الشركة وهو أمر ممكن، فرغم أن الأصل في التفاوض و إبرام العقود الندية، تميزت أغلب العقود التي أبرمت في الماضي بالاختلال لصالح الطرف الأجنبي، نتيجة لسببين: القصور المعرفي للمفاوض واختزاله لمصلحة البلد في ذاته، الشيء الذي أضر كثيرا بمصالح البلاد، ويجعل إجرائيا مراجعة كل العقود السابقة مسألة ضرورية، لتصويب المختل منها، والإبقاء على تلك التي تتصف بالتوازن، ويجري تطبيقها وفقا للنظم والقوانين الوطنية، وللمعايير الدولية المتعارف عليها.

المناخ

الصحة

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026