تاريخ الإضافة : 14.05.2008 09:28
حكومة المتناقضات لن تنجز كثيرا ولن تعمر طويلا
محمد الأمين ولد سيدي مولود
ouldsidimaouloud@maktoob.com
من الصعب جدا بل ربما من المجحف أن يحكم المرء من زاوية تحليلية منصفة بالفشل على حكومة لم تباشر بعد مهامها بشكل فعلي. ربما يقرؤه البعض كحكم مسبق لا يستند إلى الكثير من المنطق والواقع.
لكنني يمكن أن أنطلق من جملة ملاحظات قد تجعل القارئ يتفهم بعض ما أكتب:
ـ أولا إن الحكومة الجديدة أكثر من ثلثيها وزراء سابقون ومن الممكن الحكم على مستقبلهم انطلاقا من ماضيهم.
ـ ثانيا أن الوزراء الجدد فيها مهما صدقت نواياهم سيظلون مكبلين بصلاحيات محدودة وبكونهم أقلية قليلة، هذا إذا تجاهلنا النفوذ الخفي للعسكر الذي يرى البعض أنه كبل الرئيس عن الكثير مما يريد فعله فبالأحرى .....
ـ ثالثا عدم انسجام الحكومة نفسها، بل العدائية المتجذرة بين بعض أركانها سيكون عاملا قوي التأثير السلبي على عملها بل على استمرارها.
ـ رابعا وجود شخصيات كبيرة من رموز الفساد ذات نفوذ سلطوي ومالي متفوق في هذه الحكومة سيكون عائقا حقيقيا أمام أي إصلاح.
ـ خامسا عدم الرضي العام عن طبيعة التشكيلة التي أغضبت الشعب ولم ترض الموالاة، ويوضح ذلك الاستياء الشعبي إثر تعيين رموز الفساد ثم موقف الحزب الجمهوري الذي لم يحظ بغير كاتب دولة رغم حجمه الانتخابي الذي فاق حزب البديل مثلا الذي منح وزارة الداخلية لمعايير زبونية محضة، وكذلك موقف حزب الفضيلة الذي هدد بالانسحاب من الحكومة وإن كنت لا أصدق لأن أغلب قياداته من ذوي المخزن ولا يمكن أن تبتعد إلا بقدر ما تبتعد السمكة عن الماء. ثم أنصار الزين ولد زيدان السابقون الذين تخلوا عن مرشحهم عندما لم يرضهم في الحكومة المنصرمة ليجدوا أنفسهم اليوم في وضع أسوأ.
وانطلاقا من الملاحظات السابقة يمكن أن نعرج أكثر على محطات في المشهد السياسي اليوم توضح جملة أمور لسنا في غنى عن تذكرها:
1 ـ عودة رموز الفساد
لقد شكلت الحكومة الجديدة صفعة حقيقية ومدوية في وجه الإصلاح والحالمين به وذلك من خلال بعثها لجماعة من أكبر رموز الفساد وأخطر أركان نظام ولد الطايع الذين أفنوا ملكه بنهبهم وفسادهم، وغدروا شخصه بالتخلي عنه في ثوان محدودة لحربائيتهم المتطورة.
إن المواطن البسيط الجائع قد يتساءل عن سبب تجديد البيعة لأناس سببوا للبلد كوارث جمة، كما قد يتساءل هل بقي من عمر هؤلاء ما يكفرون فيه عن ما اقترفوه في حق هذا الشعب؟! وماذا استفادت الدولة والشعب من تعيين وإعادة تعيين هؤلاء لنفاجأ اليوم بإعادة إعادة تعيينهم ؟!
ولنستعرض بعض ما احتله بعض هؤلاء من وظائف سامية لنتذكر إن كانوا حققوا فيها ما يجعلنا مضطرين لبعثهم من جديد:
ـ الشيخ العافية ولد محمد خونة: أول وزير موريتاني تطأ قدماه تلابيب، كان 1992 إلى 1993 مديرا للشركة الموريتانية الجزائرية للصيد التي أفلست إلى اليوم إثر ما أشيع أنه فضيحة مالية حفظت ملفاتها في العدالة في ظروف غامضة، ثم أمينا عاما لوزارة الصيد 1994 ثم وزيرا للصيد 1995 ثم رئيسا للوزراء 1996 ثم أمينا عاما لرئاسة الجمهورية 1998 ثم وزيرا للخارجية نفس السنة ثم وزيرا أولا لفترة ثانية من نوفمبر 1998 إلى يوليو 2003 ، ربما يتذكر البعض كيف ختم مشواره حينها بالهجوم على رموز الدين والعلم وعلى التدين عموما عندما سخر من الحجاب الشرعي ... وشنها حملة وقحة وبذيئة ضد رافضي التطبيع ومحاربي الفساد.
ـ بيجل ولد حميد:كان مفوضا للأمن الغذائي ... ثم وزيرا للتجارة والصناعة التقليدية والسياحة ثم وزيرا للصيد، والتنمية الريفية، والصحة والشؤون الاجتماعية، ووزيرا للمالية مرتين، ومديرا عاما للشركة الموريتانية لتسويق الأسماك ثم مديرا عاما للصندوق الوطني للضمان الصحي.
ـ محمد يحظيه ولد المختار الحسن: كان أمينا عاما لخزينة الدولة ثم محافظا مساعدا للبنك المركزي ثم رئيسا لمجلس إدارة الشركة الموريتانية للصناعة والمناجم "سنيم" ، ووزيرا للإقتصاد والمالية، ووزيرا أمينا عاما لرئاسة الجمهورية. كما كان أمينا عاما للحزب الجمهوري سابقا قبل إقالته وسط إشاعات بفضائح مالية وانتكاسات سياسية.
ـ بباها ولد أحمد يورا : شغل منصب الأمين العام للوزارات التالية: المياه والإسكان ثم المياه والطاقة ثم التجارة ثم الثقافة والاتصال، ثم مديرا "لصونلك" ثم رئيسا لمجلس إدارة الخطوط الجوية ـ التي أفلست ـ ثم لشركة "سونمكس" من 1996 إلى 2003 ومن 2003 إلي تعيينه الحالي كان مديرا عاما لميناء انواذيبو المستقل.
أركان نظام ولد الطايع هؤلاء يملكون ثروات طائلة مالية وحيوانية وأراضي كثيرة وأرصدة وأسهما في بنوك إن لم تكن بنوكا بعينها، كما سبق وأن تورط بعضهم في فضائح مالية شهيرة لا زال بعضها في أروقة العدالة وفي رشاوى، وتوضع علامات استفهام حول أخلاق بعضهم!! وأغرب ما في الأمر أنهم حتى على المستوى السياسي من حيث التمثيل الشعبي شهدوا تراجعا كبيرا وانتكاسات عندما هزم بعضهم في الانتخابات النيابية والبلدية في مسقط رأسه أو هزم شقيقه رغم إنفاق عشرات الملايين وإبرام الصفقات القبلية ومنح رشاوى كبيرة والشفاعة بالسلطات المحلية.
2 ـ تناقض ينذر بالانفجار
إن جلوس معارضين راديكاليين وتقليدين يساريين وإسلاميين إلى جانب أباطرة الولاء وأعمدة التطبيع ورموز الفساد قد لا يستمر طويلا لأنه لا توجد مؤشرات توحي بانسجام متوقع أو ممكن بين النقائض، إذ سيجد الشق الأول نفسه عاجزا عن تحقيق إصلاح يحلم به أو عدالة يطمح إليها أمام طغيان قوة الطرف الآخر، فكما يقول باسكال " العدالة دون قوة عاجزة،والقوة دون عدالة طاغية" ، كما سيجد الطرف الثاني نفسه مزهوا بعد أن سوق للرأي العام أن جل المعارضين إنما هم طلبة سلطة، هذا إذا لم يستكن الطرف الأول للثاني أو يعده، فقديما قال الشاعر أبو الفتح البستي :
من استنام إلى الأشرار نام وفي قميصه منهم صل وثعبان
3 ـ عزاء الشعب
مع كل السأم واليأس الذي أصاب الجميع ومع قوة الصدمة ومشقة الظرف لا زال في النفق بصيص أمل ولا زال في الدرب رفاق ينحازون إلى هموم الشعب:
ـ تكتل القوى الديموقراطية لم يتردد في كشف المسرحية فأعلن موقفه " كحزب تليد في المعارضة ... من التحدي أن يسام بالتخلي عن برامجه السياسية والتي حملها سنين طويلة مقابل حقائب وزارية محدودة..." ولسان حاله قول خليل مطران:
ليس الموفق من رزق المنى لكن من رزق الثبات الموفق
ـ حزب الإتحاد والتغيير الموريتاني "حاتم" كان رئيسه صالح ولد حنن أول من صارح رئيس الوزراء المكلف بضرورة أن تكون الحكومة القادمة حكومة وحدة وطنية ذات برنامج يتفق عليه الجميع يضع في أولى أولوياته الظروف المعيشية الصعبة للمواطن البسيط بالإضافة إلى ملف الأمن وقطع العلاقة مع الصهاينة، كما كان الحزب الوحيد الذي أحيى ذكرى النكبة في فلسطين يوم تسابقت الأحزاب إلى بوابة رئيس الوزراء، لقد فضل ولد حنن أن يولي وجهه شطر "تنبدغه" لتعزية أهل الديار في فقيدهم الشيخ محمد الأمين ولد امحيميد حيث اتصل به ديوان الوزير هناك مرة أخرى، لقد انفرد صالح بمواقف قبلها وربما ينفرد بأخرى بعدها تيمنا بقول الطغراني:
وإنما رجل الدنيا وواحدها من لا يعول في الدنيا على أحد
لقد أصدر "حاتم" بيانا بتمسكه بخط المعارضة انحيازا إلى هموم الشعب وقضايا الأمة.
ـ الأخ الرئيس صار ابراهيما التحق بنظرائه المعارضين عندما لم يعره رئيس الوزراء سمعا لشروط منطقية وواردة بعد إعلانه قبول المشاركة في الحكومة.
خاتمة
ذهبت أول حكومة في حكم الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله برئاسة الزين ولد زيدان وقد أجمع الجميع على فشلها، ذهبت بعدما تورطت في صفقات مشبوهة، وتباطأت في ملفات ملحة، وقصرت في أزمات حادة، وختمت بسوء خاتمة عندما شارك وزير خارجيتها المقال محمد السالك ولد محمد الأمين في الاحتفال باغتصاب الصهاينة لمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام أعين الموريتانيين وعلى أرض شنقيط دون حياء أو خجل.
لكن الأدهى والأمر من ذلك أن تحل مكانها حكومة يقودها أحد ثلاثة ضمتهم هذه الحكومة ـ يحي ولد الواقف والمصطفي ولد حمود وبباها ولد أحمد يورا ـ تورطوا من قريب أو من بعيد في أبشع عملية إفلاس لإحدى أهم الشركات الوطنية التي تمثل سيادة الدولة أي الخطوط الجوية الموريتانية التي كان ثلاثتهم رؤساء مجلس إدارتها في فترات مختلفة، مما نتج عنه تسريح مئات العمال وتشريد عشرات الأسر.
حكومة وجهها الخارجي مطبع بامتياز، والداخلي ذي سوابق في الفساد. حكومة أغضبت الشعب ولم ترض الموالاة وخيبت الأمل المرجو من رئيس الجمهورية.
حكومة لن تحلق بعيدا مهما حاول جناحاها اليساري والإسلامي لأن حوصلتها أكبر وأثقل من ذلك ولأن التحليق إنما يتم برأس مستقيم ومنقار نافذ وبطن خفيف قبل أن يأتي دور الأجنحة.
ouldsidimaouloud@maktoob.com
من الصعب جدا بل ربما من المجحف أن يحكم المرء من زاوية تحليلية منصفة بالفشل على حكومة لم تباشر بعد مهامها بشكل فعلي. ربما يقرؤه البعض كحكم مسبق لا يستند إلى الكثير من المنطق والواقع.
لكنني يمكن أن أنطلق من جملة ملاحظات قد تجعل القارئ يتفهم بعض ما أكتب:
ـ أولا إن الحكومة الجديدة أكثر من ثلثيها وزراء سابقون ومن الممكن الحكم على مستقبلهم انطلاقا من ماضيهم.
ـ ثانيا أن الوزراء الجدد فيها مهما صدقت نواياهم سيظلون مكبلين بصلاحيات محدودة وبكونهم أقلية قليلة، هذا إذا تجاهلنا النفوذ الخفي للعسكر الذي يرى البعض أنه كبل الرئيس عن الكثير مما يريد فعله فبالأحرى .....
ـ ثالثا عدم انسجام الحكومة نفسها، بل العدائية المتجذرة بين بعض أركانها سيكون عاملا قوي التأثير السلبي على عملها بل على استمرارها.
ـ رابعا وجود شخصيات كبيرة من رموز الفساد ذات نفوذ سلطوي ومالي متفوق في هذه الحكومة سيكون عائقا حقيقيا أمام أي إصلاح.
ـ خامسا عدم الرضي العام عن طبيعة التشكيلة التي أغضبت الشعب ولم ترض الموالاة، ويوضح ذلك الاستياء الشعبي إثر تعيين رموز الفساد ثم موقف الحزب الجمهوري الذي لم يحظ بغير كاتب دولة رغم حجمه الانتخابي الذي فاق حزب البديل مثلا الذي منح وزارة الداخلية لمعايير زبونية محضة، وكذلك موقف حزب الفضيلة الذي هدد بالانسحاب من الحكومة وإن كنت لا أصدق لأن أغلب قياداته من ذوي المخزن ولا يمكن أن تبتعد إلا بقدر ما تبتعد السمكة عن الماء. ثم أنصار الزين ولد زيدان السابقون الذين تخلوا عن مرشحهم عندما لم يرضهم في الحكومة المنصرمة ليجدوا أنفسهم اليوم في وضع أسوأ.
وانطلاقا من الملاحظات السابقة يمكن أن نعرج أكثر على محطات في المشهد السياسي اليوم توضح جملة أمور لسنا في غنى عن تذكرها:
1 ـ عودة رموز الفساد
لقد شكلت الحكومة الجديدة صفعة حقيقية ومدوية في وجه الإصلاح والحالمين به وذلك من خلال بعثها لجماعة من أكبر رموز الفساد وأخطر أركان نظام ولد الطايع الذين أفنوا ملكه بنهبهم وفسادهم، وغدروا شخصه بالتخلي عنه في ثوان محدودة لحربائيتهم المتطورة.
إن المواطن البسيط الجائع قد يتساءل عن سبب تجديد البيعة لأناس سببوا للبلد كوارث جمة، كما قد يتساءل هل بقي من عمر هؤلاء ما يكفرون فيه عن ما اقترفوه في حق هذا الشعب؟! وماذا استفادت الدولة والشعب من تعيين وإعادة تعيين هؤلاء لنفاجأ اليوم بإعادة إعادة تعيينهم ؟!
ولنستعرض بعض ما احتله بعض هؤلاء من وظائف سامية لنتذكر إن كانوا حققوا فيها ما يجعلنا مضطرين لبعثهم من جديد:
ـ الشيخ العافية ولد محمد خونة: أول وزير موريتاني تطأ قدماه تلابيب، كان 1992 إلى 1993 مديرا للشركة الموريتانية الجزائرية للصيد التي أفلست إلى اليوم إثر ما أشيع أنه فضيحة مالية حفظت ملفاتها في العدالة في ظروف غامضة، ثم أمينا عاما لوزارة الصيد 1994 ثم وزيرا للصيد 1995 ثم رئيسا للوزراء 1996 ثم أمينا عاما لرئاسة الجمهورية 1998 ثم وزيرا للخارجية نفس السنة ثم وزيرا أولا لفترة ثانية من نوفمبر 1998 إلى يوليو 2003 ، ربما يتذكر البعض كيف ختم مشواره حينها بالهجوم على رموز الدين والعلم وعلى التدين عموما عندما سخر من الحجاب الشرعي ... وشنها حملة وقحة وبذيئة ضد رافضي التطبيع ومحاربي الفساد.
ـ بيجل ولد حميد:كان مفوضا للأمن الغذائي ... ثم وزيرا للتجارة والصناعة التقليدية والسياحة ثم وزيرا للصيد، والتنمية الريفية، والصحة والشؤون الاجتماعية، ووزيرا للمالية مرتين، ومديرا عاما للشركة الموريتانية لتسويق الأسماك ثم مديرا عاما للصندوق الوطني للضمان الصحي.
ـ محمد يحظيه ولد المختار الحسن: كان أمينا عاما لخزينة الدولة ثم محافظا مساعدا للبنك المركزي ثم رئيسا لمجلس إدارة الشركة الموريتانية للصناعة والمناجم "سنيم" ، ووزيرا للإقتصاد والمالية، ووزيرا أمينا عاما لرئاسة الجمهورية. كما كان أمينا عاما للحزب الجمهوري سابقا قبل إقالته وسط إشاعات بفضائح مالية وانتكاسات سياسية.
ـ بباها ولد أحمد يورا : شغل منصب الأمين العام للوزارات التالية: المياه والإسكان ثم المياه والطاقة ثم التجارة ثم الثقافة والاتصال، ثم مديرا "لصونلك" ثم رئيسا لمجلس إدارة الخطوط الجوية ـ التي أفلست ـ ثم لشركة "سونمكس" من 1996 إلى 2003 ومن 2003 إلي تعيينه الحالي كان مديرا عاما لميناء انواذيبو المستقل.
أركان نظام ولد الطايع هؤلاء يملكون ثروات طائلة مالية وحيوانية وأراضي كثيرة وأرصدة وأسهما في بنوك إن لم تكن بنوكا بعينها، كما سبق وأن تورط بعضهم في فضائح مالية شهيرة لا زال بعضها في أروقة العدالة وفي رشاوى، وتوضع علامات استفهام حول أخلاق بعضهم!! وأغرب ما في الأمر أنهم حتى على المستوى السياسي من حيث التمثيل الشعبي شهدوا تراجعا كبيرا وانتكاسات عندما هزم بعضهم في الانتخابات النيابية والبلدية في مسقط رأسه أو هزم شقيقه رغم إنفاق عشرات الملايين وإبرام الصفقات القبلية ومنح رشاوى كبيرة والشفاعة بالسلطات المحلية.
2 ـ تناقض ينذر بالانفجار
إن جلوس معارضين راديكاليين وتقليدين يساريين وإسلاميين إلى جانب أباطرة الولاء وأعمدة التطبيع ورموز الفساد قد لا يستمر طويلا لأنه لا توجد مؤشرات توحي بانسجام متوقع أو ممكن بين النقائض، إذ سيجد الشق الأول نفسه عاجزا عن تحقيق إصلاح يحلم به أو عدالة يطمح إليها أمام طغيان قوة الطرف الآخر، فكما يقول باسكال " العدالة دون قوة عاجزة،والقوة دون عدالة طاغية" ، كما سيجد الطرف الثاني نفسه مزهوا بعد أن سوق للرأي العام أن جل المعارضين إنما هم طلبة سلطة، هذا إذا لم يستكن الطرف الأول للثاني أو يعده، فقديما قال الشاعر أبو الفتح البستي :
من استنام إلى الأشرار نام وفي قميصه منهم صل وثعبان
3 ـ عزاء الشعب
مع كل السأم واليأس الذي أصاب الجميع ومع قوة الصدمة ومشقة الظرف لا زال في النفق بصيص أمل ولا زال في الدرب رفاق ينحازون إلى هموم الشعب:
ـ تكتل القوى الديموقراطية لم يتردد في كشف المسرحية فأعلن موقفه " كحزب تليد في المعارضة ... من التحدي أن يسام بالتخلي عن برامجه السياسية والتي حملها سنين طويلة مقابل حقائب وزارية محدودة..." ولسان حاله قول خليل مطران:
ليس الموفق من رزق المنى لكن من رزق الثبات الموفق
ـ حزب الإتحاد والتغيير الموريتاني "حاتم" كان رئيسه صالح ولد حنن أول من صارح رئيس الوزراء المكلف بضرورة أن تكون الحكومة القادمة حكومة وحدة وطنية ذات برنامج يتفق عليه الجميع يضع في أولى أولوياته الظروف المعيشية الصعبة للمواطن البسيط بالإضافة إلى ملف الأمن وقطع العلاقة مع الصهاينة، كما كان الحزب الوحيد الذي أحيى ذكرى النكبة في فلسطين يوم تسابقت الأحزاب إلى بوابة رئيس الوزراء، لقد فضل ولد حنن أن يولي وجهه شطر "تنبدغه" لتعزية أهل الديار في فقيدهم الشيخ محمد الأمين ولد امحيميد حيث اتصل به ديوان الوزير هناك مرة أخرى، لقد انفرد صالح بمواقف قبلها وربما ينفرد بأخرى بعدها تيمنا بقول الطغراني:
وإنما رجل الدنيا وواحدها من لا يعول في الدنيا على أحد
لقد أصدر "حاتم" بيانا بتمسكه بخط المعارضة انحيازا إلى هموم الشعب وقضايا الأمة.
ـ الأخ الرئيس صار ابراهيما التحق بنظرائه المعارضين عندما لم يعره رئيس الوزراء سمعا لشروط منطقية وواردة بعد إعلانه قبول المشاركة في الحكومة.
خاتمة
ذهبت أول حكومة في حكم الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله برئاسة الزين ولد زيدان وقد أجمع الجميع على فشلها، ذهبت بعدما تورطت في صفقات مشبوهة، وتباطأت في ملفات ملحة، وقصرت في أزمات حادة، وختمت بسوء خاتمة عندما شارك وزير خارجيتها المقال محمد السالك ولد محمد الأمين في الاحتفال باغتصاب الصهاينة لمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام أعين الموريتانيين وعلى أرض شنقيط دون حياء أو خجل.
لكن الأدهى والأمر من ذلك أن تحل مكانها حكومة يقودها أحد ثلاثة ضمتهم هذه الحكومة ـ يحي ولد الواقف والمصطفي ولد حمود وبباها ولد أحمد يورا ـ تورطوا من قريب أو من بعيد في أبشع عملية إفلاس لإحدى أهم الشركات الوطنية التي تمثل سيادة الدولة أي الخطوط الجوية الموريتانية التي كان ثلاثتهم رؤساء مجلس إدارتها في فترات مختلفة، مما نتج عنه تسريح مئات العمال وتشريد عشرات الأسر.
حكومة وجهها الخارجي مطبع بامتياز، والداخلي ذي سوابق في الفساد. حكومة أغضبت الشعب ولم ترض الموالاة وخيبت الأمل المرجو من رئيس الجمهورية.
حكومة لن تحلق بعيدا مهما حاول جناحاها اليساري والإسلامي لأن حوصلتها أكبر وأثقل من ذلك ولأن التحليق إنما يتم برأس مستقيم ومنقار نافذ وبطن خفيف قبل أن يأتي دور الأجنحة.







