تاريخ الإضافة : 17.05.2008 17:54

الحكومة الموريتانية الجديدة: تغيير حكومي أم سياسي؟

زيدان ولد سيداتي ولد الزين، باحث في العلوم
السياسية بجامعة الجزائر
zeiddane@yahoo.fr

عرفت موريتانيا العديد من الحكومات وأكثر من تعديلات جزئية قد تمس حقيبة واحدة أو اثنتين .... في كل مرة تتصارع مجموعة من القوى بعضها معلن والآخر خفي لتعيد أو ترمم بناء هيكل حكومي أصابه الوهن لكثرة ما وقع عليه ولا يزال من التغييرات تارة في شكله وطبيعته وأخرى في بناه.

والتراكمات التاريخية التي حدثت بعد التحول الديمقراطي انعكست بشكل فعلي على الممارسات السياسية مرسخة نمطا تقليديا ( القبيلة – الجهة) يقوم على سيطرة المصالح على القرار السياسي من خلال استخدام القوة للحصول على إجماع المواطنين عن طريق لعبة الأدوار بين العسكر والنخبة السياسية المتمفصلة في النسيج الحكومي منذ الاستقلال حتى اليوم.

فلم يكن هناك منهجا لإشراك الآخرين، إشراكا سياسيا متناغما في خطاه ومتقاربا في مستواه، مما جعل التغيير يشبه دائما طريقة القائمة المعدة مسبقا من طرف النظام السياسي المسؤول عن إشباع حاجات الجماهير التي تعاملت معها كل الحكومات بنظرة فوقية وليدة ميراث تاريخي جعل البعض ينظر إلى أجهزة الدولة نظرة ازدراء واستياء ورفض لحكومات تترا كل واحدة منها تلعن أختها دون تحمل النتائج المترتبة على الأفعال والأقوال، منتهكين دوما ودائما آليات المساءلة التي توضع لإصلاح الخلل في الربط بين السلطة و المسؤولية والوقوف على مواطن الضعف والقصور وتقديم الحلول المساعدة في تفسيرها تفسيرا علميا يكشف العلاقات بين الظواهر التي طبعتها.

وقد رأينا اليوم أن القوة الدافعة للتغيير تم التعبير عنها بالضغط السياسي وما تمخض عنه من ميلاد حزب (عادل)الذي صهر في بوتقته أغلب الفاعلين السياسيين التقليديين وثيقي الصلة بالأنظمة السياسية المتعاقبة، والتوتر الأمني والأزمة الاقتصادية اللذين عززا الاتجاهات نحو التغيير بصفة عامة، ما جعل مشاركة الأطراف السياسية الموالية والمعارضة أمرا لا مناص منه.
وبين هاتين المقاربتين بدا واضحا أن حكومة الزين ولد زيدان آيلة للسقوط لا محالة في ظل غياب قوة كابحة (حزب) تقاوم بصفة مأمونة القوة الدافعة للتغيير التي تهيأت لها أرضية المعركة بوجود نشاز مخل بين فرقاء الائتلاف الحكومي لم يستطع (الزين) منه فكاكا، علاوة على غياب أغلبية برلمانية يتكئ عليها في قراراته التي كثيرا ما وصفت بالفاشلة.

وغالبا ما يفهم البعض التغيير بأنه إحلال نظام أو حكومة محل أخرى نتيجة استقالة أوإقالة ... لكن هل يحصل التغيير فعلا؟ وهل التغيير، تغيير للأشخاص أم تغيير للأهداف والبرامج؟.

هناك ميكانيزمات توضع كخطوة أولى لكل تغيير لتساعد في التغلب على دواعيه وأسبابه. وتترجم عادة هذه الدواعي والأسباب في شكل قوانين وقواعد تمنح المكلف بالتغيير السلطات والصلاحيات التي تحتاجها إدارة عملية التغيير التي لا بد أن تكون مرنة إلى حد كبير حتى يمكن أن تتكيف مع المستجدات على المدى الطويل وتتوصل لاختيار شرعية وكفاية أي هدف فرعي في إطار الهدف النهائي، الأمر الذي يتطلب فهم العلاقة بين الأهداف المحددة والنشاطات اللازمة لبلوغها، حيث توضع الوحدات الإدارية تبعا للنشاطات المراد تنفيذها مستجيبة لدواعي التغيير الإداري أو الحكومي الذي هو بيت القصيد.

فلم تعرف الحكومات الموريتانية منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا، استقرارا مؤسسيا يسمح للدارسين بقياس مستويات أدائها، كما أن غياب سياسات واضحة مبنية على برامج وأهداف محددة زمنيا برر فشل تلك الحكومات في الوصول إلى أهدافها،رغم وجود الوسائل المادية والمالية والبشرية القادرة على انجازها.

ومع تزايد الفشل والعجز الذي أضحى السمة الغالبة لكل حكومة ظلت عمليات التغيير الكثيرة مركزة على تغيير مناصب الأشخاص تارة، وتفتيت أو تجميع بعض الأنشطة الوزارية في وزارة جديدة لتخلق المزيد من المناصب لترضية قريب أو موال سياسيا لهذا المسؤول أو ذاك.

والأخطر من هذا كله، أن كل تغيير حكومي ينجم عنه إعادة هيكلة قطاعية معينية يبادر مسؤوليه بنهب ما تبقى من ميزانياته في انتظار تأكيد أو نزع الثقة منهم بموجب الهيكلة الجديدة للقطاع، ناهيك عن تعطل العمل بشكل شبه كامل داخل مختلف مستوياته الإدارية.

وتفصل الهيكلة الجديدة لأي قطاع بعيدا عن الأهداف والأنشطة التي يتطلبها تنفيذ السياسة القطاعية المرسومة، حيث تنشأ الإدارات والمصالح والأقسام لترضية الأطراف السياسية أو العلاقات القرابية. كما تفصل الصلاحيات حصريا في هذه الإدارة أو تلك على مقاسات صاحب ثقة الوزير وعينه الساهرة على المصلحة الخاصة لا المصلحة العامة. ليتم العبث بمصالح البلاد والعباد باسم القانون و تحت سلطته دون تجسيد لدولة القانون، ولا الحكم الرشيد، ولا حتى الشفافية، مما زاد من عدم المواطنة والوطنية على حد السواء.

وبناء على ما سبق، لا يمكنني القول بأن موريتانيا عرفت تغييرا حكوميا ايجابيا إذا ما قسناه بالمعايير الموضوعية لأي تغيير يسعى لتحسين وسيلة أو تقريب خدمة أو انجاز برنامج. باستثناء هذا التغيير الذي يعتبر أول تغيير حكومي تدخله أحزاب وصفت بالمعارضة الجادة بالإضافة إلى وجوه قديمة جديدة نرجو أن تكون موالاة جادة في حمل مشعل التغييرالحقيقي الذي طالما انتظرناه.

لكن الحكومة الجديدة في شكلها وطريقة تكوينها تشبه الحكومات السابقة التي عرفناها فترة التغيير السلبي السالف الذكر، من حيث تفتيت بعض الوزارات إلى وزارتين أو ثلاث، والتي لا ترقى من وجهة نظرنا نشاطاتها من حيث حجم الخدمة المقدمة وعدد المستفيدين لقطاع وزاري مستقل اللهم إذا كان هذا التفكيك يهدف لجعل الوزارات بعدد التشكيلات السياسية المراد إدخالها إلى الحكومة، مع أن هذه التشكيلات كان يمكن أن تحوز على نصيبها من الهيكلة السابقة دون إحداث أعباء مالية إضافية قد تسهم في حل الأزمة الاقتصادية الخانقة.

وتختلف حكومة السيد يحي ولد محمد الواقف عن سابقتها بأنها تقوم على توسيع قاعدة المشاركة السياسية لتصبح الحكومة أحسن تمثيلا للواقع الاجتماعي والسياسي للبلاد. بالإضافة إلى حنكتها ومراسها السياسي وتجربتها الإدارية التي تؤهلها أكثر من غيرها لانتشال البلاد من وحل الضياع الذي يتهددها، خاصة أنها تحظى بأغلبية برلمانية و تقارب في السن وتجانس في التفكير باعتبارها من مشكاة واحدة تقريبا.

إن أي تحليل مورفولوجي للحكومة الجديدة يتم من خلال مجموعة من التكوينات الفكرية
( إسلامي – ماركسي ) التي يجب دمجها ببعض لاختيار الحل القابل للتنفيذ. ذلك أن التوفيق والتنسيق بين العناصر المختلفة التي تضمنتها الحكومة يتطلب جعل ما هو غريب مألوفا وما هو مألوف غريبا ليكون التغيير السياسي يتناسب مع درجة التغيير الاجتماعي والاقتصادي لمعالجة البناء الداخلي للدولة وفق أدنى حد من الوضوح النظري من جانب القائمين على السلطة والمضادين لها، حيث تلعب الايدولوجيا دورا محوريا لإضفاء الشرعية والنزاهة وكل الاعتبارات القانونية على نمط الحكم.

ولأن الجمع بين الأضداد يقتضي تغيير في الممارسات السياسية التقليدية لنظامنا السياسي، فإن الإصلاح الهيكلي والمؤسساتي سيكونا الأرضية التي ستتلاقح عليها أفكار الوزراء الجدد، وتقام عليها تجربة الحكومة التعددية الداعية إلى توليفة من الأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من مختلفة برامج الأحزاب السياسية المشاركة لتكون برنامجا وطنيا واجب التطبيق.

فعملية الاختيار الحكومي هذه التي تسعى إلى جعل الحكومة معبرة عن الديمقراطية بإطلاقها العنان لإدارة الأغلبية المحافظة على حقوق الأقلية الراغبة في بناء ائتلاف حكومي متوافق على السياسات والأهداف المرسومة ضمن البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية السيد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، لا بد أن تكون روعي فيها مبدأ التراضي على قواعد اللعبة السياسية وتحديدا المصارحة حول الثوابت الوطنية التي يضعها الدستور ضمن الصلاحيات السيادية لرئيس الجمهورية، والمتغيرات السياسية التي تخضع للعوامل الموقفية زمكانيا.

ولكي تكون حكومة يحي ولد محمد الواقف صادقة في تصورها للمشهد السياسي وما تقتضيه المرحلة من تغيير ايجابي يركز على تطوير آليات التعاطي مع البرامج الحكومية وفق معايير تشاركية تأخذ في الاعتبار المورد البشري الذي هو غاية و وسيلة التنمية، فإنها مطالبة كذلك بتذليل كل الصعاب التي قد تحول دون جعل أطراف الائتلاف الحكومي يطبقون برنامج الحكومة بغض النظر عن برامج الأحزاب التي ينتسبون إليها تأكيدا لمبدإ وحدة المرجعية ومنعا للتضارب والتناقض. كما عليها أيضا أن تدرك ما للداخلين الجدد من حاجة لتقديم أنفسهم للشعب كبديل سياسي واعد قادر على تحويل القرارات التشغيلية إلى دورة حياة حقيقية.

الرياضة

الثقافة والفن

وكالة أنباء الأخبار المستقلة © 2003-2026