تاريخ الإضافة : 31.05.2008 14:15
تسكون تنظم اللقاء الثالث مع إفريقيا في اسطنبول
بقلم/ محمد الكوري ولد العربي*
سعت تركيا، منذ سنوات، إلى بناء جسور التواصل مع دول ثلاث قارات، هي أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، مفضلة المدخل الاقتصادي والتجاري إلى شعوب هذه القارات.
إن تسكون، اليوم، تخطو خطواتها بهدوء وعزيمة نحو القارة الإفريقية، التي يطلق عليها الأتراك اسم "أم البشرية"، متخففة، أي تركيا، من أعباء التاريخ، وغير مثقلة برصيد الحساسيات المتراكمة التي تحملها شعوب إفريقيا تجاه القارة الأوربية، التي استعمرت هذه الشعوب ونهبت خيراتها وخربت مقدراتها...
على هذه الخلفية، نظمت كونفدراية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك، المعروفة اختصارا باللغة التركية باسم "تسكون" – وهي تنظيم مدني اقتصادي- نظمت اللقاء الثالث مع رجال الأعمال ورؤساء الغرف التجارية في الدول الإفريقية، في مدينة اسطنبول، في الفترة ما بين 13-17 مايو 2008، وهي الفترة التي توافق قدوم فصل الربيع بأبهى حلله، ليخلعها على مدينة اسطنبول الساحرة بألق جمالها، وقباب مآذنها وعذوبة أصوات الآذان للصلاة فيها، وبطبيعتها الخلابة التي تأسر الألباب وتدهش الأبصار.
وكأن الأتراك – بعناية فائقة- أرادوا مزج تأثير الطبيعة الفاتنة مع تأثير شواخص الحضارة والثقافة في اسطنبول بغرض فتح شهية الشعوب الإفريقية- وفي المقدمة الموريتانيين - لدخول أبواب تركيا المشرعة أمامها.
إنها حيلة رائعة لإعادة ربط حلقات التاريخ المفقودة وإعادة غسل ما اتسخ منها بفعل الشطط والتعصب، الذي أوقف التفاعل لقرون، وقاد إلى الانفصال والتدابر بين مجتمعات تربطهم وشائج من التاريخ والحضارة والدين.. إن الأتراك – خلافا للفرس الحاقدين- يكنون تقديرا عميقا عمق التاريخ والدين المشتركين مع العرب.
وهكذا، ولكي تورق الحياة من جديد بين هذه الشعوب، اختارت تسكون إذن المكان والزمان بعناية لتنظيم هذه التظاهرة الاقتصادية بين إفريقيا وتركيا، حتى تسهم كافة العوامل في خلق ديناميكية متوثبة تجمع فضيلة الوعي الحضاري بالحاجة الاقتصادية والضرورات السياسية..
البعد الاقتصادي لتظاهرة تسكون
تولي تركيا أهمية بالغة للدول الإفريقية – وخصوصا موريتانيا- من خلال بناء ما تسميه "الجسر الدولي للتجارة بين تركيا وإفريقيا"، وهي – تركيا- تعتبر أن هذا الجسر من شأنه أن يقرب الشعوب إلى بعضها، ويقارب رجال الأعمال والمستثمرين من كلا الطرفين. لذا، حرصت "تسكون" على أن تكون التظاهرة لهذه السنة تحت رعاية سكرتارية التجارة الخارجية، التي تحظى بدعم وزارة الشؤون الخارجية.
إن تركيا – في إطار هذا التوجه الاقتصادي- تهدف إلى حضور 1000 رجل أعمال من إفريقيا، بوسعهم القيام ب 50.000 لقاء تجاري مع 2500 رجل أعمال تركي، بغية فتح آفاق هائلة للتجارة بين الطرفين، بما يمكن من إرساء جسور الثقة، وتنمية المناخ السياسي، والبيئة الاستثمارية الملائمة لتنمية إفريقيا عبر توجيه الرساميل التركية للاستثمار في دول إفريقيا، وعبر انتعاش الحركة التجارية المتبادلة.
ومع أن العديد من البلدان الإفريقية مثلها وزراء في لقاء اسطنبول الثالث، إلا أن بلادنا كانت ممثلة من قبل السيدين محمد ولد حنين- الذي واكب الوفد الموريتاني في كل محطات زياراته ، وألقى كلمات في المستوى أمام الرسميين الأتراك- ومحمدو ولد محمد محمود، على التوالي مستشار وزير التجارة، ورئيس الغرفة التجارية، فضلا عن حضور عدد هام من المقاولين ورجال الأعمال الشباب، من ضمنهم سيدتان ناشطتان في مجال التجارة العامة.
البعد السياسي لمسعى تسكون
تواجه تركيا عقبات جدية أمام انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، ولا يخطئ المراقب الخلفية الحضارية، التي تراوغ خلفها بعض الدول الأوروبية لعرقلة انضمام تركيا إلى الاتحاد.
إدراكا لهذا المعنى الخفي، فإن تركيا تقوم – من خلال هذه اللقاءات ذات الواجهة التجارية والاقتصادية- بمناورة ذكية مع الاتحاد الأوروبي عبر خلق بدائل اقتصادية تمكنها من اختراق أسواق إفريقيا، التي تمتصها الدول الأوروبية دون جدوى لشعوب هذه القارة.
إن هذه المناورة تستبطن رسالة موجهة إلى فرنسا خصوصا، مؤداها أن تركيا قادرة على طرح نفسها بديلا مقبولا، بل ربما مفضلا عن فرنسا، التي تعامل الشعوب الإفريقية بعقلية استعمارية، تعتمد أسلوبا عنجهيا مهينا تارة، وأسلوبا هزليا تافها، أحايين أخرى...
فعاليات تسكون..
اختار منظمو التظاهرة الاقتصادية والتجارية لتسكون طريقة العروض والزيارات الميدانية في ذات الوقت، فقد اشتملت قاعات العرض العملاقة في اسطنبول، مئات الأجنحة التي تمثل مختلف المؤسسات والشركات التركية، وهي تعرض نماذج من منتجاتها التي غطت كافة أوجه الصناعة الثقيلة والخفيفة فضلا عن المنتوجات الزراعية والغذائية، ومنتوجات العطور والآثاث والأدوات... مع توزيع آلاف الكاتولوغات والعناوين، كما سيرت تسكون مئات الرحلات لفائدة رجال الأعمال الأفارقة، بقصد الإطلاع ميدانيا على سير الوحدات الصناعية والإنتاجية التركية.
وفي هذا الإطار، زار الوفد الموريتاني مصنعين للدجاج والماكروني في مدينة بولو المدهشة بروعة الطبيعة فيها، حيث التقى كرم الأرض بسخاء السماء، فعلقت أبصار الوفد بالجبال الشاهقة التي تغطيها المروج من كل صنف بهيج، وكست عواليها طبقات الثلج البيضاء.
فوائد... وعوائق
تراهن تركيا في استراتيجيتها الاقتصادية مع إفريقيا على غياب العقد التاريخية، التي تعكر علاقات شعوب القارة مع باقي الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، التي تعمل على تذويب الهويات وتفتيت الذوات الحضارية للشعوب الأخرى.
إن اعتناق الدين الإسلامي من أغلبية مواطن هذه القارة يسعف تركيا المسلمة في إقناع الدول الإفريقية بضرورة الانفتاح الاقتصادي البيني في مواجهة تكتلات الدول الكبرى، التي تفرض نفوذها السياسي والاقتصادي تارة بالقرارات الدولية المجحفة، وبالقوة العسكرية، طورا آخر.
يبقى الاستدراك أن تركيا التي لا تتكلف جهدا كبيرا في تجاوز الحاجز الحضاري مع إفريقيا، وخصوصا موريتانيا، على عكس الدول الأوروبية والأمريكية، إلا أنها تواجه الحاجز اللغوي مع الدول غير الناطقة باللغة الإنكليزية..
لقد طرحت اللغة عائقا جديا أمام التواصل بين رجال الأعمال في إفريقيا الغربية والشمالية، حيث العربية والفرنسية هما أدوات التخاطب.
وعليه، من المفروض أن تعمل تسكون على انتشار اللغة العربية والفرنسية في أوساط رجال الأعمال الأتراك، كما يتعين تعليم اللغة التركية في الدول الإفريقية.
وخلاصة القول، بالنتيجة، إن تركيا – التي أرهقتها أوروبا بالمماطلة في قبول انضمامها- تسعى جادة إلى الانفتاح الاقتصادي والتجاري والسياسي على كافة الدول الإفريقية، سبيلا للتكامل الاقتصادي والتنموي والاندماج الحضاري في مواجهة اتسونامي العولمة.
إنه هدف كبير وجدير بالتنويه، ومن الحكمة السياسية، والمصلحة الاقتصادية أن تقرأ دول إفريقيا، وموريتانيا على وجه التخصيص، التوجه الجديد لتركيا بالعناية المناسبة..
--------------
*كاتب موريتاني
سعت تركيا، منذ سنوات، إلى بناء جسور التواصل مع دول ثلاث قارات، هي أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، مفضلة المدخل الاقتصادي والتجاري إلى شعوب هذه القارات.
إن تسكون، اليوم، تخطو خطواتها بهدوء وعزيمة نحو القارة الإفريقية، التي يطلق عليها الأتراك اسم "أم البشرية"، متخففة، أي تركيا، من أعباء التاريخ، وغير مثقلة برصيد الحساسيات المتراكمة التي تحملها شعوب إفريقيا تجاه القارة الأوربية، التي استعمرت هذه الشعوب ونهبت خيراتها وخربت مقدراتها...
على هذه الخلفية، نظمت كونفدراية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك، المعروفة اختصارا باللغة التركية باسم "تسكون" – وهي تنظيم مدني اقتصادي- نظمت اللقاء الثالث مع رجال الأعمال ورؤساء الغرف التجارية في الدول الإفريقية، في مدينة اسطنبول، في الفترة ما بين 13-17 مايو 2008، وهي الفترة التي توافق قدوم فصل الربيع بأبهى حلله، ليخلعها على مدينة اسطنبول الساحرة بألق جمالها، وقباب مآذنها وعذوبة أصوات الآذان للصلاة فيها، وبطبيعتها الخلابة التي تأسر الألباب وتدهش الأبصار.
وكأن الأتراك – بعناية فائقة- أرادوا مزج تأثير الطبيعة الفاتنة مع تأثير شواخص الحضارة والثقافة في اسطنبول بغرض فتح شهية الشعوب الإفريقية- وفي المقدمة الموريتانيين - لدخول أبواب تركيا المشرعة أمامها.
إنها حيلة رائعة لإعادة ربط حلقات التاريخ المفقودة وإعادة غسل ما اتسخ منها بفعل الشطط والتعصب، الذي أوقف التفاعل لقرون، وقاد إلى الانفصال والتدابر بين مجتمعات تربطهم وشائج من التاريخ والحضارة والدين.. إن الأتراك – خلافا للفرس الحاقدين- يكنون تقديرا عميقا عمق التاريخ والدين المشتركين مع العرب.
وهكذا، ولكي تورق الحياة من جديد بين هذه الشعوب، اختارت تسكون إذن المكان والزمان بعناية لتنظيم هذه التظاهرة الاقتصادية بين إفريقيا وتركيا، حتى تسهم كافة العوامل في خلق ديناميكية متوثبة تجمع فضيلة الوعي الحضاري بالحاجة الاقتصادية والضرورات السياسية..
البعد الاقتصادي لتظاهرة تسكون
تولي تركيا أهمية بالغة للدول الإفريقية – وخصوصا موريتانيا- من خلال بناء ما تسميه "الجسر الدولي للتجارة بين تركيا وإفريقيا"، وهي – تركيا- تعتبر أن هذا الجسر من شأنه أن يقرب الشعوب إلى بعضها، ويقارب رجال الأعمال والمستثمرين من كلا الطرفين. لذا، حرصت "تسكون" على أن تكون التظاهرة لهذه السنة تحت رعاية سكرتارية التجارة الخارجية، التي تحظى بدعم وزارة الشؤون الخارجية.
إن تركيا – في إطار هذا التوجه الاقتصادي- تهدف إلى حضور 1000 رجل أعمال من إفريقيا، بوسعهم القيام ب 50.000 لقاء تجاري مع 2500 رجل أعمال تركي، بغية فتح آفاق هائلة للتجارة بين الطرفين، بما يمكن من إرساء جسور الثقة، وتنمية المناخ السياسي، والبيئة الاستثمارية الملائمة لتنمية إفريقيا عبر توجيه الرساميل التركية للاستثمار في دول إفريقيا، وعبر انتعاش الحركة التجارية المتبادلة.
ومع أن العديد من البلدان الإفريقية مثلها وزراء في لقاء اسطنبول الثالث، إلا أن بلادنا كانت ممثلة من قبل السيدين محمد ولد حنين- الذي واكب الوفد الموريتاني في كل محطات زياراته ، وألقى كلمات في المستوى أمام الرسميين الأتراك- ومحمدو ولد محمد محمود، على التوالي مستشار وزير التجارة، ورئيس الغرفة التجارية، فضلا عن حضور عدد هام من المقاولين ورجال الأعمال الشباب، من ضمنهم سيدتان ناشطتان في مجال التجارة العامة.
البعد السياسي لمسعى تسكون
تواجه تركيا عقبات جدية أمام انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، ولا يخطئ المراقب الخلفية الحضارية، التي تراوغ خلفها بعض الدول الأوروبية لعرقلة انضمام تركيا إلى الاتحاد.
إدراكا لهذا المعنى الخفي، فإن تركيا تقوم – من خلال هذه اللقاءات ذات الواجهة التجارية والاقتصادية- بمناورة ذكية مع الاتحاد الأوروبي عبر خلق بدائل اقتصادية تمكنها من اختراق أسواق إفريقيا، التي تمتصها الدول الأوروبية دون جدوى لشعوب هذه القارة.
إن هذه المناورة تستبطن رسالة موجهة إلى فرنسا خصوصا، مؤداها أن تركيا قادرة على طرح نفسها بديلا مقبولا، بل ربما مفضلا عن فرنسا، التي تعامل الشعوب الإفريقية بعقلية استعمارية، تعتمد أسلوبا عنجهيا مهينا تارة، وأسلوبا هزليا تافها، أحايين أخرى...
فعاليات تسكون..
اختار منظمو التظاهرة الاقتصادية والتجارية لتسكون طريقة العروض والزيارات الميدانية في ذات الوقت، فقد اشتملت قاعات العرض العملاقة في اسطنبول، مئات الأجنحة التي تمثل مختلف المؤسسات والشركات التركية، وهي تعرض نماذج من منتجاتها التي غطت كافة أوجه الصناعة الثقيلة والخفيفة فضلا عن المنتوجات الزراعية والغذائية، ومنتوجات العطور والآثاث والأدوات... مع توزيع آلاف الكاتولوغات والعناوين، كما سيرت تسكون مئات الرحلات لفائدة رجال الأعمال الأفارقة، بقصد الإطلاع ميدانيا على سير الوحدات الصناعية والإنتاجية التركية.
وفي هذا الإطار، زار الوفد الموريتاني مصنعين للدجاج والماكروني في مدينة بولو المدهشة بروعة الطبيعة فيها، حيث التقى كرم الأرض بسخاء السماء، فعلقت أبصار الوفد بالجبال الشاهقة التي تغطيها المروج من كل صنف بهيج، وكست عواليها طبقات الثلج البيضاء.
فوائد... وعوائق
تراهن تركيا في استراتيجيتها الاقتصادية مع إفريقيا على غياب العقد التاريخية، التي تعكر علاقات شعوب القارة مع باقي الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، التي تعمل على تذويب الهويات وتفتيت الذوات الحضارية للشعوب الأخرى.
إن اعتناق الدين الإسلامي من أغلبية مواطن هذه القارة يسعف تركيا المسلمة في إقناع الدول الإفريقية بضرورة الانفتاح الاقتصادي البيني في مواجهة تكتلات الدول الكبرى، التي تفرض نفوذها السياسي والاقتصادي تارة بالقرارات الدولية المجحفة، وبالقوة العسكرية، طورا آخر.
يبقى الاستدراك أن تركيا التي لا تتكلف جهدا كبيرا في تجاوز الحاجز الحضاري مع إفريقيا، وخصوصا موريتانيا، على عكس الدول الأوروبية والأمريكية، إلا أنها تواجه الحاجز اللغوي مع الدول غير الناطقة باللغة الإنكليزية..
لقد طرحت اللغة عائقا جديا أمام التواصل بين رجال الأعمال في إفريقيا الغربية والشمالية، حيث العربية والفرنسية هما أدوات التخاطب.
وعليه، من المفروض أن تعمل تسكون على انتشار اللغة العربية والفرنسية في أوساط رجال الأعمال الأتراك، كما يتعين تعليم اللغة التركية في الدول الإفريقية.
وخلاصة القول، بالنتيجة، إن تركيا – التي أرهقتها أوروبا بالمماطلة في قبول انضمامها- تسعى جادة إلى الانفتاح الاقتصادي والتجاري والسياسي على كافة الدول الإفريقية، سبيلا للتكامل الاقتصادي والتنموي والاندماج الحضاري في مواجهة اتسونامي العولمة.
إنه هدف كبير وجدير بالتنويه، ومن الحكمة السياسية، والمصلحة الاقتصادية أن تقرأ دول إفريقيا، وموريتانيا على وجه التخصيص، التوجه الجديد لتركيا بالعناية المناسبة..
--------------
*كاتب موريتاني







