تاريخ الإضافة : 19.05.2008 14:59
كبوة جواد"تواصل"
قبل البدء
ليس سهلا أبدا أن يكتب المرء لينتقد من يحب ولا أن ينتحب ألما من مواقف من تعود أن يسعد بمواقفهم أيما سعادة، لكنه ليس عدلا أيضا أن نوجه سهام النقد فقط لمن نختلف معهم في كل صغيرة وكبيرة بل ليس عدلا أبدا أن نحرم من نحب من حقهم في تصويب ما يرتكبونه من أخطاء وتبصيرهم بما يترتب عليه من عواقب.
من هنا نجد الرغبة الجامحة في المشاركة في اللغط المتصاعد الذي أثاره ويثيره موقف التواصليين الأخير القاضي بمشاركتهم في حكومة ولد الواقف.
ونحن إذ نستعرض هذا الموقف ونجاهر قبل البدء بمعارضته نعتقد أننا مطالبون أخلاقيا بمحاولة إنصاف أصحاب الموقف وتفهم اجتهاداتهم ما وجدنا لذلك سبيلا، كما أننا مطالبون بإبراز ما نراه مسببات وجيهة لرفض هذا الموقف ومعارضته، غير أننا قبل الخوض في ذلك كله نود أن نسجل استغرابنا لأن يكون من بين أنصار التيار الإسلامي ومحبيه مثل ذلك الطابور الجاهز دائما للدفاع عن مواقف القيادة وتبريرها أيا كانت وهو طابور عرفناه وألفناه في اغلب أحزابنا الوطنية وخصوصا "الشخصانية" منها لكننا نستنكر وجوده في تيار إيديولوجي المفروض أن المبادئ والمنطلقات والثوابت هي البوصلة المحددة والموجهة لمساره، وليس ما يتخذه القادة من مواقف هي في نهاية المطاف اجتهادات بشرية تحتمل الخطأ والصواب، كما نسجل بذات الدرجة استغرابنا لأن يتخذ مناوئو التيار ومعارضوه من هذا الموقف مهما ساء فرصة للانقضاض على التيار بل وعلى التوجه بأكمله والدخول في منازلة غير بريئة يستخدم فيها الحق لخدمة الباطل ويراد من خلالها تلميع الباطل بما هو حق، ومع كل ذلك ورغما عنه فنحن على استعداد تام لتحمل مسؤولية ما نكتب وما نعبر عنه من آراء بغض النظر عما يثيره من سخط أو رضى الطرفين.
كبوة جواد
من أين يأتي استهجان الموقف الذي اتخذه التواصليون بالمشاركة في الحكومة؟ هل هو مجرد حب الاعتكاف في عرين المعارضة إلى أبد الآبدين؟ أم لأن التواصليين منزهون عن الحكم مصونون عن تولي شؤون الناس؟
ما سبب كل هذه الحساسية المفرطة من دخول التواصليين في حكومة "عودة" هل هو الحرص عليهم أم على المعارضة التي تفقد بمغادرتهم لعرينها لاشك أسدا هصورا لطالما أزبد أرعد وتوعد خصوم العرين بعظائم الأمور؟ ثم ما هذه الحماسة المفاجئة من التواصليين للمشاركة في حكومة ولد الواقف؟ وأي بريق ذلك الذي اسال لعابهم الآن للهرولة إلى مركز القرار غير عابئين بما خلفوا ومن خلفوا من رفاق الدرب وشركاء المصير؟
ما هي هذه المعجزة التي حصلت فجأة لتجعل التواصليين يرون في رئيس الحكومة المعين بعد أن كان مهندس "عودة" نظام الفساد الذي لم يغادر أصلا وبعد أن كان قطب الرحى في كل مخاوفهم المعلنة من عودة النظام الحالي بالبلاد إلى المربع الأول؟
أسئلة كثيرة ندرك أنها مطروحة بجد حينا وبتهكم حينا آخر لكننا سنحاول أن نرسم من خلالها ملامح المعالجة التي نريد إبرازها في هذا السياق.
ليس جريمة على الإطلاق أن يقرر حزب سياسي الانتقال من المعارضة إلى المشاركة بل إن مثل هذا الانتقال هو معلم من معالم الحياة الديمقراطية السليمة إذ هو تجسيد للتناوب الذي لا يكون للديمقراطية طعم من دونه، غير أن مثل هذا الانتقال يتطلب فقط أسبابا مقنعة مثلما تتطلب المعارضة أصلا أسبابا مقنعة لا تستساغ إلا بها، وتختلف هذه الأسباب بحسب موقع الحزب الطامح إلى المشاركة في المعارضة أصلا إذ أن الثنائية التي يخلقها النظام الديمقراطي من اغلبية ومعارضة يتفاوت مستوى التناقض بين جزئياتها بشكل طبيعي وهذا يعني أن عرين المعارضة لا يعني أن ساكنيه متفقون على كل شيء كما لا يعني الانتماء إلى الأغلبية مطابقة التوجهات والرؤى التي يراها أطرافها إذ لو كان الأمر كذلك لاستحال التعدد إلى تفرد وهو ما يرفضه المنطق الديمقراطي ويأباه، وكلما تقلصت نقاط الخلاف بين الأغلبية والمعارضة كلما الانتقال من قطب إلى آخر وهو أمر طبيعي ينم استغرابنا له عن قرب عهدنا بالتجربة الديمقراطية وجهلنا بالكثير من متطلباتها، من هنا لا غرابة إذن في أن ينتقل التواصليون من كراسي المعارضة إلى كراسي الأغلبية فهذا أمر عادي غير أنه يحتاج فقط إلى أسباب من قبيل ما ذكرناه آنفا كأن تتقارب وجهات النظر بنسبة كبيرة بحيث تصبح نقاط الخلاف أقل من نقاط الالتقاء، أو أن تظهر في الأفق أسباب وجيهة لتعاون مرحلي تتطلبه المصلحة العليا للأمة يجب من أجله تجاوز المصالح الضيقة ونسيان الخلافات غير الجوهرية، ومن هذا المنطلق تفهمنا جميعا دعوة المعارضة مجتمعة فور إعلان نتائج الشوط الثاني من الانتخابات الرئاسية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية من منطلق أن قضايا كبرى كملف المبعدين ومحاربة الفساد ومعالجة مخلفات الاسترقاق تتطلب جهدا جماعيا ينبغي لأجله أن نتناسى الخلافات البسيطة ولو إلى حين، ولم يحل دون وجود هذه الحكومة آنذاك إلا رغبة الأغلبية حينها بالاستفراد بالسلطة وهو حق لها أيضا احترمه الجميع وسلموا به.
وتأسيسا على ما سبق يحق لنا التساؤل عن نقاط الالتقاء الجديدة بين التواصليين والنظام وكيف تم تضييق هوة الخلاف بما مكن من الوقوف على أرضية مشتركة فبهذا فقط يمكن أن نحكم على هذا الموقف بالسلب أو بالإيجاب.
لكن ما هي نقاط الخلاف الأساسية أصلا بين التواصليين والأغلبية الرئاسية؟ بالطبع لا يمكن اعتبار تشكيك التواصليين في خلفيات ترشح الرئيس الحالي أصلا ووقوف العسكر من ورائه وتحالف قوى الفساد على نصرته نقطة خلاف جوهرية لأن هذه كلها تهم يقويها المنطق ولا تدعمها البينات، غير أنه مما لاشك فيه أن التواصليين كانوا من فرسان المعركة الشرسة التي أدت في النهاية إلى سقوط نظام ولد الطايع وتهاوي أركانه، ولاشك كذلك أن مشروعية تلك المعركة تأسست على محاربة الفساد الذي استشرى في جهاز الدولة والتضييق الهائل في مجال الحريات الذي مثل التواصليون أكبر ضحاياه وارتهان النظام لقوى الإمبريالية الدولية وإخراج البلاد عن عمقيها القومي والإقليمي كل هذه الأمور وغيرها شكلت مرجعية مشروعية المعركة التي أهلكت نظام ولد الطايع غير أن ضربة الثالث من أغشت لم تكن قاضية فقد قطعت الرأس وبقي الجسد مترنحا يستميت في تحمل الضربة ويسعى للتماسك والنهوض من جديد، لهذا استحق فرسان المعركة استراحة محارب ولم يشرع لهم وضع السلاح إذ العدو لم يلق سلاحه بعد والمعركة لم تنته وإنما أجلت إلى حين، ومنذ فوز الرئيس الحالي والمعارضة الوطنية –والتواصليون في مقدمتها- يرقبون المشهد بعين فاحصة حارسة وقد اجمعوا على أن أي جديد لم يطرأ وأن أي تغير لم يحصل في أي مجال من المجالات اللهم إلا نفس قليل من الحرية أمكن بموجبه تشريع مجموعة من الأحزاب كان حزب تواصل والمغزل عليه "عادل" من بينها، ومرت سنة من عمر النظام الجديد حملت تطورات كثيرة كالشروع في عودة المبعدين وسن قانون لتجريم العبودية وهي خطوات قربت بلا شك المسافة بين السلطة والمعارضة، لكن خطوات أخرى كتشكيل حزب عادل أو "عودة" كما كان يحلو للتواصليين أن يسموه والعودة القوية لرموز الفساد إلى الواجهة ومراوحة بقية الملفات مكانها كمحاربة الفساد وعودة البلاد إلى محيطها العربي والإقليمي وقطع العلاقات المهينة المشينة وكلها أمور تؤكد أن مشروعية المعركة الأصلية التي أهلكت النظام البائد لا تزال قائمة وأن ما حصل في النهاية هو تغيير لا غير، إلى أن انقضت السنة الأولى من عمر النظام وانفرط معها عقد أول حكومة في عهده.
ومنذ إعلان استقالة الحكومة السابقة –أو إقالتها على الأصح- وتعيين رئيس الحكومة الجديد عاد الحديث عن حكومة وحدة وطنية إلى الواجهة وهو حديث ما لبث أن تحول إلى حكومة سياسية ثم إلى حكومة موسعة وكلها مصطلحات تبحث عن التوصيف الدقيق لإرادة النظام من خلال حكومته الجديدة، ولم يكن غريبا أن تتفاوض أحزاب المعارضة مع رئيس الوزراء المكلف فالمشاركة مطلب أصلي لديها وأجندتها واضحة لكن الغريب أن تتفاوض بشكل فردي وكأن لكل حزب أجندته الخاصة به ثم الأغرب من ذلك أن يدخل الداخلون ويرفض الرافضون على رجع صدى شرط حكومي واحد هو القبول بالبرنامج الانتخابي للسيد الرئيس، إذ أن منطق الأمور يقضي بأن المعارضة عندما تقبل ببرنامج رئيس الجمهورية اصبحت موالاة فعلى ما التفاوض إذن وما معنى أن تسند لها حقائب طالما أن ستطبق ذات البرنامج الذي يطبقه غيرها؟ على كل حال حصل ما حصل وفاوض الوزير الأول المكلف كل أحزاب المعارضة وخرج على الناس يتبجح بدخول حزبين أساسيين من المعارضة التقليدية في حكومته وأن الخيط الجامع لهذه الحكومة هو الالتزام الحرفي بتطبيق البرنامج الانتخابي للسيد الرئيس.
الموقف في الميزان
قليلة هي الأصوات المعلقة على قرار حزب اتحاد قوى التقدم بدخول الحكومة الجديدة لسبب بسيط هو أن الجماعة قدموا لهذا الموقف مقدمات كثيرة حتى قبل العهد الجديد وفي ظل نظام ولد الطايع، بل إن أحد كوادر الحزب ووزرائه الحاليين كان ضمن تشكيلة الحكومة السابقة، ولم يزج اتحاد قوى التقدم في الحلبة إلا ببعض "ثيرانها" السابقين وبالتالي فلا شيء يستحق التعليق.
أما موقف "تواصل" فقد أثار زوبعة لغط لا نظير لها لأسباب كثيرة ربما من أهمها عدم وجود علامات دالة في مسار التواصليين تنبئ بمثل هذا التحول المشهود، وإن كان البعض بدأ يقرأ منذ مدة –بما نعتبره نحن سوء نية- بعض مواقف الحزب ورئيسه بالذات على أنها مقدمات إلى ورد المنهل الحكومي، وطبيعي أن أصوات المستائين من هذا الموقف طغت وعلت على أصوات المستحسنين إن وجدت وكان نصيب الأسد في السخط على هذا القرار من نصيب أنصار هذا الحزب وخزانه الانتخابي، والحقيقة أن موقف قيادة "تواصل" لم يكن مقنعا على الإطلاق ولم يكن مؤسسات بالطريقة التي عودوا الناس عليها في مواقفهم السابقة وليس أدل من وجهة نظرنا على خطإ هذا الموقف وتهافته من تبريرات قادة الحزب أنفسهم التي أظهرت رئيس الحزب وهو المنطقي الحجوج الذي اشتهر بوضوح الرؤية والقدرة الفائقة على الإقناع وهو يتخفى وراء ألفاظ غير مفهومة ويلوذ بالتأويل ويفتش في التراث بحثا عن مسعف في مجال التسويق والتبرير.
حتى "طلعته البهية" على شاشة الجزيرة التي طالما تابعه عليها الناس وهو يأخذ بالحجة والمنطق مجامع قلوبهم بدت باهتة وعلت وجهه مسحة خجل لا يخطئها العارفون.
ونحن نعلم أن الانتقال من موقف المعارضة "الناصحة" كما يسميها قادتنا إلى موقف المشاركة "الناجحة" ليس أمرا سهلا على الإطلاق وإلا لما تطلب كل ذلك المخاض العسير الذي أدى في النهاية إلى ولادة الموقف "خديجا" في ولادة قيصرية نتمنى أن تنتهي آلامها وتداعياتها بأقل الأضرار.
ذلك أن سنوات طويلة من النضال ومقارعة أنظمة الفساد المتعاقبة خلقت رصيدا نضاليا كبيرا لا يقدر بثمن وهو رصيد سيتضرر لا محالة من الموقف الجديد مهما كان مبررا ووجيها فأحرى إذا كانت ظواهر الأمور لا توحي بأن للموقف اية مصداقية يمكن أن يتقبلها الناس.
والواقع أن المشاركة في الحكومة –أي حكومة- لا يمكن أن تكون بالنسبة لهؤلاء غاية على الإطلاق والأهداف المرجوة من هذه المشاركة –إن تحققت- لا تبدو مستحقة للثمن فضلا عن أن تصريحات رئيس الحكومة وتشكيلتها ينمان عن استحالة تحقق أي هدف مرجو من المشاركة فيها.
أي حظ عاثر إذن رمى بالتواصليين في قلب حكومة يمكن وصفها دون مبالغة بأنها الأسوأ في تاريخ البلد الحديث ذلك أن هذه الحكومة ضمت في الغالب العنصر الأسوأ في كل الحكومات السابقة منذ بداية عهد الرئيس المخلوع إلى يومنا هذا، بل أي حظ عاثر وضع الإسلاميين –والتسمية الآن عن قصد- في قارب واحد مع من اكتووا بناره وتعرضوا لأذاه الحسي والمعنوي طيلة الفترة الماضية؟
سيقول البعض إن الفرصة ستتاح للإسلاميين من خلال مشاركتهم في الحكومة لتقويم الأمور من الداخل ومحاولة توجيهها وتصويبها، وهذا أمل باهت زائف فالرجال الذين تربوا على منهج ولد الطايع وكانوا على مدى خمس قرن رموز الفساد والإفساد فيه لم يعودوا إلى الواجهة بهذه السرعة وهذه القوة ليثنيهم عن مسارهم الذي ألفوه وأبدعوا فيه صراخ أمة بأسرها فأحرى تأنيب وزيرين نظيرين لهما في الحكومة.
وسيقول آخرون إن للإسلاميين الحق في المشاركة بعد كل ذلك الإقصاء والتهميش الذي عانوا منه طيلة العقدين السابقين وأنهم بهذه المشاركة سيستطيعون على الأقل تأمين أنفسهم من تلفيق اتهامات باطلة جديدة لهم بالإرهاب أو إثارة القلاقل إلى غير ذلك من التهم الجزاف الجاهزة ولا نعتقد أن التواصليين أنفسهم يسعدون بهذا التبرير إذ هو يحمل من تغليب المصلحة الخاصة على الهم العام ما لم نتعوده منهم وما لا نرضاه.
وسيقول آخرون إن باستطاعة التواصليين من خلال هذه المشاركة خدمة شعبيهم الذي وهبوا أنفسهم لخدمته وإعطاء مثال شريف لطريقة تسيير الشأن العام هذا إن استطاعوا وإن لم يستطيعوا فتلك فرصة أحسن لإعطاء مثال آخر للموظف العمومي الذي يستقيل طواعية عندما لا تتاح له الفرصة لأداء مهامه على أحسن وجه فتكون تلك سنة حسنة يؤجرون عليها ويشكرون، ونحن لا نرى لهذا الرأي وجاهة كسابقه ذلك أن الحقيبتين اللتين أسندتا للحزب ليستا خدميتين بشكل مباشر فحقيبة التعليم العالي نخبوية جدا وحقيبة التكوين والتشغيل والدمج صورية إلى ابعد الحدود والحقيبتان كلتاهما تفتقران إلى الموارد المالية الضرورية، إذن فاحتمال تقديم خدمة متميزة للناس غير وارد البتة ولم نسمع في تاريخ الفقه السياسي المعاصر عن قرار بالمشاركة في الحكومة غايته الخروج منها بالاستقالة!!
منطق الربح إذن في هذه "الصفقة" معدوم فما هو منطق الخسارة؟
لعل الخسارة الأكبر للتواصليين من دخولهم في الحكومة هي خسارة الثقة الكبيرة التي كانوا يحظون بها، إذ ليس خفيا أنهم ومنذ الإعلان عن تشكيل الحكومة موضع سخط واسع في الشارع بل وموضع اتهام في بعض الأحيان، قد يقول البعض إن تلك ضريبة لابد من دفعها عن أي موقف ذي بال وقد يذهب البعض الآخر إلى اعتبارها فعلا موجها من طرف الخصوم لكن النتيجة هي ذاتها فالتيار الذي يعتمد في الأساس على رصيده الأخلاقي يتأذى كثيرا عندما يتعرض هذا الرصيد للقيل والقال وقديما قيل: "إن البياض قليل الحمل للدنس".
ومهما حاول التواصليون أن يظهروا موقفهم هذا وكأنه موقف إجماع فلن يستطيعوا إخفاء المضض الظاهر على بعض من ابتلعوه رغم أنفوهم من قادة وأنصار التيار فأحرى إنكار السخط المعبر عنه صراحة من جل جماهير هذا التيار وللأمانة فنحن عندما نتحدث عن جماهير التيار لا نقصد بطبيعة الحال أصحاب المواقع الحزبية ولا حتى أعضاء التنظيم السري في السابق وإنما نعني التيار الشعبي العريض الذي أحب هذا التيار واحتضنه طيلة السنوات الماضية.
لكن دعونا نتساءل ومظاهر الربح معدومة ومظاهر الخسارة بادية ما الذي دفع التواصليين إذن للهروب من "سعير" المعارضة إلى "جهنم" الموالاة؟ ليس سرا أن الفترة الأخيرة والأسابيع القليلة الماضية تحديدا شهدت خلافات عميقة بين حزب تكتل القوى الديمقراطية الذي يتزعم رئيسه المعارضة الوطنية وبين حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية وهي خلافات في الغالب الأعم سطحية ومصطنعة وشخصية إلى ابعد الحدود، غير أن مسؤوليتها من وجهة نظرنا تقع على عاتق التواصليين إذ المعروف أن حزب التكتل ليس في الحقيقة حزبا منسجما ومتجانسا وإنما هو أشبه بقطعان الغنم الداجنة التي تجتمع في الصباح في عهدة راع واحد وتتفرق في المساء إلى بيوت عدة، وكان على التواصليين وهم أهل الفكر والايدولوجيا أن يستوعبوا هذه الحقيقة ويتعاملوا معها بشكل يفيد الوطن ويحمي المعارضة الوطنية من التلاشي غير أن قيادة الحزبين للأسف بدت وكأنها لم تتخلص بعد من "حظوظ النفس" فطغت الخلافات الشخصية على العلاقة الاستراتيجية بين الحزبين.
ولعل من مظاهر الخسارة العاجلة المترتبة عن هذا الموقف ذلك الطلاق البين مع شركاء الأمر في عش المعارضة الوطنية الذين قاسموهم الحلو والمر وعايشوهم سنوات طويلة، وإذا كانت خسارة التواصليين من فقدان الارتباط مع حزب التكتل قليلة بفعل الخلافات الحادة المذكورة آنفا فإن خسارتهم في فقدان حليف استراتيجي عروبي قوي وواعد كحاتم وآخر وطني كتيار صار ابراهيما كبيرة يعز تعويضها. ومهما ادعوا جميعا أن العلاقات باقية والتنسيق مستمر فإن ضررا قد حصل لا يمكن إنكاره. كما أن من مظاهر هذه الخسارة العاجلة إعطاء الفرصة لغرماء يتقاسمون معهم الشعار الإيديولوجي ويحاولون جاهدين إيجاد موضع قدم لهم داخل أنصار هذا التيار منذ فترة ولم يكن يمنعهم من ذلك بالأساس إلا سابق علاقتهم بالأنظمة التي مثلت معارضتها مصدر الشرعية النضالية الأول للتواصليين، واليوم يتساوى الفريقان في علاقتهما بالنظام ذاته وإن تعددت وجوهه فيجد الغرماء فرصتهم لاستغلال الحدث وقد فعلوا فقد بادر رئيس حزب الفضيلة إلى عقد مؤتمر صحفي لا يبرره سياق الأحداث ولم يكن له من هدف إلا إعلان مجموعة من المواقف كانت رمزا للتواصليين وبدوا اليوم وكأنهم يتخلون عنها وهو يدرك جيدا كيف ستشكل هذه المواقف مدخلا سريعا إلى قلوب أنصار التوجه الإسلامي الناقمين على قرار دخول الحكومة، ونحن نوقع أن يبادر هؤلاء إلى الاستقالة المبكرة من الحكومة أملا في استغلال أفضل للظرف وللفرصة المتاحة.
وقد ورد على لسان رئيس حزب "تواصل" أن الناس مطالبون بالحكم على أداء الحزب من خلال الحقيبتين المسندتين إليه ونسيان المسؤولية التشاركية للحكومة ونحن ننبه جنابه إلى أن هنالك عهدا أسبق والتزاما أقدم أولى بأن نتحاسب عليه ونقصد بالتحديد الركيزتين اللتين انبنى عليهما الرصيد النضالي للتواصليين واللتين هدتهما تماما هذه المشاركة غير الموفقة أو تكاد.
أما الأولى فهي محاربة الفساد ورموزه وهاهم اليوم يشاركون أقبح وجوه هذا الفساد فمن يصدق بعد اليوم استمرار الحزب في النضال من أجل محاربة الفساد ورموزه؟
وأما الثانية فهي مقاومة التطبيع وهاهم يشاركون في حكومة مطبعة ضمت بالخصوص مهندس التطبيع الأول وفي الحقيبة المعنية بالأساس فأي عاقل يصدق أن حكومة تنوي ولو بعد مائة عام أن تقطع العلاقات مع إسرائيل تسند حقيبة الخارجية إلى مهندس هذه العلاقات الأول؟ وأهل أخذوا تعهدا من الرئيس بقطع هذه العلاقات وما قيمة هذا التعهد مقارنة مع التزام الرئيس ذاته وتعهده لحلفائه السابقين وهو ما لم يتحقق ولا يبدو أنه في الأفق القريب.
إذن ضاعت الركيزتان وكاد بسببهما الرصيد النضالي للتواصليين أن ينهار وهو إن لم يبادروا إلى إنقاذه في طريقه إلى ذلك الانهيار لا محالة.
الأكل مع الذئاب والبكاء مع الراعي
ونحن لا نتوقع أن التواصليين اليوم يفكرون في اتباع المنهج الذي أنكروه بالأمس القريب على التحالفيين وهو منهج الأكل مع الذئاب المطبعة والبكاء مع الجماهير الرافضة للتطبيع وإن موقف التواصليين لأكبر حرجا فهم يترأسون الرباط الوطني لمقاومة التطبيع فهل تراهم يجعلونها رئاسة المغرب للجنة القدس؟!
وليس للتواصليين على الإطلاق أن يتوقعوا أنهم رغم ما أوتوه من فصل الخطاب سيعوضون جماهيرهم عن محاربة الفساد بإصلاح النية في التعليم العالي والدمج والتشغيل والتكوين، ولا أن يعوضوها عن قطع العلاقات المهنية المشينة بتعريب شكلي لوزارتين ثانويتين بين ثلاثين حقيبة وزارية مفرنسة.
القرار إذن بالنتيجة محض خسارة لا توقع للربح بل حتى للسلامة من خلاله ويبقى الأمل معقودا على شباب وجماهير التواصليين الجبارة في ثني قيادتهم عن مواصلة طريق الانحدار إلى الهاوية إذ هو أسهل من محاولة إقناع الأمة كل الأمة بأنها مصابة بعمى الألوان.
وعلى قيادة التواصليين وهي تدرك كيف ولد القرار وكيف جرى التشاور مع القواعد الحزبية أن تبادر إلى تقييم سريع للموقف لأنه في النهاية –والتاريخ شاهد- لا أحد يستطيع أن يواصل إرغام الجماهير على مواصلة "الرغاء" خلف قرارات "بائخة" تحت طائلة الخروج على شعار أجوف اسمه "الانضباط الحزبي".
سعدبوه ولد الشيخ سيدي محمد
ليس سهلا أبدا أن يكتب المرء لينتقد من يحب ولا أن ينتحب ألما من مواقف من تعود أن يسعد بمواقفهم أيما سعادة، لكنه ليس عدلا أيضا أن نوجه سهام النقد فقط لمن نختلف معهم في كل صغيرة وكبيرة بل ليس عدلا أبدا أن نحرم من نحب من حقهم في تصويب ما يرتكبونه من أخطاء وتبصيرهم بما يترتب عليه من عواقب.
من هنا نجد الرغبة الجامحة في المشاركة في اللغط المتصاعد الذي أثاره ويثيره موقف التواصليين الأخير القاضي بمشاركتهم في حكومة ولد الواقف.
ونحن إذ نستعرض هذا الموقف ونجاهر قبل البدء بمعارضته نعتقد أننا مطالبون أخلاقيا بمحاولة إنصاف أصحاب الموقف وتفهم اجتهاداتهم ما وجدنا لذلك سبيلا، كما أننا مطالبون بإبراز ما نراه مسببات وجيهة لرفض هذا الموقف ومعارضته، غير أننا قبل الخوض في ذلك كله نود أن نسجل استغرابنا لأن يكون من بين أنصار التيار الإسلامي ومحبيه مثل ذلك الطابور الجاهز دائما للدفاع عن مواقف القيادة وتبريرها أيا كانت وهو طابور عرفناه وألفناه في اغلب أحزابنا الوطنية وخصوصا "الشخصانية" منها لكننا نستنكر وجوده في تيار إيديولوجي المفروض أن المبادئ والمنطلقات والثوابت هي البوصلة المحددة والموجهة لمساره، وليس ما يتخذه القادة من مواقف هي في نهاية المطاف اجتهادات بشرية تحتمل الخطأ والصواب، كما نسجل بذات الدرجة استغرابنا لأن يتخذ مناوئو التيار ومعارضوه من هذا الموقف مهما ساء فرصة للانقضاض على التيار بل وعلى التوجه بأكمله والدخول في منازلة غير بريئة يستخدم فيها الحق لخدمة الباطل ويراد من خلالها تلميع الباطل بما هو حق، ومع كل ذلك ورغما عنه فنحن على استعداد تام لتحمل مسؤولية ما نكتب وما نعبر عنه من آراء بغض النظر عما يثيره من سخط أو رضى الطرفين.
كبوة جواد
من أين يأتي استهجان الموقف الذي اتخذه التواصليون بالمشاركة في الحكومة؟ هل هو مجرد حب الاعتكاف في عرين المعارضة إلى أبد الآبدين؟ أم لأن التواصليين منزهون عن الحكم مصونون عن تولي شؤون الناس؟
ما سبب كل هذه الحساسية المفرطة من دخول التواصليين في حكومة "عودة" هل هو الحرص عليهم أم على المعارضة التي تفقد بمغادرتهم لعرينها لاشك أسدا هصورا لطالما أزبد أرعد وتوعد خصوم العرين بعظائم الأمور؟ ثم ما هذه الحماسة المفاجئة من التواصليين للمشاركة في حكومة ولد الواقف؟ وأي بريق ذلك الذي اسال لعابهم الآن للهرولة إلى مركز القرار غير عابئين بما خلفوا ومن خلفوا من رفاق الدرب وشركاء المصير؟
ما هي هذه المعجزة التي حصلت فجأة لتجعل التواصليين يرون في رئيس الحكومة المعين بعد أن كان مهندس "عودة" نظام الفساد الذي لم يغادر أصلا وبعد أن كان قطب الرحى في كل مخاوفهم المعلنة من عودة النظام الحالي بالبلاد إلى المربع الأول؟
أسئلة كثيرة ندرك أنها مطروحة بجد حينا وبتهكم حينا آخر لكننا سنحاول أن نرسم من خلالها ملامح المعالجة التي نريد إبرازها في هذا السياق.
ليس جريمة على الإطلاق أن يقرر حزب سياسي الانتقال من المعارضة إلى المشاركة بل إن مثل هذا الانتقال هو معلم من معالم الحياة الديمقراطية السليمة إذ هو تجسيد للتناوب الذي لا يكون للديمقراطية طعم من دونه، غير أن مثل هذا الانتقال يتطلب فقط أسبابا مقنعة مثلما تتطلب المعارضة أصلا أسبابا مقنعة لا تستساغ إلا بها، وتختلف هذه الأسباب بحسب موقع الحزب الطامح إلى المشاركة في المعارضة أصلا إذ أن الثنائية التي يخلقها النظام الديمقراطي من اغلبية ومعارضة يتفاوت مستوى التناقض بين جزئياتها بشكل طبيعي وهذا يعني أن عرين المعارضة لا يعني أن ساكنيه متفقون على كل شيء كما لا يعني الانتماء إلى الأغلبية مطابقة التوجهات والرؤى التي يراها أطرافها إذ لو كان الأمر كذلك لاستحال التعدد إلى تفرد وهو ما يرفضه المنطق الديمقراطي ويأباه، وكلما تقلصت نقاط الخلاف بين الأغلبية والمعارضة كلما الانتقال من قطب إلى آخر وهو أمر طبيعي ينم استغرابنا له عن قرب عهدنا بالتجربة الديمقراطية وجهلنا بالكثير من متطلباتها، من هنا لا غرابة إذن في أن ينتقل التواصليون من كراسي المعارضة إلى كراسي الأغلبية فهذا أمر عادي غير أنه يحتاج فقط إلى أسباب من قبيل ما ذكرناه آنفا كأن تتقارب وجهات النظر بنسبة كبيرة بحيث تصبح نقاط الخلاف أقل من نقاط الالتقاء، أو أن تظهر في الأفق أسباب وجيهة لتعاون مرحلي تتطلبه المصلحة العليا للأمة يجب من أجله تجاوز المصالح الضيقة ونسيان الخلافات غير الجوهرية، ومن هذا المنطلق تفهمنا جميعا دعوة المعارضة مجتمعة فور إعلان نتائج الشوط الثاني من الانتخابات الرئاسية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية من منطلق أن قضايا كبرى كملف المبعدين ومحاربة الفساد ومعالجة مخلفات الاسترقاق تتطلب جهدا جماعيا ينبغي لأجله أن نتناسى الخلافات البسيطة ولو إلى حين، ولم يحل دون وجود هذه الحكومة آنذاك إلا رغبة الأغلبية حينها بالاستفراد بالسلطة وهو حق لها أيضا احترمه الجميع وسلموا به.
وتأسيسا على ما سبق يحق لنا التساؤل عن نقاط الالتقاء الجديدة بين التواصليين والنظام وكيف تم تضييق هوة الخلاف بما مكن من الوقوف على أرضية مشتركة فبهذا فقط يمكن أن نحكم على هذا الموقف بالسلب أو بالإيجاب.
لكن ما هي نقاط الخلاف الأساسية أصلا بين التواصليين والأغلبية الرئاسية؟ بالطبع لا يمكن اعتبار تشكيك التواصليين في خلفيات ترشح الرئيس الحالي أصلا ووقوف العسكر من ورائه وتحالف قوى الفساد على نصرته نقطة خلاف جوهرية لأن هذه كلها تهم يقويها المنطق ولا تدعمها البينات، غير أنه مما لاشك فيه أن التواصليين كانوا من فرسان المعركة الشرسة التي أدت في النهاية إلى سقوط نظام ولد الطايع وتهاوي أركانه، ولاشك كذلك أن مشروعية تلك المعركة تأسست على محاربة الفساد الذي استشرى في جهاز الدولة والتضييق الهائل في مجال الحريات الذي مثل التواصليون أكبر ضحاياه وارتهان النظام لقوى الإمبريالية الدولية وإخراج البلاد عن عمقيها القومي والإقليمي كل هذه الأمور وغيرها شكلت مرجعية مشروعية المعركة التي أهلكت نظام ولد الطايع غير أن ضربة الثالث من أغشت لم تكن قاضية فقد قطعت الرأس وبقي الجسد مترنحا يستميت في تحمل الضربة ويسعى للتماسك والنهوض من جديد، لهذا استحق فرسان المعركة استراحة محارب ولم يشرع لهم وضع السلاح إذ العدو لم يلق سلاحه بعد والمعركة لم تنته وإنما أجلت إلى حين، ومنذ فوز الرئيس الحالي والمعارضة الوطنية –والتواصليون في مقدمتها- يرقبون المشهد بعين فاحصة حارسة وقد اجمعوا على أن أي جديد لم يطرأ وأن أي تغير لم يحصل في أي مجال من المجالات اللهم إلا نفس قليل من الحرية أمكن بموجبه تشريع مجموعة من الأحزاب كان حزب تواصل والمغزل عليه "عادل" من بينها، ومرت سنة من عمر النظام الجديد حملت تطورات كثيرة كالشروع في عودة المبعدين وسن قانون لتجريم العبودية وهي خطوات قربت بلا شك المسافة بين السلطة والمعارضة، لكن خطوات أخرى كتشكيل حزب عادل أو "عودة" كما كان يحلو للتواصليين أن يسموه والعودة القوية لرموز الفساد إلى الواجهة ومراوحة بقية الملفات مكانها كمحاربة الفساد وعودة البلاد إلى محيطها العربي والإقليمي وقطع العلاقات المهينة المشينة وكلها أمور تؤكد أن مشروعية المعركة الأصلية التي أهلكت النظام البائد لا تزال قائمة وأن ما حصل في النهاية هو تغيير لا غير، إلى أن انقضت السنة الأولى من عمر النظام وانفرط معها عقد أول حكومة في عهده.
ومنذ إعلان استقالة الحكومة السابقة –أو إقالتها على الأصح- وتعيين رئيس الحكومة الجديد عاد الحديث عن حكومة وحدة وطنية إلى الواجهة وهو حديث ما لبث أن تحول إلى حكومة سياسية ثم إلى حكومة موسعة وكلها مصطلحات تبحث عن التوصيف الدقيق لإرادة النظام من خلال حكومته الجديدة، ولم يكن غريبا أن تتفاوض أحزاب المعارضة مع رئيس الوزراء المكلف فالمشاركة مطلب أصلي لديها وأجندتها واضحة لكن الغريب أن تتفاوض بشكل فردي وكأن لكل حزب أجندته الخاصة به ثم الأغرب من ذلك أن يدخل الداخلون ويرفض الرافضون على رجع صدى شرط حكومي واحد هو القبول بالبرنامج الانتخابي للسيد الرئيس، إذ أن منطق الأمور يقضي بأن المعارضة عندما تقبل ببرنامج رئيس الجمهورية اصبحت موالاة فعلى ما التفاوض إذن وما معنى أن تسند لها حقائب طالما أن ستطبق ذات البرنامج الذي يطبقه غيرها؟ على كل حال حصل ما حصل وفاوض الوزير الأول المكلف كل أحزاب المعارضة وخرج على الناس يتبجح بدخول حزبين أساسيين من المعارضة التقليدية في حكومته وأن الخيط الجامع لهذه الحكومة هو الالتزام الحرفي بتطبيق البرنامج الانتخابي للسيد الرئيس.
الموقف في الميزان
قليلة هي الأصوات المعلقة على قرار حزب اتحاد قوى التقدم بدخول الحكومة الجديدة لسبب بسيط هو أن الجماعة قدموا لهذا الموقف مقدمات كثيرة حتى قبل العهد الجديد وفي ظل نظام ولد الطايع، بل إن أحد كوادر الحزب ووزرائه الحاليين كان ضمن تشكيلة الحكومة السابقة، ولم يزج اتحاد قوى التقدم في الحلبة إلا ببعض "ثيرانها" السابقين وبالتالي فلا شيء يستحق التعليق.
أما موقف "تواصل" فقد أثار زوبعة لغط لا نظير لها لأسباب كثيرة ربما من أهمها عدم وجود علامات دالة في مسار التواصليين تنبئ بمثل هذا التحول المشهود، وإن كان البعض بدأ يقرأ منذ مدة –بما نعتبره نحن سوء نية- بعض مواقف الحزب ورئيسه بالذات على أنها مقدمات إلى ورد المنهل الحكومي، وطبيعي أن أصوات المستائين من هذا الموقف طغت وعلت على أصوات المستحسنين إن وجدت وكان نصيب الأسد في السخط على هذا القرار من نصيب أنصار هذا الحزب وخزانه الانتخابي، والحقيقة أن موقف قيادة "تواصل" لم يكن مقنعا على الإطلاق ولم يكن مؤسسات بالطريقة التي عودوا الناس عليها في مواقفهم السابقة وليس أدل من وجهة نظرنا على خطإ هذا الموقف وتهافته من تبريرات قادة الحزب أنفسهم التي أظهرت رئيس الحزب وهو المنطقي الحجوج الذي اشتهر بوضوح الرؤية والقدرة الفائقة على الإقناع وهو يتخفى وراء ألفاظ غير مفهومة ويلوذ بالتأويل ويفتش في التراث بحثا عن مسعف في مجال التسويق والتبرير.
حتى "طلعته البهية" على شاشة الجزيرة التي طالما تابعه عليها الناس وهو يأخذ بالحجة والمنطق مجامع قلوبهم بدت باهتة وعلت وجهه مسحة خجل لا يخطئها العارفون.
ونحن نعلم أن الانتقال من موقف المعارضة "الناصحة" كما يسميها قادتنا إلى موقف المشاركة "الناجحة" ليس أمرا سهلا على الإطلاق وإلا لما تطلب كل ذلك المخاض العسير الذي أدى في النهاية إلى ولادة الموقف "خديجا" في ولادة قيصرية نتمنى أن تنتهي آلامها وتداعياتها بأقل الأضرار.
ذلك أن سنوات طويلة من النضال ومقارعة أنظمة الفساد المتعاقبة خلقت رصيدا نضاليا كبيرا لا يقدر بثمن وهو رصيد سيتضرر لا محالة من الموقف الجديد مهما كان مبررا ووجيها فأحرى إذا كانت ظواهر الأمور لا توحي بأن للموقف اية مصداقية يمكن أن يتقبلها الناس.
والواقع أن المشاركة في الحكومة –أي حكومة- لا يمكن أن تكون بالنسبة لهؤلاء غاية على الإطلاق والأهداف المرجوة من هذه المشاركة –إن تحققت- لا تبدو مستحقة للثمن فضلا عن أن تصريحات رئيس الحكومة وتشكيلتها ينمان عن استحالة تحقق أي هدف مرجو من المشاركة فيها.
أي حظ عاثر إذن رمى بالتواصليين في قلب حكومة يمكن وصفها دون مبالغة بأنها الأسوأ في تاريخ البلد الحديث ذلك أن هذه الحكومة ضمت في الغالب العنصر الأسوأ في كل الحكومات السابقة منذ بداية عهد الرئيس المخلوع إلى يومنا هذا، بل أي حظ عاثر وضع الإسلاميين –والتسمية الآن عن قصد- في قارب واحد مع من اكتووا بناره وتعرضوا لأذاه الحسي والمعنوي طيلة الفترة الماضية؟
سيقول البعض إن الفرصة ستتاح للإسلاميين من خلال مشاركتهم في الحكومة لتقويم الأمور من الداخل ومحاولة توجيهها وتصويبها، وهذا أمل باهت زائف فالرجال الذين تربوا على منهج ولد الطايع وكانوا على مدى خمس قرن رموز الفساد والإفساد فيه لم يعودوا إلى الواجهة بهذه السرعة وهذه القوة ليثنيهم عن مسارهم الذي ألفوه وأبدعوا فيه صراخ أمة بأسرها فأحرى تأنيب وزيرين نظيرين لهما في الحكومة.
وسيقول آخرون إن للإسلاميين الحق في المشاركة بعد كل ذلك الإقصاء والتهميش الذي عانوا منه طيلة العقدين السابقين وأنهم بهذه المشاركة سيستطيعون على الأقل تأمين أنفسهم من تلفيق اتهامات باطلة جديدة لهم بالإرهاب أو إثارة القلاقل إلى غير ذلك من التهم الجزاف الجاهزة ولا نعتقد أن التواصليين أنفسهم يسعدون بهذا التبرير إذ هو يحمل من تغليب المصلحة الخاصة على الهم العام ما لم نتعوده منهم وما لا نرضاه.
وسيقول آخرون إن باستطاعة التواصليين من خلال هذه المشاركة خدمة شعبيهم الذي وهبوا أنفسهم لخدمته وإعطاء مثال شريف لطريقة تسيير الشأن العام هذا إن استطاعوا وإن لم يستطيعوا فتلك فرصة أحسن لإعطاء مثال آخر للموظف العمومي الذي يستقيل طواعية عندما لا تتاح له الفرصة لأداء مهامه على أحسن وجه فتكون تلك سنة حسنة يؤجرون عليها ويشكرون، ونحن لا نرى لهذا الرأي وجاهة كسابقه ذلك أن الحقيبتين اللتين أسندتا للحزب ليستا خدميتين بشكل مباشر فحقيبة التعليم العالي نخبوية جدا وحقيبة التكوين والتشغيل والدمج صورية إلى ابعد الحدود والحقيبتان كلتاهما تفتقران إلى الموارد المالية الضرورية، إذن فاحتمال تقديم خدمة متميزة للناس غير وارد البتة ولم نسمع في تاريخ الفقه السياسي المعاصر عن قرار بالمشاركة في الحكومة غايته الخروج منها بالاستقالة!!
منطق الربح إذن في هذه "الصفقة" معدوم فما هو منطق الخسارة؟
لعل الخسارة الأكبر للتواصليين من دخولهم في الحكومة هي خسارة الثقة الكبيرة التي كانوا يحظون بها، إذ ليس خفيا أنهم ومنذ الإعلان عن تشكيل الحكومة موضع سخط واسع في الشارع بل وموضع اتهام في بعض الأحيان، قد يقول البعض إن تلك ضريبة لابد من دفعها عن أي موقف ذي بال وقد يذهب البعض الآخر إلى اعتبارها فعلا موجها من طرف الخصوم لكن النتيجة هي ذاتها فالتيار الذي يعتمد في الأساس على رصيده الأخلاقي يتأذى كثيرا عندما يتعرض هذا الرصيد للقيل والقال وقديما قيل: "إن البياض قليل الحمل للدنس".
ومهما حاول التواصليون أن يظهروا موقفهم هذا وكأنه موقف إجماع فلن يستطيعوا إخفاء المضض الظاهر على بعض من ابتلعوه رغم أنفوهم من قادة وأنصار التيار فأحرى إنكار السخط المعبر عنه صراحة من جل جماهير هذا التيار وللأمانة فنحن عندما نتحدث عن جماهير التيار لا نقصد بطبيعة الحال أصحاب المواقع الحزبية ولا حتى أعضاء التنظيم السري في السابق وإنما نعني التيار الشعبي العريض الذي أحب هذا التيار واحتضنه طيلة السنوات الماضية.
لكن دعونا نتساءل ومظاهر الربح معدومة ومظاهر الخسارة بادية ما الذي دفع التواصليين إذن للهروب من "سعير" المعارضة إلى "جهنم" الموالاة؟ ليس سرا أن الفترة الأخيرة والأسابيع القليلة الماضية تحديدا شهدت خلافات عميقة بين حزب تكتل القوى الديمقراطية الذي يتزعم رئيسه المعارضة الوطنية وبين حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية وهي خلافات في الغالب الأعم سطحية ومصطنعة وشخصية إلى ابعد الحدود، غير أن مسؤوليتها من وجهة نظرنا تقع على عاتق التواصليين إذ المعروف أن حزب التكتل ليس في الحقيقة حزبا منسجما ومتجانسا وإنما هو أشبه بقطعان الغنم الداجنة التي تجتمع في الصباح في عهدة راع واحد وتتفرق في المساء إلى بيوت عدة، وكان على التواصليين وهم أهل الفكر والايدولوجيا أن يستوعبوا هذه الحقيقة ويتعاملوا معها بشكل يفيد الوطن ويحمي المعارضة الوطنية من التلاشي غير أن قيادة الحزبين للأسف بدت وكأنها لم تتخلص بعد من "حظوظ النفس" فطغت الخلافات الشخصية على العلاقة الاستراتيجية بين الحزبين.
ولعل من مظاهر الخسارة العاجلة المترتبة عن هذا الموقف ذلك الطلاق البين مع شركاء الأمر في عش المعارضة الوطنية الذين قاسموهم الحلو والمر وعايشوهم سنوات طويلة، وإذا كانت خسارة التواصليين من فقدان الارتباط مع حزب التكتل قليلة بفعل الخلافات الحادة المذكورة آنفا فإن خسارتهم في فقدان حليف استراتيجي عروبي قوي وواعد كحاتم وآخر وطني كتيار صار ابراهيما كبيرة يعز تعويضها. ومهما ادعوا جميعا أن العلاقات باقية والتنسيق مستمر فإن ضررا قد حصل لا يمكن إنكاره. كما أن من مظاهر هذه الخسارة العاجلة إعطاء الفرصة لغرماء يتقاسمون معهم الشعار الإيديولوجي ويحاولون جاهدين إيجاد موضع قدم لهم داخل أنصار هذا التيار منذ فترة ولم يكن يمنعهم من ذلك بالأساس إلا سابق علاقتهم بالأنظمة التي مثلت معارضتها مصدر الشرعية النضالية الأول للتواصليين، واليوم يتساوى الفريقان في علاقتهما بالنظام ذاته وإن تعددت وجوهه فيجد الغرماء فرصتهم لاستغلال الحدث وقد فعلوا فقد بادر رئيس حزب الفضيلة إلى عقد مؤتمر صحفي لا يبرره سياق الأحداث ولم يكن له من هدف إلا إعلان مجموعة من المواقف كانت رمزا للتواصليين وبدوا اليوم وكأنهم يتخلون عنها وهو يدرك جيدا كيف ستشكل هذه المواقف مدخلا سريعا إلى قلوب أنصار التوجه الإسلامي الناقمين على قرار دخول الحكومة، ونحن نوقع أن يبادر هؤلاء إلى الاستقالة المبكرة من الحكومة أملا في استغلال أفضل للظرف وللفرصة المتاحة.
وقد ورد على لسان رئيس حزب "تواصل" أن الناس مطالبون بالحكم على أداء الحزب من خلال الحقيبتين المسندتين إليه ونسيان المسؤولية التشاركية للحكومة ونحن ننبه جنابه إلى أن هنالك عهدا أسبق والتزاما أقدم أولى بأن نتحاسب عليه ونقصد بالتحديد الركيزتين اللتين انبنى عليهما الرصيد النضالي للتواصليين واللتين هدتهما تماما هذه المشاركة غير الموفقة أو تكاد.
أما الأولى فهي محاربة الفساد ورموزه وهاهم اليوم يشاركون أقبح وجوه هذا الفساد فمن يصدق بعد اليوم استمرار الحزب في النضال من أجل محاربة الفساد ورموزه؟
وأما الثانية فهي مقاومة التطبيع وهاهم يشاركون في حكومة مطبعة ضمت بالخصوص مهندس التطبيع الأول وفي الحقيبة المعنية بالأساس فأي عاقل يصدق أن حكومة تنوي ولو بعد مائة عام أن تقطع العلاقات مع إسرائيل تسند حقيبة الخارجية إلى مهندس هذه العلاقات الأول؟ وأهل أخذوا تعهدا من الرئيس بقطع هذه العلاقات وما قيمة هذا التعهد مقارنة مع التزام الرئيس ذاته وتعهده لحلفائه السابقين وهو ما لم يتحقق ولا يبدو أنه في الأفق القريب.
إذن ضاعت الركيزتان وكاد بسببهما الرصيد النضالي للتواصليين أن ينهار وهو إن لم يبادروا إلى إنقاذه في طريقه إلى ذلك الانهيار لا محالة.
الأكل مع الذئاب والبكاء مع الراعي
ونحن لا نتوقع أن التواصليين اليوم يفكرون في اتباع المنهج الذي أنكروه بالأمس القريب على التحالفيين وهو منهج الأكل مع الذئاب المطبعة والبكاء مع الجماهير الرافضة للتطبيع وإن موقف التواصليين لأكبر حرجا فهم يترأسون الرباط الوطني لمقاومة التطبيع فهل تراهم يجعلونها رئاسة المغرب للجنة القدس؟!
وليس للتواصليين على الإطلاق أن يتوقعوا أنهم رغم ما أوتوه من فصل الخطاب سيعوضون جماهيرهم عن محاربة الفساد بإصلاح النية في التعليم العالي والدمج والتشغيل والتكوين، ولا أن يعوضوها عن قطع العلاقات المهنية المشينة بتعريب شكلي لوزارتين ثانويتين بين ثلاثين حقيبة وزارية مفرنسة.
القرار إذن بالنتيجة محض خسارة لا توقع للربح بل حتى للسلامة من خلاله ويبقى الأمل معقودا على شباب وجماهير التواصليين الجبارة في ثني قيادتهم عن مواصلة طريق الانحدار إلى الهاوية إذ هو أسهل من محاولة إقناع الأمة كل الأمة بأنها مصابة بعمى الألوان.
وعلى قيادة التواصليين وهي تدرك كيف ولد القرار وكيف جرى التشاور مع القواعد الحزبية أن تبادر إلى تقييم سريع للموقف لأنه في النهاية –والتاريخ شاهد- لا أحد يستطيع أن يواصل إرغام الجماهير على مواصلة "الرغاء" خلف قرارات "بائخة" تحت طائلة الخروج على شعار أجوف اسمه "الانضباط الحزبي".
سعدبوه ولد الشيخ سيدي محمد







