تاريخ الإضافة : 08.05.2011 14:45

في نواكشوط؛ كل العيون تبقى مفتوحة على القاصرات

بقلم: عبيد  ولد  إميجن oubeidimijine@gmail.com

بقلم: عبيد ولد إميجن oubeidimijine@gmail.com

"إن مالي هو لي.. وإن مالك هو لي".
كاتب انجليزي

1. شاهد عيان:
بكل وفاء ونشاط؛ اعتادت "حنة" البالغة من العمر 14 عاما، الاستيقاظ المبكر مستعيدة دورة حياتها اليومية، الشاقة والمملة، وبالرغم من أن الصغيرة لا تكترث كثيرا لاحتراق قواها الجسمانية، فإنها لا تنتظر المردود كما لا تحتسب المفقود، مقابل خدماتها تلك،، .. فالصغيرة لا تقدر على الدوران أو التهاون حين تبدأ في إنجاز مشاغل معيلها غير الرحيم.



* * *

لقد بات من الضرورة بمكان التأكيد على انه في موريتانيا ما زال مئات الآلاف من الأطفال عرضة للعبودية والاستغلال والإساءة المتكررة بالرغم من هشاشة بنيتهم الفيزيولوجية وضعف قدراتهم على التحمل، ويتسع المجال حين يتعلق الأمر بتعداد الأمثلة الدالة على تلك التجاوزات، ففي الأسابيع الفائتة جرى التبليغ عن حالات جدية في ذلك الشأن، ومنها ما تعرض له الفتى "سعيد" (12عاما) والذي هرب على قدميه مسافة 70 كلم فارا من نير عبودية "أهل حاسين"، في حين لا يخجل مجتمع "الأشراف" من الإبقاء على "يرك" (10 سنوات) رهينة حتى عودة "العبد الآبق"، وبكل أسف، فملاك العبيد، لا يخشون سطوة القانون و بالتالي فالإفلات من العقاب هو السمة الأبرز.


هذا الأسلوب التمييزي، يكشف عن اتفاق حكومي – قبائلي غير معلنة بنوده، يفرض لجوء القضاء إلى ذلك الموقف المريح بالنسبة لحليفه الثاني، ما من ذلك شك ، وبالتالي فالحكومات التي يجري تشكيلها لخدمة الشعب، تتبدل أوتوماتيكيا لتلزم جزءا عريضا من الشعب بالخضوع، وينقلب دورها السياسي، فتصبح طرفا، وتضيع إلى غير رجعة شعارات "شرف" و"إخاء" و"عدالة"، و من الضروري أن نعرف أن ذلك السلوك في موريتانيا، ليس وليد اليوم بل هو مرافق لنشأة الكيان الجمهوري، وبالتالي فقد أبقته الأنظمة حاضرا وحيا في كل قراراتها ومشاريعها القانونية والإدارية.


إن أوضح دليل على ما نقول، هو الهجمة الشرسة التي تقودها المؤسسات الرسمية الأمنية والخدمية، لغاية تأثيم دعاة الحقوق المدنية، وهو ما لمسناه في الجرأة غير المعهودة التي أظهرتها وسائل الإعلام المملوكة للحكومة خلال حملتها التضامنية مع "ملاك العبيد"، والرامية إلى النيل إعلاميا من انتصاراتهم القانونية والشرعية، والمتمثلة في تكثيف الأدلة والحجج الدامغة على تفشي الممارسات الاسترقاقية داخل المجتمع الموريتاني، فحين تلعب أيادي الإقطاع خفية لعبة البؤس لابتزاز وتخويف

أقارب الضحايا من العبيد والعبيد السابقين ينقبض القلب في حيرة وتساؤل: «هل قُضى على شريحة لحراطين لتكون كعبيد روما، يعذبون حتى يعترفوا بما يطلب إليهم ويحاكمون بمقتضى هذا الاعتراف؟».


و للزيادة في الإيضاح، تكفي قراءة قصاصات الصحف لملاحظة ذلك الواقع البائس لآباء وأمهات، تم إلقاؤهم خلف القضبان لأن المحاضر تضمنت اعترافات زائفة نسبتها لهم الضبطيات القضائية بهدف تبرئة الجناة الحقيقيين.


2. القانون حمار مغفل

فتحت "حنة" عيناها في كنف عالم "لعبيد" ودونيته، و في أحضان واقع "لخدم" التعيس نمت مداركها الجسمية والعقلية، و فيما بين هذين الفكين تآلفت الصغيرة سريعا مع مشاعر المرارة والحرمان، حتى آل أمرها إلى التسليم بنصيبها من الدنيا وظلت تستشرف مجيء اليوم الآخر، ففي هذا اليوم خلاصها من ويلات دار سمعت كثيرا أنها "فانية"، لذلك ابتدرت حياتها الممتلئة عنفوانا بالنكران وجحود الذات، طبقا لمشيئة ربانية تجعل من "العبدة" أضعف من رماد تذروه رياح السيد إن هي أغضبته أو ناكفته، ومن المملوكة المطيعة فرس يسهل امتطاؤه إلى حياض الجنان، وظل حال الصبية "حنة" كذلك حتى بلغت عامها السابع، و في هذا التوقيت درجت العادة أن يلتحق الصغار بالمدارس، أما هي فكان مقدرا لها أن تلتحق بأهل جدد، كما قضي لها أن تبتعد عن حضن والديها البائس.

* * *

إنه مع التسليم بان وضعية "حنة" لا تعكس ما يجري في عالم "البندانات" الكثيرات ممن يحتسب لهن الأجر والمردود، إلا أنها ذات وضع خاص فهي تشتغل وتحترق داخل وسط يطلق عليه محليا تعبيرات ناعمة كــ"الأهل" أو "الطلبة" أو في أحايين أخرى "لعرب"، وذلك بحسب مقتضيات وظروف نشأة، كل طبقة اجتماعية، لكن المقصود بالعلاقة واحد وهو أن "حنة" مجرد "عبدة" في بداية أطوار التشكل، وليست "بندانة" عادية تشتغل..تروح وتستريح، فالصبية "حنة" لا تتبوأ تلك الدرجة المهنية، التي تملك صاحبتها الكثير من الخيارات، من بينها البقاء مع من شاءت والمغادرة متى شاءت!، فصاحبة الحالة موضع التطبيق مهما أبدل "البطارين" أماكن حلهم أو ترحالهم، فهي تبقى غير قادرة على الإخلال بمسؤولياتها المتشعبة وغير المحددة.


يمكن اعتبار صاحبتنا "حنة" بمثابة الحلقة الأضعف والأبرز على صعيد التجاوزات القاسية والفظيعة ضد أبناء وأحفاد "العبيد والعبيد السابقين"، وهي تجاوزات تستأسد فيها ثلة من الأسياد، معززة بمن بات يملك كل الحول والطول على صعيد الاستفادة من حماية الأجهزة التنفيذية والقمعية..، ويعرف الكثيرون أنهم ما كانوا ليقدروا على تماديهم وإيغالهم في الاستعلاء على الآخرين، لولا التواطؤ الانتهازي لصغار"البرجوازية" الناشئة، ممن يدعي واهما تمثيل شريحة لحراطين، (بيجلييين، أمباركيين، عاشوريين،.. وهلم جرا).

من هذا المنطلق، سيكون من الخليق بكل مدرك لما تتحمله الفتاة "تندوم" من أعمال وأعباء، وقعود وجلوس، ومن ذهاب ومجيء، وغيرها من مشاغل ينوء بحملها الرجال الأشداء، وسواء كان بيظانيا كرفيقي "محمد فال سيدي ميلة"، أو غيره، إلا أن يمسك عصيرة رأسه ألما وحسرة لما آلت إليه أحوال و أوجاع الطفولة بموريتانيا! و ما ينتظر الأجيال القادمة من آلام، و أحقـاد ومشاعر زائفة، وهذه هي المفارقة الحقيقية التي لا يدركها أصحاب البطون والظنون، ولا مجموعات الانتهازية.

غير أنه من شأن القانون متى طبق؛ إن يدرأ الانتهاكات ويوقف التجاوزات ضد أبناء العبيد، وأن يمكن في قمع الساعين إلى إشاعة الدونية ومشاعر العنصرية بين الناس، من أتراب "أهل أبوه" و"آل معيوف" و"أهل بكار فال"، و"أهل الفيجح"، و"أولاد باركالله"، وهؤلاء فيما يبدوا يبرزون قوة العشائر على حساب الدولة، وترجيح العرف في ميزان القانون، وبالتالي سيحتم التاريخ يوما ، على أحد ما ، أو تيار ما أن يباشر الانقلاب على ذلك الوضع، وفي الوقت الحالي فإنه ليس هنالك ما هو أقرب إلى ذلك الفعل من التيار الانعتاقي؛ فهو الأقدر بطبيعة مشروعه الإصلاحي، وخطابه المجلجل على قيام مجتمع "المساواة" المبنية على قوة "القانون"، وهي مزية لا يمكن حصولهأ بطبيعة الحال إلا في ظل دولة ناهضة على أساس النضالات الطبيعية لأبنائها، أو المستندة في قيامها على علائق وعقليات اجتماعية مغايرة ومتطورة، مصداقا لمقولة "أنجلس"...،


ففي الوقت الذي يزداد توق ضحايا العدالة العرجاء من أمثال الكهل"حمدي" و"أمباركة"، و"أم الخيري" و"قاصرات عرفات"؛ إلى التعجيل برد الاعتبار وبتحقيق المساواة أمام القانون فإنهم إنما يشكلون البذرة الأولى لمجتمع النضال المستقيم، سيما وأنهم قد لا يخسرون الشيء الكثير إذا واصلوا الصمود في وجه قوى المجتمع التقليدية.


ما حصل للمجتمع التقليدي ممثلا في الزعامات القبلية و الروحية، منذ أسابيع - من غير تعميم طبعا- هو شيء مضحك ومبك في آن، ولكنه أيضا مقرف وهيستيري، مع أنني لم أتفاجأ به، ولا أظن أن أحد قد فوجئ به، فما هو المغزى من وراء استجابة ملاك العبيد وشيوخ المحاظر سريعا لنداء مجتمعهم؟؟! وما معنى أن يطرد آلاف "القاصرات"، وأن تكسر ألواح آلاف التلاميذ!؟، ألا يمكن أن يندرج ذلك ضمن دائرة قطع الأرزاق؟ والسير بأمانة خلف التجار من أمثال "ولد غدة" حين استجلب مئات العمال الأفارقة الأشداء من دول الجوار للاستعاضة عن وطنيين يمارسون حقهم الطبيعي في الإضراب والاحتجاج من أجل حقوق مترتبة ومضيعة!!، لقد سبق ذلك الحد من اكتتاب المتعلمين من أبناء العبيد في الجيش وقوى الأمن!!! وقبل ذلك بكثير ضيقت قريش على بني هاشم في شعاب مكة ولعامين بعد أن ظهر في المدينة رسول رباني يدعوا إلى العدل والإحسان والمساواة !!!!، للأسف إنهم في كل أفعالهم إنما يسيؤون إلى "البيظان" وقيمهم -إن وجدت-.


أما المرحلة الثانية، فكانت تقتضي توظيف التلفزيون الرسمي والإذاعة الحكومية، وأغلب المؤسسات الإعلامية المستقلة لأغراض دعائية مشبوهة تقتضي إيقاظ الأحجيات بهدف اختلاق زعامات من داخل مجتمع العبيد نفسه، توكل إليها مهمة تولى المواجهة و الإنابة عن المجتمع التقليدي المقبل على موت سريري، يدركه الحذاق الذين سارعوا إلى الاستعانة –ولو على سبيل تنويع المخارج- بالمتعلمين من لحراطين الأكثر قدرة على الانتهازية، وهو ما نراه يوميا من خلال الإعلام، حيث تتوالى المقالات والمقابلات الموجهة قصد الإطناب في امتداح ما هو مقبول لعقليات "السادة" أو لما يبدو مستساغا لقبائلهم من شخصيات كرتونية زائفة، وهذا لا يضر كما توهموا ولا يشوه نضالات التيار الانعتاقي بالذات.


إن الواجب حيال معضلة لحراطين يقتضي إيجاد ترتيبات جديدة، فالذي يريد أن يصنع من لحراطين زعامات عليه أن ينحت من "الجير" تماثيل ونصبا لأجدادنا الذين ماتوا وهم رهن أغلال العبودية، وفي هذه الحالة سيكون ملتقى الطرق BMD موئلا مناسبا لذلك الفعل الحضاري، كما أنه على دعاة التعايش بين مكونات المجتمع الضغط على الدولة من أجل الاعتراف أولا بمكون العبيد والعبيد السابقين، وثانيا العمل على تطبيق القانون المجرم للاسترقاق، وليس من دور الدولة أن تربك المواقف بتكثير القوانين على طريقة "الفوتوكوبي"، فكلنا يتذكر قصة (حطاب الدشرة.. غلب حطبو قام أزادو!!).


يستبعد الكثير من جمعيات الضحايا اقتراب اليوم الذي تضج فيه قاعة المحكمة بعبارات أن "يحي العدل"، كما يستبعد في المقابل الأسياد اليوم الذي يمكنون فيه لغيرهم في صنع التماثيل بالرغم من أهميتها في تذكير الأجيال بماضيهم غير اللطيف أو الرحيم، والاتجاه إلى ما هو أنفع و أصلح!!.


وتقول جمعيات الضحايا، إن موقف النيابة العامة لم يتبدل أو يتحسن، بالرغم من كثافة الأدلة المبلغ عنها بشأن "قاصرات" نواكشوط بالتحديد، ويرون أن الدرس الوحيد المستفاد منه، هو أن الدولة إنما تصر إصرارا على إبقاء العبيد والعبيد السابقين تحت إبط مجتمع الأسياد من "البيظان" خاصة، وهي شهادة نرى ما يعضدها يوميا من خلال قصاصات الصحف، فهل يمكن أن يتهم القانون بالتمالؤا مع الدولة على حساب العبيد والضحايا؟ دعونا نفتش قليلا في جوهر القانون ومحاضر الضبطيات القضائية.


يشترط القانون الموريتاني لتجريم أي فعل ما أن تتوافر للقاضي أركان ثلاثة؛ أما أولها فهو بطبيعة الحال: الركن المادي أو الفعل، ثم الركن المعنوي وهو القصد الجنائي، وثالثها الركن الشرعي وهو نص القانون الذي يجرم ذلك الفعل، هذا ما يقوله فقهاء القانون..، لكن وقائع الاختبار الميداني التي أتاحتها المتابعات القضائية بشأن "القاصرات" تبدوا صادمة لدعاة القول بأننا نعيش في ظل دولة القانون.


فالركن المادي مثلا في حالة كــ"حنة" موضع التطبيق في مقالنا هذا يتمثل في حرمانها من حقها الطبيعي في التربية والتعلم، وتضييع حياتها في أصناف من الاستغلال والتشغيل، ومنعها من الراحة والترفيه شأن أترابها الصغار، أليست تلك جرائم حتى بالمنطق الإنساني؟.


أما الركن المعنوي، فيظهر من خلال تدليل أبناء مشغليها وتسجيل أسمائهم في المدارس الخاصة، وفي نفي وجود "حنة" المعنوي، حيث لا تحوز الفتاة على أية وثيقة مدنية، بالإضافة إلى قطع حضنها العائلي إن لم يتم بتر علائقها الأسرية بالكامل.


أما الركن الشرعي فهو المعبر عنه بقوة النص القانوني، والنصوص في ذلك كثيرة ومتنوعة وسنكتفي بذكر منها:

1. أمر قانوني رقم: 2005/015 المتضمن الحماية الجنائية للطفل.

2. قانون المتاجرة بالأشخاص العام 2003.

3. وكذلك القانون رقم: (048-2007) الذي صدر في عهد الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله والمتعلق بتجريم الممارسات الاسترقاقية.

4. الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل 44/25 المؤرخ بالعشرين نوفمبر 1989.

5. وأخيرا مشروع المرسوم الجديد المحدد لطبيعة الأشغال المنزلية.

إن قدرة القاضي على سوء تقدير المواقف هو الذي يجعله يتورط حين يصدر الأحكام، الكفيلة بتكذيب القائلين باستقلالية القضاء، ونزاهة القضاة، فلا يكون أمام جمهور المحكمة غير فغر فاهه، و اجترار صيحاته من اجل العدالة، وإن إلى حين، وتعود "حنة" إلى أسيادها من أوسع الأبواب، مجرد عبدة، يحمي القانون الإكراه الواقع عليها، ومجرد "قاصرة" يحمي القانون مستغليها، ومجرد معوزة يحمي القانون "بطارينها"، ومجرد "حرطانية" تحمي الدولة "أسيادها".

وهكذا القانون، وهكذا عرفنا أن القانون مجرد رجل مغفل فسعينا إلى إرشاده.

الجاليات

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026