تاريخ الإضافة : 20.05.2008 16:57

سينفونية السياسي وتغريدة المواطن


محمد مولود ولد المعلوم *

انشغل جميع السياسيين خلال الأيام الخوالي بتشكيل الحكومة وبذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق الأمنيات في الحصول على حقائب وزارية أو كراسي حكومية ونال هذا الهم السياسي الطاغي حيزا كبيرا من تفكيرهم وخطابهم ، سواء على وجه التقدير والارتياح للمغانم التي تحققت أو على وجه الانزعاج من ممارسات التهميش والإقصاء كما يحلو للبعض أن يقول ، وكأن الجدل كله تحول من نضال من أجل الإصلاح والبناء والتنمية في بلد متخلف كبلادنا اقتصاديا وتنمويا وبنيويا وثقافيا إلى جدل عقيم في إحصاء عدد الحقائب والكراسي الحزبية المحصلة في الحكومة الجديدة ، وبالتالي بقي الغائب الأبرز عن أجندة وأولويات هؤلاء السياسيين هو هموم المواطنين الذي أعياهم غلاء المعيشة وأرهقتهم صواريخ رافعات الأسعار وخيم عليهم شبح الجفاف والمجاعة من كل مكان في بلد عجز أبنائه عن بنائها بشكل سليم طيلة عقود من الزمن فهل استفاق السياسيون إذا من غفلتهم بعد كل هذه السنين ؟
ففي كل مرة عندما تبدأ الأنظار تتجه نحو تشكيل الحكومة ينصب هموم الأحزاب والقوى السياسية في البلاد على كيفية إحراز أكبر قدر من المنافع والنفوذ والسلطة رغبة في الحفاظ على مصالح أو خوفا من الضياع أو استباقا للزمن من فوات أوان الفرص ، وكأن البلاد تحولت إلى ساحة لمعركة سياسية من أجل البقاء وكأنهم يتمثلون قول بعض الفلاسفة "البقاء للأقوى والضعيف ليس له الحق في الحياة" وبالتالي فهم يخوضون معركة في سبيل الحفاظ على المصالح أكثر من أنها معركة في سبيل الإصلاح ، فبعض هؤلاء القوى مثلا ظل دائما غائب عن مواقع صنع القرار وآخرون ظلوا مهمشين يصارعون بقوة من أجل تحقيق بعض المكاسب الحزبية أو الشخصية لإيجاد موقع قدم هنا أو هناك ، وفي نهاية السيناريو التراجيدي يخرج بعض هؤلاء السياسيين ويقول "نحن نريد الإصلاح من الداخل" وسط غابة من المفسدين ظلت تتربع على عرش الحكم سنين عديدة من الزمن ولابد من مغالبتهم داخل حصونهم العتيدة ومشاركتهم مغانم السلطة ومنافع الحكم ومعركة التغيير ، فهل تاب هؤلاء من سوء التسيير وامتهان الفساد وغسلوا أياديهم من أكل المال العام وعادوا إلى رشدهم حتى نقول بأننا يمكن أن نشاطرهم هم الإصلاح ومكافحة الفساد ومعركة البناء ؟
تلك مقولة يمكن تفهمها من قبل البعض ولكن يصعب تصديقها أو استساغتها من قبل مواطن عادي يعيش في واقع بائس تغشاه غيوم من اليأس يندر فيه من يزرع بذور الأمل ، مواطن صمت أذانه بسماع كلمات رنانة وخطب جميلة يرددها السياسيون في كل مناسبة انتخابية أو سياسية أو وطنية ، وأزعجته دندنة المراوغين بحقوقه والمتلاعبين بعقله والمجادلين بهمه ولم يعد قادرا على كظم غيظه أو الصبر على أناته ومآسيه البادية للعيان التي لم يكترث لها السياسيون في غابر الزمان ولا في حاضره ، فحين يعجز بعضهم عن تمهيد الطريق أو حتى تنظيفها من الدنس أو مواجهة تحد قاس يتم إعادة إنتاجه من جديد بشكل روتيني بقوة أعلى هرم في السلطة لعل وعسى أن يتناسى المواطنون فشله الكبير وعجزه المهين وسقوطه المريع ، بينما البعض الآخر يتم إبداله كما يتبادل حجر الشطرنج من قبل اللاعبين ولكن هنا يكون التبادل في الأدوار والوظائف في لعبة مكشوفة ومفضوحة بين بعض القرناء والأخلاء ، لكي ينهش كل منهم -في فترة تبادل الكراسي- من عصب حياة هذا الوطن وقبل يغرق أو تبتل ثيابه في وحل الواقع البائس حتى لا يصل إلى نهاية الطريق تكتمل حلقة نهب المنافع وتحقيق المآرب.
وهنا يتقاطع الإحساس بالمرارة مع مشاعر الكثير من المواطنين الذي ملوا أحاديث السياسيين في الإصلاح والفساد إلى حد الضجر والغضب والاشمئزاز ، حيث بدأ يدرك الكثيرون مدى المفارقات فهناك بون شاسع بين حسابات السياسيين وهموم المواطنين وبين الواقع المعاش والآمال المرجوة ، خاصة بعد أن خلت سنة الحكم والسلطة ولم تزحزح فيها الحكومات السابقة أو اللاحقة شيئا من ركام الواقع المعاش ، وقد جاءت الحكومة الجديدة بشخوصها ورفقائها فهل ستكنس الحكومة الحالية ما عجزت عنه الحكومة السابقة أم أن الأمور في بلادنا كتب عليها أن تظل تراوح مكانها بين سقطات السياسيين ومعاول هدم اللاعبين.

*كاتب وصحفي موريتاني

الرياضة

شكاوي

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026