تاريخ الإضافة : 27.05.2008 20:51
عاجل إلي رئيس الجمهورية .. كيف نطعم القلوب الجائعة ؟ (1 )
عاجل إلي رئيس الجمهورية .. كيف نطعم القلوب الجائعة ؟ (1 )
محمد الأمين بن الفاظل*
قررت في رسالة اليوم ـ وفاء بوعدي في الرسالة السابقة ـ أن أخاطر قليلا وأن أطرح السؤال الأصعب والذي أعترف في بداية هذه الرسالة أني لا أملك له إجابة .
أطرح هذا السؤال لأنه بدون الإجابة عليه لا يمكن لعام الزراعة أن يختلف عن غيره من الأعوام.
وأطرحه أيضا لأنه بدون الإجابة عليه فلن ننجح أبدا في إطعام البطون الجائعة في هذا البلد الغني بثرواته والجائع كله(نصفه بطونه جائعة ونصفه الآخر قلوبه جائعة ).
فالقلوب الجائعة التي ابتلعت 160 مليار خصصت للزراعة في السنوات الماضية لن يعجزها قطعا أن تبتلع ما خُصِّصَ للزراعة هذا العام .
و"القلوب الجائعة " التي نهبت بنوك هذا البلد ونهبت حديده وسمكه ونفطه لم تزل حتى اليوم جائعة جدا لدرجة تبرر لها نهب ما خصص من مال للزراعة هذا العام.
الأرض موجودة والمال موجود والرجال موجودون هذا ما تحدثتم عنه في خطاب روصو ولكن المشكلة هي أن الموجود من الرجال له "قلوب جائعة "لا تشبع أبدا حتى ولو زرعت لها المائة والعشرون ألف هكتار ذهبا لا أرزا .
هذه حقيقة مرة لا بد من الاعتراف بها قبل محاولة صعود درجة السلم الأولي.
لقد لاحظت أثناء زيارتكم لروصو أن "القلوب الجائعة "لم تستطع أن تخفي جوعها حتى أثناء هذه الزيارة .
ولقد سجلت بعض التجاوزات المقلقة أثناء الزيارة وخلال العرض وهو ما سأتحدث عنه ـ إن شاء الله ـ في رسالة أخري .
كما أني في المقابل سجلت نقاطا ايجابية في نفس الزيارة ليس أقلها أنها أتاحت لي ولأول مرة فرصة التحدث معكم بشكل مباشر وهنا لا بد أن أسجل الملاحظات التالية قبل العودة إلي "القلوب الجائعة ".
الملاحظة الأولي: لقد أصررت علي أن أقابلكم بنفس الوسائل المتاحة لكل مواطن مما تسبب في إزاحة لي عنيفة استخدمت فيها قوة غير مبررة من طرف الحرس الرئاسي.
الملاحظة الثانية : لقد طلبتم مني في المحاولة الأولي أن أُحدِّث الوزير لاحقا بما أريد أن أحدثكم به وهنا لا بد أن أنبه بأن مشكلة الكثير من الناس هي بسبب تقصير الوزراء أنفسهم وأنا كنت أريد أن أنبهكم علي بعض الأخطاء التي يقوم بها بعض الوزراء وهو ما لم يعد من اللائق الحديث عنه بعد أن رحل جل هؤلاء الوزراء .
وفي بعض الأحيان تكون مقابلة الرئيس أسهل من مقابلة الوزير ففرن الطاقة الشمسية الذي عرض عليكم والذي نال إعجابكم لم أزل عاجزا عن عرضه علي وزير البيئة الذي كتبت له رسالة إشعار بالفرن لم يزل يحتجزها الأمين العام لهذه الوزارة منذ ما يقترب من شهرين دون أن يتركها تصل إلي الوزير ودون أن يرد عليها .
الملاحظة الثالثة : لقد نجحت بعد المحاولة الثانية في أن أعرض عليكم الفرن الذي كان هو الهدف الأول من المقابلة كما نجحت في أن أخبركم وبشكل مباشر عن هذه الرسائل المفتوحة التي أكتب لكم والتي كان إشعاركم بها هو الهدف الثاني من هذه المقابلة .
ومع أن ما حدثتكم به في هذه المقابلة لم يعرضه التلفزيون الوطني لأسباب لن أذكرها الآن فالمهم أنكم أصبحتم علي علم بهذه الرسائل والمهم كذلك أن أستاذي الوزير الأول أخبرني في لقاء معه في نفس الزيارة بأنه قد زار مرة موقعنا علي الانترنت الذي تنشر فيه هذه الرسائل .
وهذا يعني بالنسبة لي شيئا واحدا وهو أن المهمة صارت أصعب وأن الصراحة أصبحت مطلوبة أكثر .
ولذلك أقول بأن هناك لحظة تاريخية الآن ـ والتاريخ بخيل في منح مثل هذه اللحظات ـ للرئيس وللأستاذ في العمل الجاد لمحاربة الرشوة والفساد لأن ذلك وحده هو الذي سيجعل عام الزراعة يختلف عن غيره من الأعوام .
لقد نجحتم في العام الماضي في تسوية بعض الملفات الإنسانية الشائكة أما في هذا العام فالامتحان سيكون من مادة واحدة بل من موضوع واحد يدور كله حول محاربة الرشوة والفساد .
فأول" عمل " ـ وهنا أخاطب أستاذي الوزير الأول ـ سينظر فيه من يريد أن يحاسبكم مع نهاية العام هو محاربة الرشوة والفساد فإن نجحتم فيه نُظِر في أعمالكم الأخرى وإن لم تنجحوا فيه ـ لا قدر الله ـ فلن ينظر أحد لأي عمل آخر .
ومع أن "فريق المذاكرة " الذي شكلتموه يعتقد الكثير من الناس بأنه ليس الفريق الأمثل مما قد يزيد من صعوبة النجاح في الامتحان ..
إلا أني مع ذلك أتمني في نهاية عامكم الأول أن أمنحكم أعلي نتيجة في " التسيير " كما منحتموني منذ عشرين عاما أعلي نتيجة في " التخطيط " .
هذا ما أتمناه فعلا خاصة بعد لقاء روصو الحار الذي لم أقابلكم قبله منذ سنوات وكذلك بعد وعدكم بلقاءات أخري وهي لقاءات سأكون فيها كريما معكم بالحديث عن هموم البسطاء من هذا البلد كما كنتم دوما كريمين معي ومع كل من يعرفكم بالترحيب وبالتواضع وبالبساطة وهو ما يشعرني دوما بأني أمام صديق ولست أمام أستاذ كان هو الأكثر تميزا من بين كل أساتذتنا عام 89 ذلك العام الذي فتحت فيه جراح أليمة وكان هو أيضا الوزير المكلف ـ وهذا ما نجح فيه إلي حد كبيرـ بتضميد تلك الجراح الأليمة .
عشرون عاما مرت بسرعة رهيبة لن أتركها ـ علي الأقل ـ في هذه الرسالة تُبدٌِل حديث العقل الذي أريد أن أحدث به الرئيس إلي حديث عاطفة لأستاذ صديق لولا أنه أصبح وزيرا أولا في هذا العام الحرج لما تجرأت وكتبت له ناصحا .
كان بالإمكان أن أهنئكم علي رئاسة الوزراء وأن أهمس لكم بعد تقديم التهانئ أن مشاكل البلد كلها بل مشاكل العالم كله ستحل عندما تُعَيِّنُوني معكم في رئاسة الوزراء .
كان بالإمكان أن أفعل ذلك ولكن لأني أحترمكم كثيرا وأحترم نفسي كذلك ولأني أعلم يقينا بأن هموم البلد أكثر تعقيدا من أن تُحَلَّ بوظيفة فقد اخترت أن أواصل معكم تقديم "حلول عاجلة لقضايا شائكة " التي كنت أكتبها للوزير الأول السابق بوصفي مستشارا افتراضيا وهنا أرجو منكم أن تهتموا بهذه المقترحات لأنها تكتب من واقع أصحاب المعاناة الحقيقيين لذلك فهي قد تفيدكم كثيرا في مهمتكم الحالية كما أنها قد تفيدكم أكثر فيما بعد مهمتكم الحالية .
والآن لنعد إلي السؤال الأصعب: كيف نطعم "القلوب الجائعة" حتى تتنازل عن فتات الطعام للبطون الجائعة ؟
بداية علينا أن نصحح بعض المفاهيم التي حُرِّفت كثيرا عن أصلها ولكن قبل ذلك سأروي ثلاث قصص من الواقع تكفي لتحديد مستوي الانهيار في القيم الذي أصبحنا نتخبط فيه.
القصة الأولي تتعلق بإمامين تنازعا علي إمامة مُصَلَّي حكم حاكم المقاطعة لصالح أحدهما فما كان من الثاني إلا أن أهدي للحاكم كبشا سمينا مما جعل الحاكم يراجع قراره السابق ويمنح الإمامة لصاحب الكبش.
القصة الثانية تتعلق ببعض " المقاولين الوطنيين" الذين استغلوا " فرصة " ذهول الأهالي بسبب الفيضانات التي اجتاحت المقاطعة المنكوبة لتشييد المركز الصحي للمقاطعة علي أساس عمق يقل عن ثلث العمق المتفق عليه في العقد مما كان سيتسبب في هلاك المزيد من الضحايا.
القصة الثالثة تتعلق بموظف سرق ـ أنا لا أستخدم كلمة اختلس ـ مبلغا من المال من الإدارة التي يعمل بها ثم اشتري بهذا المبلغ سيارة وخصصها للنقل ولكن المشكلة التي واجهت هذا الموظف هي أنه جرب العديد من السائقين الذين لم يكن من بينهم سائق أمين مما جعل هذا الموظف يلعن هذا البلد الذي لا يمكن لأحد أن يحصل فيه علي سائق نزيه .
قصص ثلاث ليست هي كل ما في "التراث المجيد" الذي لا أريد نبشه الآن ولكنها تكفي لوحدها لتعكس مدي الإفلاس في القيم الذي نعيشه والذي أصبح يتطلب منا أن نمد أيادينا طلبا للصدقات من الدول الشقيقة والصديقة ولكن هذه المرة علينا أن نطلب مساعدات عاجلة من القيم والأخلاق بدلا من الغذاء وذلك بعد أن فشلت تماما وزارة التوجيه ووزارة التعليم ووزارة الإعلام ووزارة العدل و,و. في بناء مواطن صالح .
وبالمناسبة "فالمساعدات الأخلاقية " هي المساعدات الوحيدة التي نتمنى فعلا أن ينهبها "الكبار" قبل أن توزع علي" الصغار ".
ما أريد أن أقوله فعلا في هذه الرسالة ـ خاصة ونحن لم نزل في درجة السلم الأولي ـ هو أنه من أجل الاكتفاء الذاتي من الحبوب لابد أن نزرع في القلوب قِيَّما قبل أن نزرع في الأرض أرزا.
فهناك ظاهرة طالما أرَّقني البحث لها عن تفسير قد وجدت لها تفسيرا سأعتمده حتى إشعار آخر وهذا التفسير هو الذي جعلني أخاف كثيرا علي الزراعة خاصة في عام الزراعة هذا .
فعندما اهتمت الدولة بقطاع البنوك والمصارف كانت النتيجة إفلاس وانهيار كل البنوك التابعة للدولة .
وعندما اهتمت الدولة بقطاع الصيد وضخت فيه أموالا طائلة كانت نتيجة ذلك نهب الثروة البحرية وبروز هياكل لسفن بحرية ستبقي هي أكبر شاهد علي حجم الكارثة .
ولما اهتمت الدولة بمحاربة الأمية وخصصت لها وزارة ابتلعت أموالا كثيرة كانت النتيجة الوحيدة هي زيادة نسبة الأميين في هذا البلد.
وعندما اهتمت الدولة بمحاربة الفقر وبالتشغيل فأنشأت لذلك مفوضية لمحاربة الفقر مع وكالة للتشغيل كانت النتيجة التي لا يختلف عليها اثنان هي أن عدد الفقراء وعدد العاطلين زاد كثيرا في السنوات الأخيرة.
وفي المرحلة الانتقالية التي خُصِّصَ للتعليم فيها وزارتان وميزانيتان كان التعليم هو القطاع الوحيد الذي لم يستطع رئيس الحكومة الانتقالية إلا أن يعترف ـ وبصراحة شديدة ـ بفشله.
لذلك فإنه يحق لي بعد هذا التاريخ الطويل من التجارب الفاشلة أن أخاف من أن يزداد عدد الجياع مع نهاية عام الزراعة هذا.
فالدولة عندما تهتم بقطاع معين تقوم بضخ الأموال الطائلة فيه وهي أموال تكون علي هذا القطاع نقمة لا نعمة لأنها تجعل "كبراءنا " أصحاب "القلوب الجائعة " ينتدبون " خيرتهم " لنهب الأموال التي خُصِّصَت لهذا القطاع بسرعة قياسية و"بمهنية " عالية .
هذا ما كان يحدث في الماضي وهذا ما يجب أن نحاربه بالسلاح الحي لا بالسلاح الأبيض هذه هي درجة السلم الأولي التي لا بد من المرور بها لإحداث تنمية زراعية أو أي تنمية أخري في هذا البلد .
لنتأمل قليلا القصة الثالثة والتي يعتقد بطلها أن ما قام به ليس سرقة وأما ما قام به السائقون فهو سرقة مشينة وفاضحة .
بطل قصتنا يصلي كل جمعة في مسجد حيه ويصغي كل جمعة لخطيب المسجد
ومع ذلك لم يسمع يوما من خطيب الحي أن هذا الدين الذي فرض علي الأغنياء أن يتصدقوا ببعض مالهم الخاص علي الفقراء لا يمكن للرجل فيه أن يكون رجلا صالحا وهو يسرق المال العام آناء الليل وأطراف النهار حتى ولو حج واعتمر وصام رمضان وتطوع بأيام أخر وصلي في المساجد وأقام الليل وأطال الركوع و السجود .
ولم يسمع من إمام الحي بأن هؤلاء "العُبَّاد الجدد" إنما يغالطون أنفسهم وهم يتصدقون ببعض الأواقي من الملايين التي سرقوها من أقوات الجياع ويحجون من مال الجياع ويفطرون علي طعام الجياع الذين كاد الجوع أن يفقدهم رشدهم في نوفمبر الماضي .
فالمفلس كما في الحديث الشريف يأتي يوم القيامة بجبال من الحسنات ولكن مشكلته هي مع حقوق الناس التي توزع عليهم حسناته ثم تأخذ سيئاتهم وتطرح عليه ويطرح في النار .
بطل قصتنا لم يسمع يوما من خطيب الحي أن توبة السائق أسهل كثيرا من توبته هو فالسائق يكفي لتوبته أن يعيد ما سرق لبطل قصتنا أما بطل القصة فتوبته ترتبط بحقوق خلق كثير.
وبطل قصتنا الذي كان يشاهد الأئمة بما فيهم إمام مسجد حيه ينظمون الدورات والرحلات ليبينوا للناس أن قتل الأبرياء بالسلاح هو انحراف كبير عن الدين لم يشاهد هؤلاء الأئمة ينظمون المحاضرات ليقولوا لموظفي الدولة إن قتل الفقراء بالتجويع وبسرقة المال العام هو إرهاب وانحراف كبير عن هذا الدين .
بل علي العكس من ذلك ـ وهذا من نتائج "الجهود الجبارة" لمحاربة الأمية ـ فقد كان بطل قصتنا يشارك الإمام في جمع الكبار لفصل محو الأمية والصغار للمحظرة التي يفتحها هذا الإمام كلما كانت هناك زيارة رسمية من طرف وزارة التوجيه الإسلامي
وبطل قصتنا كان يشاهد إمام الحي ـ وأنا أتحدث عن حالة محددة ـ وهو يتحايل علي المال العام وعلي إفطار الصائم مبررا ذلك بأنه من الأفضل أن يستولي إمام علي المال العام لأنه سينفقه في "الحلال" من أن يتركه ضائعا لينهبه رجل طالح وينفقه في "الحرام " .
وبطل قصتنا يتابع جيدا وسائل الإعلام التي لم تبين له أن سرقته أسوأ من سرقة السائق وأن سرقته ربما تكون هي التي تسببت في سرقة السائق.
ولم يقل له الإعلام بأنه سرق مرتين أولاهما عندما وظَّفَ ما تعلَّم في تخريب البلد الذي أنفق أموالا طائلة في تعليمه أما السائق فلم تنفق عليه مثل هذه الأموال ومع ذلك فما قام به السائق نطلق عليه سرقة أما ما قام به الموظف فهو شطارة وفي أحسن الأحوال أو أسوئها ـ لا أعرف أيهما أستخدم ـ يطلق عليه اختلاس .
وصناعة القدوة التي يقوم بها الإعلام الرسمي تجعل من الموظف السارق نجما تلفزيونيا حاضرا في كل مناسبة لأنه يملك من المال والجاه ما يكسب به صداقات مع "أسياد" الإعلام الرسمي الذين يستضيفون من يميلون إليه لا من يستحق أن يكون ضيفا لذلك فكان الغائب الكبير عن هذا الإعلام هو الموظف المكافح والمثقف المكافح والمواطن البسيط المكافح من أجل لقمة حلال .
لقد بلغت الجرأة بالتلفزيون أن قدمت لنا في أكثر من برنامج وبلا خجل من اعترف علنا وفي وسائل الإعلام هذه بأنه كان يسرق المال العام ويقدمه كرشاوى سياسية لبعض نخب البلد.
وبطل قصتنا يمر يوميا في طريقه المعتاد بين قصر العدل والسجن المدني ومع ذلك لم يشاهد يوما "سارقا محترما " مقيدا بالسلاسل ولم يشاهد يوما أحد الموظفين الكبار الذين لا يتورعون عن سرقة المال العام ينزل ضيفا علي هذا السجن ولكنه كان يشاهد يوميا عشرات اللصوص الصغار يرمي بهم في غياهب هذا السجن فمنهم من سرق قنينة غاز ومنهم من سرقة هاتفا نقالا ومنهم من سرق ببساطة ما يشتري به خبزا يملأ به بطنه الجائع .
وبطل قصتنا يعيش في مجتمع يمجد لصوصه الكبار ويحتقر صغارهم فهو ـ أي المجتمع ـ يصفق وبلا خجل لمن شرب نفطا بكل مشتقاته أو رشف محيطا بكل حيتانه أو ابتلع حديدا بكل شوائبه ولكنه ينهال ضربا وبلا رحمة علي طفل شارع إذا ما سرق نعلا ليشتري بثمنهما خبزا .
بطل قصتنا علَّمته الإدارة أنه كلما سرق مالا عاما احترمه رؤساؤه وأحبه مرؤوسوه وهطلت عليه الأوسمة والترقيات أما إذا لم يسرق فالنتيجة تكون في أن يبغضه مرؤوسوه ويحتقره رؤساؤه ويحرم من أي تكريم أو ترقية .
وبطل قصتنا علمته الأسرة أنه كلما سرق مالا عاما احترمته الزوجة وأحبه الأولاد وعاش في بيته بسلام أما إذا لم يسرق فالنتيجة هي أن تبغضه الزوجة ويتطاول عليه الأولاد ويعيش جحيما في بيته.
وبطل قصتنا علمته القبيلة أنه كلما سرق مالا عاما رفعته وافتخرت به ومنحته مكانا عاليا في سُلَّمِها أما إذا لم يسرق فإن القبيلة تنبذه وتتبرأ منه سرا وعلنا .
بطلنا قصتنا ـ الذي أجبروه علي سرقة المال العام ـ لم يكن رجلا سيئا في الأصل فهو قد عاش طفولته في حي يصعب أن يميز فيه بين الفقير والغني من شدة التكافل والتآزر فلم يكن هناك فرق بين ما يأكله الغني أو يشربه في خيمته وبين ما يأكل الفقير أو يشرب .
لم يكن هناك من فرق سوي أن الغني له قطعان من الحيوان مسؤول عن تنميتها وتربيتها وملزم بحكم العرف أن يتقاسم نتاجها مع جيرانه الفقراء .
لم يكن بطل قصتنا يعتقد ـ وهو لم يزل طفلا صغيرا ـ أنه يمكن له أن يأكل طعاما ـ حتى ولو كان قليلا ـ دون أن يشرك جاره الجائع ، أما اليوم فأصبح لا يجد حرجا في أن يأكل ما لذ وطاب وأن يحرم جاره الجائع مما بَقِيّ من طعام بل أنه لا يجد حرجا في أن يسرق أيّ وجبة طعام ـ كلما وجد لذلك سبيلا ـ أُرْسِلت من غريب إلي جاره الجائع ..
فلماذا أصبح بطل قصتنا جشعا بهذه الدرجة ؟
هذا سؤال لن أجازف بمحاولة الإجابة عليه حتى ولو كنت أعلم أني قد اقتربت كثيرا من الإجابة عليه في ثنايا هذه الرسالة.
ولكني في المقابل أعدكم ـ إن شاء الله ـ في الرسالة القادمة وفي الجزء الثاني من الإجابة علي السؤال : كيف نطعم القلوب الجائعة ؟ أعدكم بأن أقدم لكم حزمة من المقترحات العملية التي ربما تعيد بطل قصتنا إلي رشده وذلك قبل الانتقال إلي الملف الزراعي والذي يستحق بدوره أكثر من رسالة .
فإلي الرسالة السادسة والعشرين وفقكم الله لما فيه خير البلد.
--------------
*رئيس مركز "الخطوة الأولي " للتنمية الذاتية
محمد الأمين بن الفاظل*
قررت في رسالة اليوم ـ وفاء بوعدي في الرسالة السابقة ـ أن أخاطر قليلا وأن أطرح السؤال الأصعب والذي أعترف في بداية هذه الرسالة أني لا أملك له إجابة .
أطرح هذا السؤال لأنه بدون الإجابة عليه لا يمكن لعام الزراعة أن يختلف عن غيره من الأعوام.
وأطرحه أيضا لأنه بدون الإجابة عليه فلن ننجح أبدا في إطعام البطون الجائعة في هذا البلد الغني بثرواته والجائع كله(نصفه بطونه جائعة ونصفه الآخر قلوبه جائعة ).
فالقلوب الجائعة التي ابتلعت 160 مليار خصصت للزراعة في السنوات الماضية لن يعجزها قطعا أن تبتلع ما خُصِّصَ للزراعة هذا العام .
و"القلوب الجائعة " التي نهبت بنوك هذا البلد ونهبت حديده وسمكه ونفطه لم تزل حتى اليوم جائعة جدا لدرجة تبرر لها نهب ما خصص من مال للزراعة هذا العام.
الأرض موجودة والمال موجود والرجال موجودون هذا ما تحدثتم عنه في خطاب روصو ولكن المشكلة هي أن الموجود من الرجال له "قلوب جائعة "لا تشبع أبدا حتى ولو زرعت لها المائة والعشرون ألف هكتار ذهبا لا أرزا .
هذه حقيقة مرة لا بد من الاعتراف بها قبل محاولة صعود درجة السلم الأولي.
لقد لاحظت أثناء زيارتكم لروصو أن "القلوب الجائعة "لم تستطع أن تخفي جوعها حتى أثناء هذه الزيارة .
ولقد سجلت بعض التجاوزات المقلقة أثناء الزيارة وخلال العرض وهو ما سأتحدث عنه ـ إن شاء الله ـ في رسالة أخري .
كما أني في المقابل سجلت نقاطا ايجابية في نفس الزيارة ليس أقلها أنها أتاحت لي ولأول مرة فرصة التحدث معكم بشكل مباشر وهنا لا بد أن أسجل الملاحظات التالية قبل العودة إلي "القلوب الجائعة ".
الملاحظة الأولي: لقد أصررت علي أن أقابلكم بنفس الوسائل المتاحة لكل مواطن مما تسبب في إزاحة لي عنيفة استخدمت فيها قوة غير مبررة من طرف الحرس الرئاسي.
الملاحظة الثانية : لقد طلبتم مني في المحاولة الأولي أن أُحدِّث الوزير لاحقا بما أريد أن أحدثكم به وهنا لا بد أن أنبه بأن مشكلة الكثير من الناس هي بسبب تقصير الوزراء أنفسهم وأنا كنت أريد أن أنبهكم علي بعض الأخطاء التي يقوم بها بعض الوزراء وهو ما لم يعد من اللائق الحديث عنه بعد أن رحل جل هؤلاء الوزراء .
وفي بعض الأحيان تكون مقابلة الرئيس أسهل من مقابلة الوزير ففرن الطاقة الشمسية الذي عرض عليكم والذي نال إعجابكم لم أزل عاجزا عن عرضه علي وزير البيئة الذي كتبت له رسالة إشعار بالفرن لم يزل يحتجزها الأمين العام لهذه الوزارة منذ ما يقترب من شهرين دون أن يتركها تصل إلي الوزير ودون أن يرد عليها .
الملاحظة الثالثة : لقد نجحت بعد المحاولة الثانية في أن أعرض عليكم الفرن الذي كان هو الهدف الأول من المقابلة كما نجحت في أن أخبركم وبشكل مباشر عن هذه الرسائل المفتوحة التي أكتب لكم والتي كان إشعاركم بها هو الهدف الثاني من هذه المقابلة .
ومع أن ما حدثتكم به في هذه المقابلة لم يعرضه التلفزيون الوطني لأسباب لن أذكرها الآن فالمهم أنكم أصبحتم علي علم بهذه الرسائل والمهم كذلك أن أستاذي الوزير الأول أخبرني في لقاء معه في نفس الزيارة بأنه قد زار مرة موقعنا علي الانترنت الذي تنشر فيه هذه الرسائل .
وهذا يعني بالنسبة لي شيئا واحدا وهو أن المهمة صارت أصعب وأن الصراحة أصبحت مطلوبة أكثر .
ولذلك أقول بأن هناك لحظة تاريخية الآن ـ والتاريخ بخيل في منح مثل هذه اللحظات ـ للرئيس وللأستاذ في العمل الجاد لمحاربة الرشوة والفساد لأن ذلك وحده هو الذي سيجعل عام الزراعة يختلف عن غيره من الأعوام .
لقد نجحتم في العام الماضي في تسوية بعض الملفات الإنسانية الشائكة أما في هذا العام فالامتحان سيكون من مادة واحدة بل من موضوع واحد يدور كله حول محاربة الرشوة والفساد .
فأول" عمل " ـ وهنا أخاطب أستاذي الوزير الأول ـ سينظر فيه من يريد أن يحاسبكم مع نهاية العام هو محاربة الرشوة والفساد فإن نجحتم فيه نُظِر في أعمالكم الأخرى وإن لم تنجحوا فيه ـ لا قدر الله ـ فلن ينظر أحد لأي عمل آخر .
ومع أن "فريق المذاكرة " الذي شكلتموه يعتقد الكثير من الناس بأنه ليس الفريق الأمثل مما قد يزيد من صعوبة النجاح في الامتحان ..
إلا أني مع ذلك أتمني في نهاية عامكم الأول أن أمنحكم أعلي نتيجة في " التسيير " كما منحتموني منذ عشرين عاما أعلي نتيجة في " التخطيط " .
هذا ما أتمناه فعلا خاصة بعد لقاء روصو الحار الذي لم أقابلكم قبله منذ سنوات وكذلك بعد وعدكم بلقاءات أخري وهي لقاءات سأكون فيها كريما معكم بالحديث عن هموم البسطاء من هذا البلد كما كنتم دوما كريمين معي ومع كل من يعرفكم بالترحيب وبالتواضع وبالبساطة وهو ما يشعرني دوما بأني أمام صديق ولست أمام أستاذ كان هو الأكثر تميزا من بين كل أساتذتنا عام 89 ذلك العام الذي فتحت فيه جراح أليمة وكان هو أيضا الوزير المكلف ـ وهذا ما نجح فيه إلي حد كبيرـ بتضميد تلك الجراح الأليمة .
عشرون عاما مرت بسرعة رهيبة لن أتركها ـ علي الأقل ـ في هذه الرسالة تُبدٌِل حديث العقل الذي أريد أن أحدث به الرئيس إلي حديث عاطفة لأستاذ صديق لولا أنه أصبح وزيرا أولا في هذا العام الحرج لما تجرأت وكتبت له ناصحا .
كان بالإمكان أن أهنئكم علي رئاسة الوزراء وأن أهمس لكم بعد تقديم التهانئ أن مشاكل البلد كلها بل مشاكل العالم كله ستحل عندما تُعَيِّنُوني معكم في رئاسة الوزراء .
كان بالإمكان أن أفعل ذلك ولكن لأني أحترمكم كثيرا وأحترم نفسي كذلك ولأني أعلم يقينا بأن هموم البلد أكثر تعقيدا من أن تُحَلَّ بوظيفة فقد اخترت أن أواصل معكم تقديم "حلول عاجلة لقضايا شائكة " التي كنت أكتبها للوزير الأول السابق بوصفي مستشارا افتراضيا وهنا أرجو منكم أن تهتموا بهذه المقترحات لأنها تكتب من واقع أصحاب المعاناة الحقيقيين لذلك فهي قد تفيدكم كثيرا في مهمتكم الحالية كما أنها قد تفيدكم أكثر فيما بعد مهمتكم الحالية .
والآن لنعد إلي السؤال الأصعب: كيف نطعم "القلوب الجائعة" حتى تتنازل عن فتات الطعام للبطون الجائعة ؟
بداية علينا أن نصحح بعض المفاهيم التي حُرِّفت كثيرا عن أصلها ولكن قبل ذلك سأروي ثلاث قصص من الواقع تكفي لتحديد مستوي الانهيار في القيم الذي أصبحنا نتخبط فيه.
القصة الأولي تتعلق بإمامين تنازعا علي إمامة مُصَلَّي حكم حاكم المقاطعة لصالح أحدهما فما كان من الثاني إلا أن أهدي للحاكم كبشا سمينا مما جعل الحاكم يراجع قراره السابق ويمنح الإمامة لصاحب الكبش.
القصة الثانية تتعلق ببعض " المقاولين الوطنيين" الذين استغلوا " فرصة " ذهول الأهالي بسبب الفيضانات التي اجتاحت المقاطعة المنكوبة لتشييد المركز الصحي للمقاطعة علي أساس عمق يقل عن ثلث العمق المتفق عليه في العقد مما كان سيتسبب في هلاك المزيد من الضحايا.
القصة الثالثة تتعلق بموظف سرق ـ أنا لا أستخدم كلمة اختلس ـ مبلغا من المال من الإدارة التي يعمل بها ثم اشتري بهذا المبلغ سيارة وخصصها للنقل ولكن المشكلة التي واجهت هذا الموظف هي أنه جرب العديد من السائقين الذين لم يكن من بينهم سائق أمين مما جعل هذا الموظف يلعن هذا البلد الذي لا يمكن لأحد أن يحصل فيه علي سائق نزيه .
قصص ثلاث ليست هي كل ما في "التراث المجيد" الذي لا أريد نبشه الآن ولكنها تكفي لوحدها لتعكس مدي الإفلاس في القيم الذي نعيشه والذي أصبح يتطلب منا أن نمد أيادينا طلبا للصدقات من الدول الشقيقة والصديقة ولكن هذه المرة علينا أن نطلب مساعدات عاجلة من القيم والأخلاق بدلا من الغذاء وذلك بعد أن فشلت تماما وزارة التوجيه ووزارة التعليم ووزارة الإعلام ووزارة العدل و,و. في بناء مواطن صالح .
وبالمناسبة "فالمساعدات الأخلاقية " هي المساعدات الوحيدة التي نتمنى فعلا أن ينهبها "الكبار" قبل أن توزع علي" الصغار ".
ما أريد أن أقوله فعلا في هذه الرسالة ـ خاصة ونحن لم نزل في درجة السلم الأولي ـ هو أنه من أجل الاكتفاء الذاتي من الحبوب لابد أن نزرع في القلوب قِيَّما قبل أن نزرع في الأرض أرزا.
فهناك ظاهرة طالما أرَّقني البحث لها عن تفسير قد وجدت لها تفسيرا سأعتمده حتى إشعار آخر وهذا التفسير هو الذي جعلني أخاف كثيرا علي الزراعة خاصة في عام الزراعة هذا .
فعندما اهتمت الدولة بقطاع البنوك والمصارف كانت النتيجة إفلاس وانهيار كل البنوك التابعة للدولة .
وعندما اهتمت الدولة بقطاع الصيد وضخت فيه أموالا طائلة كانت نتيجة ذلك نهب الثروة البحرية وبروز هياكل لسفن بحرية ستبقي هي أكبر شاهد علي حجم الكارثة .
ولما اهتمت الدولة بمحاربة الأمية وخصصت لها وزارة ابتلعت أموالا كثيرة كانت النتيجة الوحيدة هي زيادة نسبة الأميين في هذا البلد.
وعندما اهتمت الدولة بمحاربة الفقر وبالتشغيل فأنشأت لذلك مفوضية لمحاربة الفقر مع وكالة للتشغيل كانت النتيجة التي لا يختلف عليها اثنان هي أن عدد الفقراء وعدد العاطلين زاد كثيرا في السنوات الأخيرة.
وفي المرحلة الانتقالية التي خُصِّصَ للتعليم فيها وزارتان وميزانيتان كان التعليم هو القطاع الوحيد الذي لم يستطع رئيس الحكومة الانتقالية إلا أن يعترف ـ وبصراحة شديدة ـ بفشله.
لذلك فإنه يحق لي بعد هذا التاريخ الطويل من التجارب الفاشلة أن أخاف من أن يزداد عدد الجياع مع نهاية عام الزراعة هذا.
فالدولة عندما تهتم بقطاع معين تقوم بضخ الأموال الطائلة فيه وهي أموال تكون علي هذا القطاع نقمة لا نعمة لأنها تجعل "كبراءنا " أصحاب "القلوب الجائعة " ينتدبون " خيرتهم " لنهب الأموال التي خُصِّصَت لهذا القطاع بسرعة قياسية و"بمهنية " عالية .
هذا ما كان يحدث في الماضي وهذا ما يجب أن نحاربه بالسلاح الحي لا بالسلاح الأبيض هذه هي درجة السلم الأولي التي لا بد من المرور بها لإحداث تنمية زراعية أو أي تنمية أخري في هذا البلد .
لنتأمل قليلا القصة الثالثة والتي يعتقد بطلها أن ما قام به ليس سرقة وأما ما قام به السائقون فهو سرقة مشينة وفاضحة .
بطل قصتنا يصلي كل جمعة في مسجد حيه ويصغي كل جمعة لخطيب المسجد
ومع ذلك لم يسمع يوما من خطيب الحي أن هذا الدين الذي فرض علي الأغنياء أن يتصدقوا ببعض مالهم الخاص علي الفقراء لا يمكن للرجل فيه أن يكون رجلا صالحا وهو يسرق المال العام آناء الليل وأطراف النهار حتى ولو حج واعتمر وصام رمضان وتطوع بأيام أخر وصلي في المساجد وأقام الليل وأطال الركوع و السجود .
ولم يسمع من إمام الحي بأن هؤلاء "العُبَّاد الجدد" إنما يغالطون أنفسهم وهم يتصدقون ببعض الأواقي من الملايين التي سرقوها من أقوات الجياع ويحجون من مال الجياع ويفطرون علي طعام الجياع الذين كاد الجوع أن يفقدهم رشدهم في نوفمبر الماضي .
فالمفلس كما في الحديث الشريف يأتي يوم القيامة بجبال من الحسنات ولكن مشكلته هي مع حقوق الناس التي توزع عليهم حسناته ثم تأخذ سيئاتهم وتطرح عليه ويطرح في النار .
بطل قصتنا لم يسمع يوما من خطيب الحي أن توبة السائق أسهل كثيرا من توبته هو فالسائق يكفي لتوبته أن يعيد ما سرق لبطل قصتنا أما بطل القصة فتوبته ترتبط بحقوق خلق كثير.
وبطل قصتنا الذي كان يشاهد الأئمة بما فيهم إمام مسجد حيه ينظمون الدورات والرحلات ليبينوا للناس أن قتل الأبرياء بالسلاح هو انحراف كبير عن الدين لم يشاهد هؤلاء الأئمة ينظمون المحاضرات ليقولوا لموظفي الدولة إن قتل الفقراء بالتجويع وبسرقة المال العام هو إرهاب وانحراف كبير عن هذا الدين .
بل علي العكس من ذلك ـ وهذا من نتائج "الجهود الجبارة" لمحاربة الأمية ـ فقد كان بطل قصتنا يشارك الإمام في جمع الكبار لفصل محو الأمية والصغار للمحظرة التي يفتحها هذا الإمام كلما كانت هناك زيارة رسمية من طرف وزارة التوجيه الإسلامي
وبطل قصتنا كان يشاهد إمام الحي ـ وأنا أتحدث عن حالة محددة ـ وهو يتحايل علي المال العام وعلي إفطار الصائم مبررا ذلك بأنه من الأفضل أن يستولي إمام علي المال العام لأنه سينفقه في "الحلال" من أن يتركه ضائعا لينهبه رجل طالح وينفقه في "الحرام " .
وبطل قصتنا يتابع جيدا وسائل الإعلام التي لم تبين له أن سرقته أسوأ من سرقة السائق وأن سرقته ربما تكون هي التي تسببت في سرقة السائق.
ولم يقل له الإعلام بأنه سرق مرتين أولاهما عندما وظَّفَ ما تعلَّم في تخريب البلد الذي أنفق أموالا طائلة في تعليمه أما السائق فلم تنفق عليه مثل هذه الأموال ومع ذلك فما قام به السائق نطلق عليه سرقة أما ما قام به الموظف فهو شطارة وفي أحسن الأحوال أو أسوئها ـ لا أعرف أيهما أستخدم ـ يطلق عليه اختلاس .
وصناعة القدوة التي يقوم بها الإعلام الرسمي تجعل من الموظف السارق نجما تلفزيونيا حاضرا في كل مناسبة لأنه يملك من المال والجاه ما يكسب به صداقات مع "أسياد" الإعلام الرسمي الذين يستضيفون من يميلون إليه لا من يستحق أن يكون ضيفا لذلك فكان الغائب الكبير عن هذا الإعلام هو الموظف المكافح والمثقف المكافح والمواطن البسيط المكافح من أجل لقمة حلال .
لقد بلغت الجرأة بالتلفزيون أن قدمت لنا في أكثر من برنامج وبلا خجل من اعترف علنا وفي وسائل الإعلام هذه بأنه كان يسرق المال العام ويقدمه كرشاوى سياسية لبعض نخب البلد.
وبطل قصتنا يمر يوميا في طريقه المعتاد بين قصر العدل والسجن المدني ومع ذلك لم يشاهد يوما "سارقا محترما " مقيدا بالسلاسل ولم يشاهد يوما أحد الموظفين الكبار الذين لا يتورعون عن سرقة المال العام ينزل ضيفا علي هذا السجن ولكنه كان يشاهد يوميا عشرات اللصوص الصغار يرمي بهم في غياهب هذا السجن فمنهم من سرق قنينة غاز ومنهم من سرقة هاتفا نقالا ومنهم من سرق ببساطة ما يشتري به خبزا يملأ به بطنه الجائع .
وبطل قصتنا يعيش في مجتمع يمجد لصوصه الكبار ويحتقر صغارهم فهو ـ أي المجتمع ـ يصفق وبلا خجل لمن شرب نفطا بكل مشتقاته أو رشف محيطا بكل حيتانه أو ابتلع حديدا بكل شوائبه ولكنه ينهال ضربا وبلا رحمة علي طفل شارع إذا ما سرق نعلا ليشتري بثمنهما خبزا .
بطل قصتنا علَّمته الإدارة أنه كلما سرق مالا عاما احترمه رؤساؤه وأحبه مرؤوسوه وهطلت عليه الأوسمة والترقيات أما إذا لم يسرق فالنتيجة تكون في أن يبغضه مرؤوسوه ويحتقره رؤساؤه ويحرم من أي تكريم أو ترقية .
وبطل قصتنا علمته الأسرة أنه كلما سرق مالا عاما احترمته الزوجة وأحبه الأولاد وعاش في بيته بسلام أما إذا لم يسرق فالنتيجة هي أن تبغضه الزوجة ويتطاول عليه الأولاد ويعيش جحيما في بيته.
وبطل قصتنا علمته القبيلة أنه كلما سرق مالا عاما رفعته وافتخرت به ومنحته مكانا عاليا في سُلَّمِها أما إذا لم يسرق فإن القبيلة تنبذه وتتبرأ منه سرا وعلنا .
بطلنا قصتنا ـ الذي أجبروه علي سرقة المال العام ـ لم يكن رجلا سيئا في الأصل فهو قد عاش طفولته في حي يصعب أن يميز فيه بين الفقير والغني من شدة التكافل والتآزر فلم يكن هناك فرق بين ما يأكله الغني أو يشربه في خيمته وبين ما يأكل الفقير أو يشرب .
لم يكن هناك من فرق سوي أن الغني له قطعان من الحيوان مسؤول عن تنميتها وتربيتها وملزم بحكم العرف أن يتقاسم نتاجها مع جيرانه الفقراء .
لم يكن بطل قصتنا يعتقد ـ وهو لم يزل طفلا صغيرا ـ أنه يمكن له أن يأكل طعاما ـ حتى ولو كان قليلا ـ دون أن يشرك جاره الجائع ، أما اليوم فأصبح لا يجد حرجا في أن يأكل ما لذ وطاب وأن يحرم جاره الجائع مما بَقِيّ من طعام بل أنه لا يجد حرجا في أن يسرق أيّ وجبة طعام ـ كلما وجد لذلك سبيلا ـ أُرْسِلت من غريب إلي جاره الجائع ..
فلماذا أصبح بطل قصتنا جشعا بهذه الدرجة ؟
هذا سؤال لن أجازف بمحاولة الإجابة عليه حتى ولو كنت أعلم أني قد اقتربت كثيرا من الإجابة عليه في ثنايا هذه الرسالة.
ولكني في المقابل أعدكم ـ إن شاء الله ـ في الرسالة القادمة وفي الجزء الثاني من الإجابة علي السؤال : كيف نطعم القلوب الجائعة ؟ أعدكم بأن أقدم لكم حزمة من المقترحات العملية التي ربما تعيد بطل قصتنا إلي رشده وذلك قبل الانتقال إلي الملف الزراعي والذي يستحق بدوره أكثر من رسالة .
فإلي الرسالة السادسة والعشرين وفقكم الله لما فيه خير البلد.
--------------
*رئيس مركز "الخطوة الأولي " للتنمية الذاتية







